كيف ساهم الحرامية الكبار و«ليبراليتهم» الاقتصادية في مضاعفة وتعميق آثار العقوبات الغربية؟

كيف ساهم الحرامية الكبار و«ليبراليتهم» الاقتصادية في مضاعفة وتعميق آثار العقوبات الغربية؟

تعرضت دول عديدة حول العالم للعقوبات الغربية، وكان لكل منها سلوك محدد اتجاه تلك العقوبات، مكنّ عدداً منها من تقليل آثار تلك العقوبات وإنْ بمستويات متفاوتة... ولكنّ الوضع في سورية (كما شأننا هذه الأيام في تحطيم قوائم الأرقام القياسية من أسفلها)، كان «مميزاً»...

في هذه المراجعة والتجميع لعدد من الأفكار التي طرحتها قاسيون خلال السنوات العشر الماضية، نحاول الخروج بصورة عامة ليس عن طبيعة العقوبات التي طبقت على سورية، بل عمّا سمح لها بالتأثير بهذا الشكل الكبير، بل وضاعف تأثيرها وصولاً إلى الوضع الكارثي الذي يعيشه السوريون منذ سنوات.

العقوبات

لطالما استخدم الغرب وبالأخص الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب- فعلياً تُصنّف الأمم المتحدة هذا النوع من العقوبات تحت عنوان «التدابير القسرية أحادية الجانب»، والذي هو توصيف أدق لها- ومنذ الحرب العالمية الثانية تم استخدامها كوسيلة- وخاصة من الولايات المتحدة- تحت شعار معلن هو «تغيير سلوك» أنظمة وحكومات. ولن نخوض هنا في تفاصيل الفعالية الصفرية (في أحسن الأحوال) لهذه العقوبات فيما يتعلق بإحداث أي تغيير في سلوك أية حكومة أو نظام منذ أن بدأ استخدامها، وتفاصيل تأثيراتها الكارثية على شعوب الدول التي يتم فرض العقوبات عليها، فهناك الكثير من الدراسات حتى من مراكز أبحاث وخبراء غربيين وأمريكيين حول عدم فعالية هذه الأداة، بل فشلها الذريع ونتائجها العكسية.
ما سنركز عليه هنا هو مراجعة من صلب الواقع الراهن في طريقة التعامل مع هذه العقوبات، والتي «نجحت» على مدار عقود- أي من وجهة نظر من يفرض هذه العقوبات، وفي تحقيق أهدافها الحقيقية، وليس الأهداف المعلنة- أي إن هذا النجاح يتم قياسه بمدى إضعاف الدولة ومؤسساتها وإفقار الشعوب.
سنقسم هذه المادة إلى قسمين رئيسيين، في القسم الأول: سننظر في طريقة تعاطي الحكومات السورية مع العقوبات الغربية، ودور طريقة التعامل هذه فيما نراه اليوم من وضع كارثي للشعب السوري؛ وفي القسم الثاني: سنراجع بعض الأفكار حول ما كان يمكن لسورية القيام به للحد قدر الإمكان من تداعيات العقوبات المفروضة عليها ضمن الواقع السوري- وهذه الأفكار وردت في مواد سابقة لقاسيون حول موضوع العقوبات ويمكن الاطلاع عليها بالتفصيل على موقع قاسيون، ومن خلال الروابط المرفقة في النسخة الإلكترونية لهذه المادة.

