رسوم تتصاعد وعدالة تتراجع... ماذا يجري في نقابة المحامين؟
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

رسوم تتصاعد وعدالة تتراجع... ماذا يجري في نقابة المحامين؟

في ظل واقع اقتصادي ضاغط يرزح تحته السوريون بمختلف فئاتهم، تبرز قرارات رفع الرسوم القضائية والنقابية كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، لما تحمله من تأثير مباشر على مهنة المحاماة وعلى حق التقاضي معاً، فرفع رسوم الانتساب إلى نقابة المحامين ومن ثم زيادة رسوم الوكالات القضائية لا يمكن قراءتهما كإجراءات مالية معزولة، بل كمؤشرات على توجه عام يعيد تشكيل العلاقة بين النقابة والمحامين من جهة، وبين العدالة والمواطنين من جهة أخرى.

هذه الزيادات تطرح تساؤلات جدية حول حدود الدور النقابي وما إذا كانت الأولوية تمنح لتعظيم الإيرادات على حساب فتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتسهيل وصول الناس إلى العدالة.
فبين ضرورات التمويل ومقتضيات العدالة يبقى السؤال الأهم إلى أي حد يمكن تحميل المحامين والمتقاضين أعباء إضافية في ظل أوضاع معيشية متدهورة، دون أن ينعكس على جوهر المهنة ورسالتها؟
يُعدّ الحصول على
المساعدة القانونية وتوكيل محامٍ ركناً أساسياً من أركان العدالة، إلا أن «بورصة رسوم الوكالات القضائية» الأخيرة التي بُدئ بتطبيقها منذ الأول من نيسان، كما توضحها الجداول المسربة، تضع هذا الحق أمام اختبار مالي صعب. إن رفع رسوم الوكالات (البدائية، الشرعية، العقود، والشركات) لتصل إلى أرقام مضاعفة، يستوجب وقفة قانونية لمراجعة أثر هذه القرارات على المتقاضين وعلى مهنة المحاماة ذاتها.

العبء المالي وحق الوصول إلى العدالة


الدستور يكفل حق التقاضي للجميع، وهو حق لا يجوز تقييده بعوائق مادية تجعل من «العدل» سلعة للأثرياء فقط. فعندما تصل تكلفة الوكالة القضائية مع طوابعها ورسومها المضافة (إسعاف، تعاون، نقابة...) إلى مستويات ترهق كاهل المواطن ذي الدخل المحدود، فإننا نكون أمام «منع مقنع» من الوصول إلى القضاء. المواطن الذي يبحث عن نفقة أو تثبيت بيع، سيجد نفسه مضطراً لدفع مبالغ طائلة قبل أن يبدأ محاميه بأولى جلسات المحاكمة.


نقد هيكلية الرسوم (التشعب والازدواجية)


بإلقاء نظرة على رسوم الوكالات التي أصدرتها نقابة المحامين، نلاحظ تفرعاً هائلاً في بنود الرسوم:
رسوم تعاون وإسعاف: وهي بنود تذهب لصناديق خدمية، لكن تحميلها بالكامل للموكل (المواطن) يرفع التكلفة النهائية بشكل حاد.
التصديق المزدوج: وجود رسوم لتصديق الوكالة الأصلية، ورسوم أخرى للصور، ورسوم إضافية لكل شخص إضافي في الوكالة، يجعل من «الورقة» عبئاً مالياً يتجاوز قيمتها الإدارية.
تم رفع رسوم الوكالة البدائية وللشخص الواحد والتي تبرم داخل المحكمة إلى 250 ألف ليرة سورية بعدما كانت بحدود مئة ألف، ويضاف إليها رسوم بعد ذلك أيضاً حسب ما يتقاضى مندوبو الوكالات من الأتعاب أو زيادة أسماء الموكلين داخل الوكالة، إضافة إلى رسوم الانتقال خارج المحكمة أو تنظيم الوكالة داخل السجن أو النظارة في القصر العدلي حيث قد تصل بعض الوكالات إلى 300 أو 400 ألف.
كما زادت نقابة المحامين أتعاب بطاقات زيارة المحامين للمساجين من 10 آلاف ليرة سورية إلى ستين ألف ليرة سورية أي 6 أضعاف.


