حرب إيران... ودروس التحالفات والتموضع الطبيعي لسورية!

حرب إيران... ودروس التحالفات والتموضع الطبيعي لسورية!

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وارتفاع احتمالات ومؤشرات انتقال الهجوم باتجاه سورية، بدأت تظهر بعض الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في التموضع السياسي لسورية، بما في ذلك باتجاه «التصالح» مع الأمريكي.

استندت هذه الأصوات إلى نوعين أساسيين من «الحجج».
الأول: هو القول بأن أمريكا هي القوة العظمى الوحيدة والسائدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبالتالي فإن محاولة الوقوف في وجهها هو ضرب من الجنون المحض، وعليه فإنه من الضروري مسايرتها، وتقديم التنازلات الضرورية لها، تجنباً لغضبها وبطشها.
الثاني: هو القائل بأن أمريكا هي قائدة قطار الديمقراطية والحداثة والتطوير وحقوق الإنسان في العالم، وأنه ينبغي على الجميع الالتحاق بهذا القطار، وبأسرع وقت ممكن، للتخلص من الديكتاتورية والفساد والاستبداد والتخلف وإلخ.


الطريف في المسألة!


الطريف في المسألة، هو أن التتبع الملموس لمن هم أصحاب النوعين الأول والثاني من الحجج ضمن سورية، يسمح برسم اللوحة السياسية لما أسميناه مبكراً بـ«الثنائية الوهمية» في سورية، بين النظام والمعارضة.
فواقع الأمر، أن قسماً مهماً ضمن النظام في سورية في حينه، وقسماً أساسياً من معارضته، كلاهما قد تبنيا هذه الحجج بشكل معلن أو شبه معلن؛ من «نظرية الصفر الاستعماري» لرياض الترك، الذي رأى في الاحتلال الأمريكي للعراق، ولسورية تالياً، انتقالاً مما تحت الصفر إلى الصفر، وبالتالي شيئاً إيجابياً ينبغي الاستفادة منه والبناء عليه، إلى مهدي دخل الله (على سبيل المثال لا الحصر)، البعثي ورئيس تحرير صحيفة البعث ووزير الإعلام، والذي تنقل بين عدد من المناصب الحكومية، والذي بدأ مبكراً بالتنظير لضرورة «تجاوز الاشتراكية» والانخراط في «العالم الغربي» وفي «قطار الحداثة»، وصولاً إلى التعبير الواضح عام 2020 عن «قرب السلام مع إسرائيل».

الأكثر طرافة، هو أنه في الوقت الذي عملت بعض الجهات في المعارضة السورية، ابتداءً من 2005، وخاصة بعد 2011، على تقديم أوراق اعتمادها للولايات المتحدة الأمريكية، وحتى لـ«إسرائيل»، فإن نظام بشار الأسد كان يقدم تنازلات عملية ملموسة، حتى وإنْ احتفظ شكلياً بشعارات الممانعة والمقاومة؛ ابتداءً من الانسحاب من لبنان، والشراكة «الأورومتوسطية»، ومروراً بعبدالله الدردري و«اقتصاد السوق الاجتماعي»، أي عملياً اللبرلة الاقتصادية وتنفيذ توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين، ووصولاً إلى التآمر ضد ثلاثي أستانا بشكل واضح بعد 2020، عبر أفكار من قبيل «خط الغاز العربي/العبري»، وهي الأمور التي انتهت إلى تخلي حلفائه عنه في نهاية المطاف، بعد أن بات واضحاً أن بشار الأسد قد وضع كل بيضه في السلة الأمريكية/«الإسرائيلية».
جوهر المسألة إذاً، أنه قد وجد في سورية، وطوال ربع القرن الماضي على الأقل، وعلى الضفتين الشكليتين للمتراس، أي ضمن صفوف «النظام» وضمن صفوف «المعارضة»، من عمل جاهداً لتقديم الطاعة والتنازلات للأمريكي، على أمل أن يمنحه الأمريكي السلطة، أو يبقيه في السلطة... وأهم تقاطع بين الضفتين، هو أن البرنامج الاقتصادي الاجتماعي لهما كان دائماً اللبرلة الاقتصادية المتوحشة، وتنفيذ توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين... وليس هذا بالأمر الغريب، فجوهر أي نظام سياسي هو طريقته في توزيع الثروة، وحين يكون النظام (أو جزء من المعارضة الساعية لتكون هي السلطة) مبنياً على أساس النهب والمصالح الضيقة لفئة صغيرة فاسدة وناهبة وضد مصالح عموم السوريين، فإن اللعب في السياسة، يتحول بالفعل إلى لعب انتهازي لا يخضع لمبدأ، إلا مبدأ الربح الشخصي والمنفعة الشخصية... وتتحول القضايا الاستراتيجية الأكبر إلى قضايا تكتيكية وثانوية، يمكن تحريكها وتدويرها وفقاً للمصالح الآنية... ولكن الاستراتيجي يبقى استراتيجياً مهما حاول المرء اللعب به!