كيف تعاملت الحكومات السورية مع العقوبات الغربية؟

كان للسياسات الاقتصادية القائمة الدور الأكبر في إعطاء المجال لتأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد السوري بالشكل الذي أثّرت به، كما إن عدم تعديل هذه السياسات فيما يتجنب- أو على الأقل- يخفف من هذه التأثيرات، كان عاملاً مساهماً في تعميقها وتثبيتها لتوصل حال البلاد إلى ما هي عليه اليوم من انهيار اقتصادي ومستوى معيشي متدنٍ إلى حدّ كارثي.
بعد أكثر من عام من بدء الأزمة السورية والعقوبات المفروضة عليها، أعلنت الحكومة طلبها من وزاراتها اقتراح حلول للتخفيف من الأضرار الناجمة عن العقوبات، ومنذ البداية لم تصدر دراسة واحدة من أية جهة حكومية حول الأثر الفعلي للعقوبات على الاقتصاد الوطني، ولم يتم طرح أيّ بدائل بالرغم من تأثّر كافة القطاعات بها.
كانت للسوق الغربية حصة كبيرة من الاستيراد والتصدير قبل 2011، وعندما بدأت الأزمة انخفض الاستيراد والتصدير إلى %50 مما كان عليه، كما تضررت إلى حد كبير قطاعات السياحة والصناعة. وأدى «الانفتاح» الاقتصادي إلى تراجع في الصناعة الوطنية، حيث غزت البضاعة الأجنبية السوق، وخرج المنتج الوطني من السوق. كما أن المشاريع الاستثمارية شهدت تراجعاً كبيراً، إما لأنها كانت خارجية وتوقفت بسبب العقوبات، أو لأن كبار المستثمرين من مافيات الفساد قاموا بتهريب أموالهم خارج البلاد.
أدى الاعتماد أو الارتباط بالسوق الغربية إلى مستوى عالٍ من «انكشاف» اقتصاد البلاد لها، وهذا يرتبط بعاملين أساسيين: العلاقات المالية والمصرفية، والتجارة الخارجية. وكلما زاد هذان العاملان ضمن بنية الاقتصاد، كلما زاد عُمق تأثير العقوبات على اقتصاد البلاد.
وعند أخذ هذه المعادلة بعين الاعتبار، يمكن فهم الأسباب التي جعلت «قانون قيصر» أكثر فعالية في التأثير على الاقتصاد من العقوبات الأمريكية المعتادة، والتي كانت مفروضة على سورية لعقود قبل الأزمة، حيث إن العقوبات بموجب «قيصر» تجاوزت المستوى المباشر من التعاملات، أي أن العقوبات لم تُفرض فقط على الجهات التي تتعامل بشكل مباشر مع الجهة الخاضعة للعقاب، بل أية جهات أخرى ثالثة تتعامل مع المُعاقَب والمُعاقِب.
في 2010 كانت التجارة الخارجية تشكل حوالي %40 من الإنتاج المحلي، ولذلك استطاعت العقوبات بسهولة أن تشل حركة الاقتصاد، والتي حتى قطاع الدولة ومؤسساتها الإنتاجية والخدمية فيها كانت معتمدة إلى حد كبير على الواردات من الخارج، وبالأخص في قطاع بأهمية قطاع النفط الذي يؤدي تراجع حاد فيه كالذي حصل في سورية لتأثيرات كارثية على كافة القطاعات الأخرى، وعلى رأسها الإنتاجية والخدمية. وفي قطاع الصناعة، على سبيل المثال، كان هنالك اعتماد كبير على تقنيات غربية، وبحاجة لقطع غيار غربية وخبراء غربيين لصيانتها وإصلاحها، حيث لم يتم تدريب كوادر محلية للتمكن من إصلاحها، وفي حالات كثيرة كانت الكوادر المحلية قد امتلكت القدرة فعلاً على التصدي لأعقد الأعطال، ولكن استجلاب «الخبير الأجنبي» و«القطعة الغربية» كانا وما يزالان باباً لنهب وفساد ضخم.
عودة إلى قطاع النفط، حيث حصلت الشركات الأجنبية على حصة كبيرة من هذا القطاع من خلال امتيازات التنقيب والاستكشاف والاستخراج والاستثمار، وأتت بالخبراء الأجانب الذين كانت رواتبهم أعلى بكثير من رواتب اليد العاملة المحلية، وفي الوقت ذاته ذهبت الخبرات والكفاءات الوطنية في القطاع ذاته للعمل في الخارج، وبالأخص في دول الخليج..
بدل أن تحاول الدولة العمل على إيجاد بدائل لتغطية حاجة الاقتصاد والمستهلكين للطاقة من النفط والغاز والمازوت والديزل، قامت بإجراءات حمّلت من خلالها العبء الأكبر على المواطن من خلال فرض التقشف في الاستهلاك، من خلال ربط شراء هذه المواد بالبطاقة الذكية، والذي لم يكن كافياً للاستهلاك اليومي، ما فتح الباب بشكل أوسع للسوق السوداء (التي يستفيد منها الناهب المحلي والدولي) وبأسعار خيالية لا يمكن لغالبية الشعب تأمينها.
