اليسار السوري مقترحات حول الدور الراهن.
تتسم خريطة اليسار السوري اليوم بتشعبٍ يعكس غنى تجاربه وتنوع مكوناته، من أحزاب تاريخية وتيارات، وصولاً إلى مبادرات وبنى محلية على صعيد المناطق وشخصيات مستقلة. واليسار من حيث طبيعته وتكوينه مؤهل أكثر من أي تيار آخر على تقديم مقاربة عقلانية للواقع السوري الراهن وتعقيداته... لماذا... وكيف؟
أولاً: الميزة المطلقة
تكمن أهمية اليسار في طبيعته «العابرة للانتماءات الضيقة»؛ فهو الخطاب الوحيد القادر على جمع السوريين في بوتقة المواطنة، بعيداً عن التشوهات الطائفية، والنزعات الشوفينية، والانعزال القومي. ومع ذلك، يظل هذا «الامتياز» معطلاً بسبب غياب المبادرة الذاتية، وعدم تفعيل الإمكانات الكامنة، مما يستوجب تحالفاُ، أو حداً أدنى من التنسيق بين مكوناته، ليتحول إلى رقم صعب لا يمكن تجاوزه في المعادلة السياسية.
ثانياً: الاتفاق على الراهن
إن الخلافات حول سرديات الماضي البعيد، أو تقييم التجارب التاريخية والرؤى النظرية للمستقبل بين قوى اليسار، لا تتناقض مع ضرورة الاتفاق على «أولويات اللحظة». فاليسار- بجوهر تعريفه- لا ينبغي أن يختلف على ثلاث ركائز أساسية:
الدولة كمعطى حضاري:
الحفاظ على وحدة وسيادة الدولة السورية، وحق شعبها في تقرير مصيره. وهنا يجب التمييز الجذري بين الموقف من «النظام الحاكم» والموقف من «الدولة» ككيان جغرافي وتاريخي؛ فالدولة هي الخطوة التقدمية الكبرى قياساً إلى بنى ما قبل الدولة (القبيلة، الطائفة، الدين). ولا معنى لليسار إن لم يكن تقدمياً، ولا إمكانية للتقدم في ظل «الفراغ» الذي يعد أسوأ من أيّ سلطة. إن الحفاظ على استقلال الدولة وتحرير الأرض، ليس مهمة وطنية فحسب، بل هو مهمة طبقية بامتياز في ظل التقسيم الدولي الراهن للعمل.
أولاً: التنمية والعدالة الاجتماعية.
تبني نموذج اقتصادي يحقق التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية. وتوزيع عادل للثروة، فجوهر هوية اليسار يكمن في مناهضة استغلال الإنسان للإنسان، والانحياز لتطوير القوى المنتجة كقاطرة تاريخية للتغيير.
ثانياً: المواطنة وإدارة التعدد.
صياغة نموذج ديمقراطي سوري قادر على إدارة التوازن الاجتماعي والصراع السياسي؛ نموذج يحقق المواطنة الكاملة، ويقدم رؤية خلاقة، حسب خصائص الوضع السوري لواقع التعدد القومي والديني في البلاد، كالقضية الكردية وقضايا الآشوريين- السريان وغيرهم...
ثالثاً: الإرث الحي.
لا يبدأ اليسار من فراغ، بل يستند إلى إرث نضالي غني؛ في كل المناطق السورية، بدءاً من العمل الميداني في الأوساط الشعبية وتأسيس النقابات، والاتحادات والروابط، مروراً بالتضحيات في المعارك الوطنية والمعتقلات ضد الديكتاتورية والقمع، والحضور الفاعل في الحركة الاحتجاجية بعد عام 2011، وصولاً إلى التميّز الإبداعي في الفكر والرواية والفنون. هذا التراكم هو أحد الركائز التي تُخوّل اليسار في القدرة على ملامسة هواجس الأغلبية الساحقة من السوريين.
رابعاً: معيار الانتماء في عالم متغير.
تبلور هذا التيار تاريخياً في سياق الصراع بين الاقطاع والبرجوازية، أي إن شرط الانتماء إلى اليسار ووحدة القياس هو «الموقف من تطور القوى المنتجة» وتحريرها من كل ما يقيد تطورها الحر في كل مرحلة تاريخية، فهو وإن كان مطالباً دائماً بتطوير أدواته المعرفية لمواكبة التحولات الكبرى، ولكن ذلك لا يعني التخلي عن بوصلته، وهويته. وعليه فإن جوهر اليسار يقتضي اليوم أيضاً موقفاً حازماً تجاه كل ما يعيق العملية التاريخية؛ سواء من «الكومبرادور» المحلي وأدوات القمع والاستبداد، أو من قوى النهب الدولية بمختلف أشكالها، من احتلال مباشر أو مشاريع فوضى، أو نهب عبر المؤسسات الدولية، فلا يسار دون الموقف من هذه المسألة.
خامساً: بين العدمية والجمود.
