من زواريب الشرق إلى أروقة البيت الأبيض؟!
لطالما ساد اعتقادٌ سطحي يربط بين «الانحطاط» وبين الجغرافيا، وكأن الغوغائية السياسية، واللغو الدعائي، والبدع الدينية قدرٌ محتوم يخص دول «الشرق المتخلف» وحدها. غير أن قراءةً فاحصةً للمشهد العالمي الراهن تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فنحن لا نعيش أزمة «شرقية» محلية كما يشاع، بل نواجه ظاهرةً معولمة بامتياز، تمدُّ جذورها من أزقة التهميش والتطرف الوظيفي في مشرقنا الجريح، لتصل إلى قمة الهرم السياسي في أقوى دولة في العالم.
أدعية في البيت الأبيض
يخطئ من يظن أن ارتداد الوعي ينتهي عند حدود العالم الثالث. فالمشهد العالمي اليوم يقدم لنا أدلة كاشفة على «انحطاط معرفي» وظيفي حتى لدى من كان يدّعي أنه يصدّر قيم العالم الحر والحداثة: من تفشي خطاب الكراهية، وتقسيم المجتمعات على أساس الهويات البدائية، والموقف من المهاجرين، والتبشير الديني.. والفيديو المسرب مؤخراً من داخل البيت الأبيض يمثل «نموذجاً صارخاً» في هذا السياق؛ حيث يظهر رئيس أقوى دولة في العالم (ترامب) محاطاً بجماعة دينية تضع أياديها عليه، وتتضرع بالدعاء كي «ينتصر على أعدائه»، في مشهد أشبه بحلقات الزار، وطرد الجن من الجسد، تديرها مستشارته الروحية، التي لم تتورع بالقول: (إن البيت الأبيض أرض مقدسة، ومن يعارض ترامب يعارض الله، فهي تتلقى وحياً من السماء !!!)
هذا المشهد ليس مجرد ممارسة روحية خاصة، بل هو «طقس سياسي» يستحضر الأساطير الدينية لتبارك طغياناً دنيوياً صرفاً. إن لجوء المؤسسة الأمريكية- بكل ما تملكه من ترسانة عسكرية وتقنية- إلى فكرة «التفويض الإلهي» لتبرير السياسات والحروب، معززةً بخطابات الاستعلاء لوزير الدفاع، ودي جي فانس، هي إعلان رسمي عن «إفلاس النظام العالمي» المهيمن بأكمله.
عندما يقف الساسة في واشنطن ليتحدثوا عن «القائد المختار»، فإنهم لا يختلفون من حيث المنطق والخطاب عن أصحاب صرخة (سبحان مَن أعزّنا وأذلكم) أو يا (خنازير) و(كفره) وتقييم السوريين على أساس انتماءاتهم الدينية والطائفية، في صراعاتنا المحلية. كلاهما يلغي المسافة بين «المقدس» و»المدنس»، وكلاهما يستخدم «الله» كغطاء للرغبات التسلطية، وتبرير السلوك، وكلاهما يستخدم خطاب «البدائية السياسية» التي ترفض أو تتجاهل التحليل العلمي والمنطق العقلاني لصالح (الفرقة الناجية).
باختصار: إننا أمام « ثقافة مأزومة»، يتجاور فيها منطق «الهوبرة» الطائفية في أحيائنا الفقيرة ومخيماتنا المهمّشة، مع منطق «الكهنوت السياسي» الجديد- القديم في أروقة البيت الأبيض.
قانون العطالة
السؤال المركزي هنا هو: كيف لهذه الخطابات «المنحطة» معرفياً وفكرياً أن تزداد تأثيراً وتستمر في الشرق والغرب، ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي، هل هي تعبير عن قوتها، وتعبيرها عن مصالح الناس؟
دعونا نجيب من خلال استعارة قانون من قوانين الفيزياء: (قوة العطالة). ينص القانون على أن الجسم الساكن يبقى ساكناً، والجسم المتحرك يستمر في حركته ما لم تؤثر عليه (قوة خارجية) تغير اتجاهه.
في السياسة، نحن نعيش حالة «عطالة تاريخية» مخيفة. فالخطابات البدائية التي تتكئ على المقدس لتروّج نفسها، تستمد قوتها ليس من «تفوقها الذاتي» أو قدرتها على الإقناع، بل من غياب «القوة الخارجية» القادرة على صدمها وتغيير مسارها. إن المجتمع الدولي، ومعه المجتمعات المحلية، ينجرف بقوة القصور الذاتي نحو هذه الخطابات الشعبوية، القادرة حتى الآن على التغطية على البدائل الفكرية والسياسية الحقيقية.