لا يمكن تجاهل التأثير المباشر للعقوبات أيضاً على المواطنين، حيث إن الانخفاض الحاد في استيراد المواد الأساسية له تأثير ليس فقط على القطاعات الإنتاجية ومن ثمّ على المستهلك، ولكن أيضاً له تأثير مباشر على مواد الاستهلاك المنزلي، مثلاً: القمح والسكر، أو في القطاعات الخدمية كالنقل، على سبيل المثال: المازوت والغاز. أدت العقوبات إلى الصعوبة في توريد كميات كبيرة من السلع المستوردة بالإضافة إلى صعوبات في المدفوعات، وارتفاع تكاليف التأمين في عملية الاستيراد، وهذا رفع الأسعار بشكل كبير. واستخدمت العقوبات كذريعة إضافية لاعتماد الجهات العامة على الشركات والموردين الخاصين للقيام بعمليات الاستيراد، والذين قاموا برفع الأسعار بحجة ارتفاع المخاطر والتأمين، ما يعني: أن أولئك حققوا أرباحاً عالية جداً من المال العام، مما رفع الأسعار إلى مستويات جنونية.
قدمت قاسيون عدة دراسات حول بعض هذه الأسعار والتكاليف، والتي لم يكن جزء كبير منها مبرراً، من خلال المقارنة مع الأسعار العالمية، وأيضاً بحكم أن بعضها من المفترض أنها مستثناة من العقوبات لأنها مواد غذائية أساسية، مثل: السكر. من خلال بعض الدراسات المذكورة وجدنا الكثير من الثغرات في «الرواية» المعتمدة لتبرير رفع الأسعار، وأن نسبة كبيرة من ارتفاع السعر كانت نتيجة صفقات مثقلة بالفساد والنهب لصالح كبار التجار والسماسرة والوسطاء. على سبيل المثال: في دراسة في آذار 2015 حول استيراد السكر، توضّح لنا أن تضخيم الكلف نتيجة الفساد والنهب ومخالفات قانونية فاق %50 ونتج عنه هدر الملايين من العملة الصعبة من المال العام.
نظرت قاسيون في شباط 2019 في نموذج آخر، وهو القمح، حيث تبين أن الحكومة كانت تدفع ما يعادل 14 مليار ليرة شهرياً لاستيراد القمح عن طريق رجال أعمال وليس بشكل مباشر بين حكومات، وهذا كان إشكالياً على عدة مستويات، ومنها: أن الدفع كان بالدولار، بالإضافة إلى أن رجال الأعمال يمكن أن تطالهم العقوبات بأية لحظة، وهذا ما حصل مع عدد منهم. وفي ذات الوقت انخفض الإنتاج المحلي للقمح وكان ذلك مرتبطاً بعدة عوامل، وفق المزارعين، ومنها ما له علاقة بآليات التصنيف الحكومية للأنواع، والتي أدت إلى خفض السعر المدفوع للمزارعين، بالإضافة إلى تكاليف النقل العالية إلى مراكز الاستلام الحكومية القليلة، عدا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج.
هذه الممارسات أدت إلى استخدام جزء كبير من احتياطي العملة الصعبة لتلبية حاجات الاستيراد، ما أدى إلى حجبها عن المساهمة في الإنتاج التي كانت تقوم بها سابقاً، وبالتأكيد عن المساهمة في تعزيز الإنتاج الوطني لتجاوز العقوبات.
وبما أن الفاسدين الكبار والسماسرة والوسطاء استفادوا بشكل كبير من العقوبات، وقبل ذلك لحد كبير من «الانفتاح» على السوق الغربي، كان لهم دور كبير في محاربة المحاولات التي يمكن أن تخفض مستوى «انكشاف» الاقتصاد للسوق الغربية وتوجهها شرقاً، والذي كما سنرى في القسم الثاني، كان يمكن أن يكون أحد الآليات الفعالة في تخفيف وطأة العقوبات الغربية على الاقتصاد الوطني، وبالتالي على الشعب السوري. كما كان لقوى الفساد الكبير دور في عرقلة القيام بأية خطوات للرد على العقوبات، لأن ذلك كان سيضرب مصالحها وفرص استغلالها للعقوبات لتزيد ثروتها ونهبها، بالإضافة إلى أن ذلك كان سيهدد استمرار علاقتها مع الغرب ويوقف نهبها.
وبشكل عام، كانت طريقة التعامل مع العقوبات هي التنديد بها وانتظار رفعها لتتدفق الأموال إلى سورية، أو بكلام آخر للعودة إلى العمل كما كان الأمر قبل الأزمة وقبل العقوبات، أي استمرار الارتباط الاقتصادي بالغرب...