التموضع الحقيقي لسورية


بعيداً عن الكذب الشعاراتي الذي استخدمه بشار الأسد، بالتوازي مع الانبطاح الفعلي، وبعيداً عن الانبطاح الشعاراتي والفعلي لقسم من المعارضة، فإن التموضع الحقيقي لسورية يقع في مكان آخر بعيد عن أهواء وآراء وتصورات هؤلاء وأولئك.
المسألة لا تبدأ من سورية نفسها، بل من طبيعة الصراع الدولي والإقليمي الجاري. وضمن هذا الصراع فإن المقبول بالنسبة للولايات المتحدة و«إسرائيل» ليس سورية ليبرالية اقتصادياً، ولا سورية اشتراكية، ليس سورية استبدادية، ولا سورية ديمقراطية... المطلوب ببساطة هو ألا تكون سورية من الأساس؛ أي أن تذهب باتجاه التقسيم الكامل والفناء كوحدة جغرافية سياسية، لأن بقاءها دولة واحدة معاكس تماماً لمشروع «إسرائيل العظمى»، ومعاكس لضرورات مشروع «الشرق الأوسط الجديد/الكبير».
وبهذا المعنى، فإن سحب التنازلات الاقتصادية من سورية، باتجاه ما سمي «اقتصاد السوق الاجتماعي» عبر تنفيذ توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين ابتداء من 2005 بشكل متسارع، لم يكن الغرض منه الوصول بسورية إلى تموضع سياسي تابع للغرب فحسب... بل كان الغرض منه هو التجهيز لتفجير سورية من الداخل، وصولاً لإنهائها؛ لأن ما جرى عبر اللبرلة المتوحشة، هو إضعاف دور جهاز الدولة، وتدمير الإنتاج الحقيقي الصناعي والزراعي، وزيادة نسب الفقر والبطالة والتهميش، وتكريس غياب التنمية وتفاوتها، أي بكلمة واحدة، تجهيز كل الظروف لانهيار شامل ولاقتتال داخلي لا يبقي ولا يذر.

واليوم أيضاً، ما تزال الغاية الأمريكية/«الإسرائيلية» هي ذاتها من حيث الجوهر، بل وباتت أكثر ضرورة وإلحاحاً من وجهة النظر «الإسرائيلية» والأمريكية. وكل وهمٍ بأن «الانحناء للعاصفة» عبر تقديم تنازلات اقتصادية أو سياسية يمكنه أن يجنبنا الأسوأ، هو وهمٌ مكتمل الأركان، وهو سير باتجاه الشرك الواضح المنصوب أمامنا.
ما يمكن أن نتعلمه من الحرب الجارية على إيران اليوم، وفقط عبر مقارنة بين ما يصيب دول «الاعتدال العربي» (خاصة الإمارات بوصفها رائدة التطبيع الأبراهيمي سيئ الصيت) بمقابل ما يصيب إيران، وما يمكن أن يتحقق على ضفتي هرمز خلال الأشهر والسنوات القادمة، يسمح باستنتاج واضح: إغضاب الاستعمار هو دائماً أقل كلفة من محاولة استرضائه.
يضاف إلى ذلك، أنه مع ازدياد حجم المخاطر الناتجة عن الحرب الجارية، فإن أمام سورية والسوريين والسلطات السورية، طريق نجاة واحد لا بديل عنه: في المجال الخارجي، بناء علاقات متوازنة، الأساس فيها هو التوجه شرقاً، أي التوجه نحو القوى الصاعدة الحقيقية، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وبالدرجة الأولى الصين وروسيا، إضافة إلى التحالف الإقليمي الخماسي (طوق الطوق) الذي ما يزال في طور النشوء، لكنه واضح ويتعزز، بما في ذلك بسبب الحرب الجارية... (المقصود هو: السعودية، تركيا، مصر، إيران، باكستان).
وفي الداخل، التوجه نحو الشعب السوري، نحو 95% من السوريين المفقرين المعترين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف، وباتجاه توحيدهم عبر مؤتمر وطني عام وشامل، يقررون عبره مصيرهم بأنفسهم، وعبر حكومة وحدة وطنية شاملة وذات صلاحيات كاملة، وتضم المكونات السياسية والاجتماعية الأساسية، وتكون أولى مهامها هي المؤتمر الوطني العام...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272