الأثر على العمل المهني للمحامين


هذه الزيادة لا تضر الموكل فحسب، بل تضع المحامي وخاصة مندوبي الوكالات في مواجهة مباشرة مع الجمهور. المحامي يجد نفسه «جابي ضرائب» لصالح صناديق النقابة والخزينة، والدخول في صدامات لتبرير هذه المبالغ التي لا تدخل في جيوبهم كأتعاب، بل تذهب كطوابع ورسوم.


غياب التناسب مع الواقع الاقتصادي


إن رفع الرسوم بنسب مئوية عالية جداً لا يتماشى مع القدرة الشرائية الحالية. فإذا كانت الغاية هي دعم صناديق التقاعد أو الإسعاف للمحامين، فإن الحل لا يجب أن يكون بزيادة الرسوم المباشرة على «صك التوكيل»، بل بالبحث عن موارد استثمارية للنقابة أو تحصيل ضرائب من عقود الشركات الكبرى والبيوع العقارية الضخمة، بدلاً من إرهاق المتقاضين في القضايا البسيطة.
إن العدالة ليست مرفقاً ربحياً، بل هي خدمة سيادية يجب أن تظل ميسورة.
إن رفع الرسوم القضائية والوكالات قد يملأ الصناديق، لكنه قد يُفرغ قاعات المحاكم من أصحاب الحقوق المظلومين الذين لا يملكون ثمن «طابع» العدالة.


رفع رسوم الانتساب أيضاً


من جهة أخرى رفعت نقابة المحامين أيضاً رسوم الانتساب لنقابة المحامين بشكل كبير من مليون ونصف إلى سبعة ملايين ليرة سورية وتزاد تبعاً لسن المتقدم وهذا القرار لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري عابر، بل يعكس خللاً عميقاً في فهم دور النقابة ووظيفتها الاجتماعية والمهنية.
ففي بلد يعاني فيه الخريجون الجدد من بطالة مرتفعة، وتراجع في القدرة الشرائية يصبح هذا القرار بمثابة حاجز طبقي يحول دون دخول كثير من الشباب إلى مهنة يفترض أنها تقوم على الدفاع عن الحقوق والحريات، فبدل أن تكون النقابة حاضنة للمحامين الجدد خاصة المتمرنين، تتحول بهذا القرار إلى جهة إقصاء غير مباشرة وتفرض شروطاً مالية تعجيزية لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي العام.
المفارقة أن هذه الزيادة الكبيرة لا تقابلها بالضرورة تحسينات ملموسة في الخدمات النقابية أو في دعم المحامين، سواء على صعيد التدريب أو فرص العمل أو الحماية المهنية، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير اتخاذ مثل هذه القرارات ومدة مراعاتها لمصالح القاعدة الأوسع من المنتسبين المحتملين.
إن الاستمرار بهذا النهج يهدد بتحويل مهنة المحاماة إلى مجال مغلق على القادرين مادياً فقط، وهو ما يتناقض مع جوهر العدالة التي يفترض أن يمثلها المحامون، فالمطلوب اليوم ليس إعادة النظر في قيمة رسوم الانتساب ورسوم تنظيم الوكالات فقط، بل تبني سياسات أكثر عدالة أيضاً، تراعي الظروف الاقتصادية وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة بدل إقصائها.
وفي ظل هذه الظروف يبدو أن نقابة المحامين مطالبة بإعادة التوازن بين متطلباتها المادية ودورها الوطني لأن حماية المهنة لا تكون برفع الحواجز، بل بتوسيع المشاركة وتعزيز الثقة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272