كيف كان يمكن أن تتعامل سورية مع العقوبات الغربية؟

منذ بداية الأزمة، قلنا: إن إحدى أهم وسائل مواجهة التحديات الاقتصادية هي العودة للاعتماد على الذات من خلال إصلاح وتفعيل القطاع العام، والذي تُرك ضحية للفساد والسياسات الاقتصادية الليبرالية الوحشية، التي نهشت اقتصاد البلاد وتركته ضعيفاً وعرضة للخطر والانهيار. كما أن العقوبات كانت فرصة يمكن الاستفادة منها لإعادة الاعتبار للصناعة الوطنية وتفعيل الطاقات والثروات الوطنية، ليتحول الاقتصاد إلى اقتصاد قوي الإنتاجية يضع على الرفوف المنتجات الوطنية مكان الفراغ الذي تركته البضاعة الأجنبية التي اختفت نتيجة العقوبات، وهذا كان يمكن أن يكون له دور إيجابي سريع في اختراق العقوبات. عدا عن فرص العمل التي كانت يمكن أن تخلقها بعض الخطوات البسيطة، مما يؤدي إلى تحريك العجلة الاقتصادية بشكل يؤمن الاحتياجات، وفي الوقت ذاته يوقف تدهور المستوى المعيشي والقوة الشرائية التي كانت ستبقي أجزاء أخرى من الاقتصاد المحلي والوطني على قيد الحياة.
وبشكل مبسط ومختصر، وكما قلنا سابقاً: إيقاف التدهور الاقتصادي (كان) ممكناً في حال تم استخدام الموارد والثروات الوطنية بشكل منظم لتوسيع الاستثمار الوطني، أي توسيع القاعدة الإنتاجية الحقيقية مباشرة، وضمان تخفيض تكاليفها عبر الدعم الحكومي، وتوزيع نتائج هذا الاستثمار على أصحاب الأجور والمنتجين، والذي سيمكنهم من الاستمرار والاستهلاك.
ضمن ذلك يندرج أيضاً دعم الزراعة، وعلى سبيل المثال: في وضع القمح الذي أشرنا إليه أعلاه، كان يمكن مثلاً للدولة بدل دفع المبالغ الهائلة لرجال الأعمال لاستيراد القمح، تحويل تلك المبالغ إلى قروض للمزارعين لتخفيض تكاليف إنتاج القمح ونقله إلى المراكز الحكومية لبيعه للحكومة، ما كان سيحفز الاستمرار بزراعة القمح، وبالتالي توفيره للدولة بأسعار أقل، وبعيداً عن العقوبات، وسيغطي جزءاً كبيراً من الحاجة المحلية لهذه المادة الأساسية. ويمكن تغطية الاحتياجات الإضافية من خلال الاستيراد دون الوسطاء، ومن خلال التعامل بعملات غير الدولار واليورو، وخارج نطاق الشركات والبنوك المرتبطة بالغرب ومنظومته المالية والمصرفية.
وكما قلنا سابقاً: كان «ينبغي أن تكون أوسع الموارد، هي موارد الدولة، ومودعة وعاملة داخل البلاد وممنوعة من الخروج، وأن يكون التعامل مع الأطراف المستعدة لتجاوز العقوبات، يتم بأعلى المستويات الرسمية، وبآليات مستقلة ولا تطالها العقوبات، كاتفاقيات التعامل بالعملات المحلية، وبين البنوك الرسمية، واتفاقيات التعامل بالمقايضة وغيرها من الآليات التي لو طبقت لكان فقر عموم السوريين أقل، وكان الثراء الفاحش لوسطاء الحرب والعقوبات أقل».
إحدى الخطوات الأساسية في هذا السياق- وكما أشرنا منذ بدايات الأزمة- كانت عبر تأميم الشركات والمنشآت التابعة للدول التي فرضت العقوبات، ووضع يد الدولة على الآلات التي فيها، وإيقاف عقود ترخيص عمل هذه المنشآت داخل الأراضي السورية. أحد أهم القطاعات التي كان يجب أخذ هذه الخطوة فيها هو قطاع النفط، والذي كان يمكن أن يكون داعماً مهماً لصمود الاقتصاد في وجه العقوبات من خلال تحريك عجلة الصناعة الوطنية، وتأمين احتياجات أساسية، بما في ذلك الطاقة والوقود.
بالرغم من أن معظم الخبرات التي كانت تعتمد الصناعة عليها، كانت خبرات أجنبية تم استيرادها هي أيضاً، وإنفاق الكثير عليها، إلا أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك خبرات وطنية يمكن تنميتها وتدريبها بالتعاون مع الدول الصديقة، والاعتماد عليها في ترميم وإصلاح المنشآت التي توقف عملها وانهارت بسبب خروج الخبير الأجنبي، كما أنه كان يمكن الاستثمار في استقطاب الخبرات الوطنية المهجّرة التي أخذت خبرتها وكفاءاتها خارج البلاد، عندما تدفق الخبراء الأجانب، وبالأخص إلى قطاع النفط.
بالإضافة إلى ما كان يمكن القيام به على المستوى الداخلي لتحصين الاقتصاد بشكل أفضل من تأثير العقوبات الغربية، كذلك كان من الممكن القيام بخطوات على المستوى الخارجي وبالتحديد الاتجاه شرقاً، وليس فقط كحلّ لمواجهة العقوبات الغربية، بل كخيار استراتيجي متكامل، يعالج في الوقت الحالي تداعيات العقوبات الغربية على الاقتصاد، ولكن على المدى البعيد ليكون استراتيجية تحصين للاقتصاد، وبالأخص من السياسات الليبرالية التي جعلت من الاقتصاد هدفاً سهلاً على الغرب من خلال العقوبات.
على سبيل المثال، وفيما يتعلق بالعقوبات التي ضيّقت وصول الطاقة إلى سورية: كان من المهم أن يكون أحد الأهداف الأساسية تأمين استمرار تدفق الطاقة، والتي كما أشرنا لها دور أساسي في تحريك الإنتاج الوطني إلى حد الوصول إلى الاعتماد على الذات، على الأقل في جزء مهم من الاقتصاد. هذا يتطلب اتفاقيات مع دول لا تُعير العقوبات أي اهتمام، ومن خلال فتح حسابات بالعملات المحلية واتفاقيات بعملات غير الدولار واليورو.
كما أن أحد الأساليب التي يمكن من خلالها ملاحقة البضاعة الواصلة إلى سورية مرتبط بعملية الشحن نفسها، وبالأخص بنقل النفط الذي كان لتوقف تدفقه إلى سورية أثر كبير على الاقتصاد. وتكمن أهمية عملية الشحن بارتباطها بشركات التأمين، والتي هي بدورها مرتبطة بالمنظومة المالية والمصرفية العالمية الخاضعة للرقابة والتحكم الغربي، لا سيما الأمريكية. وتجاوز هذا الأمر يتطلب فروع تأمين وسفن شحن سورية، وكان أحد اقتراحاتنا شراء سفن حكومية تعمل بشكل مستقل عن المنظومة الدولية، ولنقل البضائع والنفط من الدول الجاهزة للتعامل مع الدولة السورية.