ثمة حاجة لصياغة رؤية واقعية تقطع مع ثنائية «العدمية والجمود»؛ فلا تبرؤ من الماضي بذريعة التجديد، ولا تقديس له بذريعة الأصالة. الهدف ثابت، وهو تحرير الإنسان، لكن الأدوات والخطاب يجب أن يتجددا. فلا بد من الإجابة عن الأسئلة الملحة التي تطرحها الحياة خارج دائرة «يقينيات» الأجيال السابقة، فما كان بديهياً في الماضي، لم يعد كذلك لدى الأجيال الشابة اليوم.
سادساً: العمل الميداني كاختبار حقيقي.
إن متابعة التفاعلات الاجتماعية اليومية في الشارع السوري، والحراك الشعبي، وتشكل البنى المهنية (قضايا السكن، المعتقلين، التسريح التعسفي) تعتبر ميداناً حيوياً لقوى اليسار، واختباراً لقدرتها على تجديد شبابها. فعدا عن كون العمل المطلبي من صلب مهام اليسار، هو ايضاً الأداة المثلى لإعادة الاعتبار إلى «السياسة» بوصفها صراعاً بين قوى الاستغلال والمقهورين، لا انقسامات مشوهة على أسس طائفية أو عرقية.
بمعنى أوضح:
تحتاج سورية اليوم إلى يسارٍ عمليٍ مُبادر، ينخرط في عمق الحراك الجماهيري؛ يتعلم منه ويُعلّمه، يمدُّه بخبراته النضالية، ويستلهم منه الروح الكفاحية، واستقطاب قواه الطليعية الحقيقية. نحن بحاجة إلى يسارٍ لا يكتفي بالعمل المكتبي، أو الاكتفاء بضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يركن إلى استهلاك الشعارات الثورية، أو تكرار النصوص بدعوى «الطهرانية»، متجنباً في الوقت ذاته السقوط في فخ الميوعة الفكرية، أو التخلي عن الهوية، تحت مسمى «الحداثة». إنَّ اليسار مدعو الى أن يكون نموذجاً، وقوة مثل يُعيد الاعتبار لقيم الالتزام، ونكران الذات، والوعي العلمي، والابتعاد عن الاستعلاء، وتجاوز الأمراض التي ظهرت في تجربته، كالذاتية، والنخبوية، والعطالة السياسية.
إن يساراً يمتلك أداة معرفية علمية، يصيغ على أساسها شعاراته العامة، ويحولها إلى فعل ميداني ملموس، يؤمن كافة مقومات التحول إلى كتلة اجتماعية واسعة تمثل مصالح شغيلة اليد والفكر. خاصة في ظل المتغيرات الدولية التي تفتح الآفاق مجدداً لتصحيح مسار التاريخ الإنساني، وتسخير منجزات العلم لصالح البشرية بدلاً من تحويلها لأدوات ربح في يد أقلية طفيلية، تستحوذ على فائض القيمة العالمي.
سابعاً: رؤية متكاملة وتحالفات مرنة.
اليسار منظومة (اقتصادية، سياسية، ثقافية) متكاملة. أما محاولات تقزيمه إلى «علمانية مبتذلة» وظيفتها الصدام مع المقدس الديني، أو مظاهر «ثقافوية» استعراضية تهمل جوهر الصراع على السلطة والثروة، فهو «يسار أعرج» يشوه المعنى الحقيقي لليسار ولا يقدم حلولاً.
تمتاز سورية تاريخياً بالتعددية السياسية، ولكل تيار دوره. لذا، فإن البحث عن تفاهمات وعمل مشترك بين اليسار، والتيارين، القومي والديني يُعد ضرورة تاريخية.
إن تعقيد الأزمة يفرض التحلي بروح عملية تبحث عن القواسم المشتركة؛ فلا يوجد تيار قادر على إنقاذ البلاد منفرداً، وقد بات التوافق اليوم شرطاً أساسياً لبقاء سورية نفسها، وفي هذا السياق فإن أي تحالف يساري، أو أي شكل من اشكال التنسيق بين قوى اليسار، لا يلغي أهمية أوسع تحالف وطني ديمقراطي، بل يتكامل معه، لا بل يمده بالزخم والحيوية.
إن الواقع السوري، بكل ما يحمله من تعقيد ومرارة ومخاطر، يمثل في جوهره فرصة موضوعية لليسار؛ فالمجتمع السوري اليوم بات متعطشاً لوجود قوى سياسية واجتماعية جادة وصادقة، لا تقتات على الأوهام، ولا تتاجر بجراحات الناس. واليسار، رغم حالة التبعثر الراهنة، يمتلك المقومات التي تجعله مؤهلاً للقيام بهذا الدور، وليكون- على الأقل- أحد هذه القوى الفاعلة والمؤثرة.. فمن لا يضع بصمته في فعل اليوم، قد لا يملك القدرة على فعل أي شيء غداً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272
عصام حوج