تخفيض المساعدات للنصف... والجوع يتمدّد في سورية
ماذا يعني إعلان برنامج الأغذية العالمي بالنسبة لملايين الفقراء؟ ومن يتحمل مسؤولية مواجهة الأزمة؟
ماذا يعني إعلان برنامج الأغذية العالمي بالنسبة لملايين الفقراء؟ ومن يتحمل مسؤولية مواجهة الأزمة؟
تبدأ الحكاية من فاتورة كهرباء لا تشبه الفاتورة، بل تشبه صفعة باردة تُترك على باب بيتٍ أنهكه كل شيء. ورقة صغيرة، أرقام كبيرة، وقلوب أثقل من أن تُحصي ما تراكم عليها من عجز وخوف وتأجيل دائم لكل شيء. في الشوارع، في الأحياء، في البيوت التي بالكاد تضيء بمصباح واحد، يخرج إعلان جديد من شركات الكهرباء في المحافظات: غرامات، إجراءات قانونية، قطع، وسحب عدادات. وكأن المشكلة كانت يوماً في «التساهل»، لا في القدرة أصلاً على الدفع، وكأن الناس كانوا يتلكؤون عمداً، لا أنهم يلهثون خلف حياة تتراجع من تحت أقدامهم يوماً بعد يوم.
أثار قرار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية رقم /194/ الخاص بتحديد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى (مشول) لموسم عام 2026 موجة واسعة من الغضب والاستياء في الأوساط الزراعية والشعبية، بعدما حُدد سعر الطن الواحد بـ46 ألف ليرة سورية من العملة الجديدة، أي ما يعادل نحو 338 دولاراً أمريكياً وفق سعر صرف يقارب 13,600 ليرة للدولار حسب السوق الموازي.
كشفت الأمطار الغزيرة التي شهدتها القامشلي، أكبر مدن محافظة الحسكة، خلال الشتاء الماضي، عن تدهور واسع في البنية التحتية، بعدما ظهرت هبوطات وتصدعات في عدد من شوارع المدينة الرئيسية والفرعية، ما أثار مخاوف السكان من تأثير شبكة الأنفاق المنتشرة أسفل بعض الأحياء، ولا سيما في المناطق الشمالية القريبة من الحدود التركية.
تتواصل مختلف أشكال التحركات المطلبية للعمال والموظفين في محافظة الحسكة بسبب استمرار تدهور الأوضاع المعيشية بشكل عام، وتدني الأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، وتأخر صرف المستحقات المالية في بعض القطاعات. كما ساهمت حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والإداري التي شهدتها المحافظة في زيادة معاناة العمال، مما دفعهم إلى تنظيم الإضرابات والمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية وضمان حقوقهم المهنية.
في 12 أيار 2026 أعلنت الجهات الرسمية في سورية عن توقيع مذكرة تفاهم بين المؤسسة السورية للحبوب وشركة «فاز» للاستثمار، بهدف تطوير وتشغيل 11 مطحنة حكومية ضمن ما وُصف بأنه «شراكة استراتيجية» لتحديث قطاع الطحن ورفع كفاءته الإنتاجية.
وكأننا في مسلسل «فكاهي» رقمي، أغرقت الحكومة المواطن المنهك بسيل عارم من التطبيقات والمنصات الإلكترونية، وكأنها آثرت «الحرب لزيادة الشكاوى» بدل «الحرب على الفقر».
في الوقت الذي يعيش فيه السوريون واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ البلاد، تبدو الحكومة ماضية بخطوات متسارعة نحو فتح ملف خصخصة المصارف العامة، ليس بوصفه خياراً اضطرارياً مؤقتاً، بل كجزء من توجه اقتصادي كامل يقوم على بيع الأصول العامة والتخلي التدريجي عن أدوات السيادة الاقتصادية للدولة.