لماذا إذاً ما زالت سورية والسوريون ضحايا العقوبات؟!

إن الخيارات المطروحة في هذه المادة وغيرها ما زالت في قسم أساسي منها قابلة للتطبيق، بالرغم من الوضع الكارثي الذي وصل إليه الاقتصاد السوري خلال السنوات العشر الماضية... بل وتحولت جملة الإجراءات التي تم اقتراحها في حينه من خيار بين خيارات إلى ضرورة وجودية...
مع الوضع الدولي الجديد، وبدء نمو تبادلات بين دول منها من كانت تعتبره الولايات المتحدة ذا تبعية عمياء لمنظومتها الاقتصادية وارتباطها الوثيق بالدولار، نجدها اليوم تبرم اتفاقات تجارية بعملات مختلفة. أي أننا نرى تراجع الدولار ومنظومته كأساس لكافة التعاملات الدولية، ما يفتح المجال بشكل أكبر لاتخاذ خطوات تقطع إلى حد كبير اعتماد اقتصاد أي بلد على الدولار، بالأخص الدول التي تخضع لعقوبات أمريكية/ غربية قاسية، كما هو الحال في سورية.
إمكانية تخفيف تأثير العقوبات لا يكمن فقط في البدائل والسياسات الاقتصادية التي تضع الاقتصاد الوطني والإنتاج الوطني والسوق الوطني والمستهلك السوري أولوية لها، ولكن في الإرادة السياسية، وهذه تتطلب تغييراً جذرياً للوصول إليها...
فالنخبة المتنفذة والمستفيدة من استمرار الأزمة بكل جوانبها، والمتحكمة بمفاصل الدولة، أظهرت بما يكفي من الوضوح: أنها غير مستعدة للقيام بأي دور إيجابي، ولم يعد الناس ينتظرون منها سوى المزيد من المصائب.
وباختصار، فإنّ تجاوز الانهيار الاقتصادي القائم ممكن، ولكن الطريق نحوه لم يعد اقتصادياً أو مالياً، بل بات سياسياً بالدرجة الأولى... ما يحول تطبيق الحل السياسي الشامل عبر 2254، أي البدء بتغيير جذري للبنية والمنظومة القائمة، أداة أساسية ووحيدة في حل الأزمات الاقتصادية وفي تجاوز العقوبات...