غياب الكتلة الحرجة
إن المشكلة، في جوهرها الأكثر عمقاً، لا تكمن في «قوة الشر» بقدر ما تكمن في «ضعف البديل». لقد فشلت النخب الفكرية والسياسية المعاصرة في صياغة «نموذج» يمتلك الأدوات المعرفية القادرة على تفسير هذا العالم المعقد، والإجابة عن أسئلة الإنسان، وبحثه الدائم عمّا يغني عالمه الروحي والمادي، ضمن خصائص عصر الذكاء الاصطناعي والتدفقات السائلة.
هذا الغياب، أو التغييب للنموذج البديل- الاقتصادي السياسي الثقافي- أدى إلى نتيجة كارثية: ضعف فاعلية قوى التغيير الحقيقي، وعدم جذرية حركات الاحتجاج، وعموم التيارات العقلانية، بما فيها الليبرالية التقليدية، وضمناً الدول التي تسعى إلى عالم بديل ما زالت قوىً مبعثرة، وغير قادرة على التحول إلى «كتلة حرجة» أو «قوة مادية» مؤثرة في التاريخ. ربما هي تمتلك «الرفض» لكنها تفتقر إلى «الرؤية الجاذبة المتكاملة والأدوات التي يمكّنها من إنتاج وعي حقيقي بمشكلات الإنسان المعاصر.
وبسبب هذا العجز عن بناء «تراكم معرفي» رصين، وتخلف الأدوات، وعدم وجود فكرة جامعة وهدف واضح وملموس، يبدو التاريخ وكأنه يدور في حلقات مفرغة، وتظل الساحة مفتوحة لكل من يحمل صليباً، أو سيفاً، أو أسطورة، أو يمتلك القدرة على تسويق البلاهة، ليقود بها الجموع الجائعة للأمان واليقين والكرامة الإنسانية.
نحو استعادة العقل
إن تحرير العالم من «عطالة الانحطاط» يبدأ من إدراك حقيقة أن معركتنا ليست جغرافية (شرق ضد غرب)، بل هي معركة «وعي ضد تغييب». إن السوري المقهور في خيمته، والأمريكي المخدوع بالدعاية في مدينته، وما بين هذا وذاك، من إفقار وتجويع وتشريد ونزوح جماعي، وبؤر توتر على امتداد العالم المعاصر وتأثراتها، كلهم ضحية لنفس السيولة العالمية التي تذيب العقل، وتحول البشر إلى مجرد أدوات في صراعات ثانوية و»مستهلكين» للأوهام.
إن كسر هذا الجمود يتطلب شجاعة معرفية لابتكار لغة سياسية جديدة، تلجم هذا الجنوح نحو الخواء المعرفي، وتعيد الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة مطلقة، له حاجات مادية وروحية، وما لم ننجح في بناء هذا «النموذج البديل»، سنظل جميعاً مجرد ركاب في قطار يندفع بقوة العطالة نحو هاوية حضارية لا ينجو منها أحد.
الاغتراب: جوهر واحد وتجليات عديدة
لفهم هذا الانهيار المتسارع في الخطاب السياسي والدعائي، وسيادة خطاب التفاهة سنعود إلى ما عالجه زيجمونت باومان في «الحداثة السائلة» فهو يرى: أن العالم فقد تناسقه وتوازناته التقليدية؛ فالمؤسسات الكبرى، والقيم الثابتة، والروابط الاجتماعية العقلانية، كلها انصهرت في حالة من «السيولة» التي لا تسمح باستقرار أي نمط.
في هذا الفضاء السائل، يبرز الاغتراب المعولم متعدد الأشكال، واللايقين.. كسمات أساسية للعصر. وما نراه في منطقتنا من انفجارات طائفية وشعبويات قومية ودينية ليست «ردة فعل» بدائية فحسب، بل هي النسخة المشرقية من هذه الحداثة السائلة. إنها محاولات يائسة وبائسة للبحث عن «هويات مغلقة» (حتى لو كانت وهمية أو أسطورية) وسط عالم يذوب فيه كل شيء. الفارق الوحيد بين فروع هذه الثقافة في شرقنا والغرب «المتحضر» يكمن في «الديكور» الخارجي والشكل الجغرافي، أما الجوهر فهو انسحاب الرصانة والعقل النقدي- العلمي أمام زحف الموقف اليومي، وسيادة البروباغندا، وتعميم البلاهة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272
رمزي السالم