أوردت وكالة سانا في خبرٍ نشر بتاريخ 5 أيار 2026 أن محافظة ريف دمشق أصدرت سلسلة قرارات تقضي بشمول عدد من المناطق العقارية المتضررة في (الزبداني وداريا ويلدا والسيدة زينب والحسينية) بأحكام القانون رقم 3 لعام 2018 وتعليماته التنفيذية، في إطار استكمال الإجراءات المرتبطة بمرحلة ما بعد الدمار، ولا سيما ما يتعلق بإزالة الأنقاض، وتوصيف الأضرار، وتثبيت الحقوق العقارية تمهيداً لعمليات إعادة التأهيل.
يحاول صندوق التنمية السوري، المُحدث بموجب مرسوم رئاسي في العام 2025، أن يكون نافذة لتمويل مشاريع «إعادة الإعمار». لكن تقريره الربعي الأول لعام 2026، يكشف عن هشاشة نموذج يعتمد على التبرعات والمنح الخارجية.
خلال أقل من أسبوع واحد فقط، عادت أسعار المحروقات في سورية للارتفاع مجدداً، في مشهد بات يتكرر بصورة شبه يومية، وكأن السوريين لم يعد ينقصهم سوى المزيد من الضغوط والانهيارات المعيشية. ففي 7 أيار 2026 تم اعتماد سعر صرف قدره 13,300 ليرة للدولار في تسعير المشتقات النفطية، قبل أن تصدر نشرة جديدة بتاريخ 13 أيار ترفع السعر المعتمد إلى 13,600 ليرة، أي بزيادة 300 ليرة خلال ستة أيام فقط، لتنعكس فوراً على أسعار البنزين والمازوت والغاز، بينما يبقى دخل المواطن ثابتاً أو متآكلاً أصلاً تحت وطأة الغلاء والانهيار الاقتصادي.
بين ليلة وضحاها، قفز سعر المازوت من 0,75 دولار إلى 0,88، وحلّق البنزين من 0,85-0,91 دولار إلى 1,10-1,15. وبالطبع، انعكست هذه الأرقام فوراً على وسائط النقل العام التي لم تنتظر 24 ساعة لتمرير الزيادة إلى الركاب تحت عنوان «غلاء المحروقات».
في الفيلم الوثائقي «الرجل ذو النعل الذهبي» الصادر عام 2000، والذي انتقد نموذج إعادة الإعمار اللبناني الذي قاده رئيس الوزراء آنذاك، الملياردير رفيق الحريري، قدّم المخرج السوري، عمر أميرالاي، واحداً من أكثر الحوارات تكثيفاً بالمعنى السياسي والاقتصادي. كان الحريري يقف على شرفة مكتبه المطلة - من فوق - على مدينة بيروت التي تمت «إعادة إعمارها» بعد الحرب الأهلية اللبنانية، يسأله أميرالاي: «كيف شايف بيروت من هون دولة الرئيس؟»، يردّ الحريري: «يعني هوي الجمال يلي فيها إنك بتقدر تشوف البحر والجبل والبيوت بنفس الوقت»، ليبادره أميرالاي: «والناس؟».
كانت تلك إضاءة ذكية على أن المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب السلطة لم يعيروا أي وزن للناس، وأنهم غير قادرين على رؤية المكان - أي مكان - إلا بوصفه مساحة استثمارية يمكن التربح منها. الأكيد أننا في سورية اليوم نواجه نموذجاً شبيهاً، ورجالاً جدد ذوي نعال ذهبية، يطلون على الخراب السوري من شرفاتهم العاجية، لا ليروا ملايين الجياع أو القابعين تحت خط الفقر، بل ليروا في الركام «فرصاً» للخرسانة المسلحة والزجاج العاكس، محولين المأساة الوطنية وعذابات الحرب إلى «كاتالوغ» عقاري هدفه الوحيد إسالة لعاب رأس المال العابر للحدود.
في 13 أيار، وافق مجلس الشيوخ في الكونغرس الأمريكي رسمياً على تعيين كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، ما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي سيدخل «عصر وارش». وقبل ذلك، كان وارش قد بلور وطرح أفكاراً جديدة حول إطار السياسة النقدية، الأمر الذي أثار اهتماماً واسعاً في القطاع المالي العالمي، فالاحتياطي الفيدرالية يعني الدولار، ولا يزال الدولار رغم دورات الضعف المتتالية، هو العملة الاحتياطية الأولى في العالم.