مراجع:

فيما يلي وللاطلاع، روابط لبعض المواد السابقة التي نشرتها قاسيون وتطرقت لموضوع العقوبات منذ بداية الأزمة:
بعد العقوبات على النفط السوري.. فلنؤمم شركات النفط‼ - 7 أيلول 2011
ارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة تأميم النفط السوري.. بدل تصديره خاماً لتهدده العقوبات.. لنستثمر نفطنا وطنياً- 13 أيلول 2011
الانفتاح الاقتصادي أحال المنتج الوطني إلى التقاعد المبكر‼ العقوبات فرصة أخيرة لإعادة الاعتبار للإنتاج الوطني.. فهل سنحسن استغلالها؟!- 20 كانون الأول 2011
كيف تتجاوز سورية مأزق العقوبات الاقتصادية الحالية؟!- 20 كانون الأول 2011
العقوبات الاقتصادية ما بين الفرصة والأزمة البنيوية- 7 أيلول 2012
العقلية الحكومية تعيق مواجهة الأزمات.. دراسة آثار العقوبات ووضع البدائل ضرورة تجاهلتها الحكومات المتعاقبة ووزاراتها!- 7 أيلول 2012
العين بالعين..- 15 شباط 2013
استيراد السكر: %51 تضخيم الكلف.. فهل تم هدر 69 مليون يورو لذلك؟ - 13 آذار 2015
13 مليار دولار أو أقل.. كافية لنمو الناتج!- 7 أيلول 2016
(ثمار) سياسية للعقوبات الاقتصادية- 20 كانون الثاني 2018
الغرب لن يتنازل عن عقوباته بسهولة.. فما العمل؟- 27 كانون الثاني2019
«الاكتفاء الذاتي» 14 مليار ليرة شهرياً لاستيراد القمح!- 3 شباط 2019
العقوبات تشتد… والبراغي مرخية؟ - 10 شباط 2019
العقوبات تحاصر السوريين وتفتح شبكة فساد محلي-دولي- 17 آذار 2019
ماذا نستنتج من تجربة الاستيراد الخاص للمازوت؟ - 1 نيسان 2019
العقوبات مجدداً لماذا لا نشتري سفننا المستقلة؟!- 14 نيسان 2019
جهاز الدولة هدف العقوبات والباب الوحيد للخروج منها- 16 كانون الأول 2019
العقوبات و(السلبطة)… مثال من القمح- 20 نيسان 2020
البنزين المستورد لسورية 3 أضعاف العالمي: و(ربح العقوبات) قد يصل 920 مليون دولار سنوياً!- 11 أيار 2020
هل يمكن تجاوز العقوبات؟ نعم ولكن بإزاحة الطبقة السائدة- 1 حزيران 2020
الموافقة على العقوبات… خيانة وطنية موصوفة!- 7 حزيران 2020
(قيصر)… خيار (الصمود في الهاوية) أو الهجوم الممكن في عالم اليوم- 8 حزيران 2020
أزمة الطاقة… أقل من نصف الحاجات الدنيا بين التمويل وتجاوز العقوبات- 16 تشرين الثاني 2020
العقوبات الأمريكية جريمة أداتها الاقتصاد السياسي للفساد والفوضى- 28 كانون الأول 2020

(النسخة الانكليزية)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1067
آخر تعديل على الخميس, 28 نيسان/أبريل 2022 15:00