استغلال حاجة الشباب بمسمّى «التدريب»
منية سليمان منية سليمان

استغلال حاجة الشباب بمسمّى «التدريب»

في زمنٍ تتسع فيه رقعة الفقر وتضيق فيه سبل العيش، يخرج آلاف الشباب السوري حاملين شهاداتهم الجامعية إلى سوق عمل لا يرحم، ليكتشفوا أن الحلم بالوظيفة تحول إلى سراب، فبينما تعلن الإحصائيات عن أرقام لا تعكس الواقع المرير، يعيش الخريجون مأساة مضاعفة؛ إما القبول «بفرص عمل» لا تتجاوز كونها فرصة «تدريبية»، أو الانزلاق في فوهة البطالة التي تلتهم سنوات العمر والكرامة.

فرصة تدريب أم استغلال مقنّع؟


في المشهد الوظيفي السوري الحالي، بات نمطاً مألوفاً أن تعلن بعض الشركات الخاصة عن «فرص عمل» تبدو للوهلة الأولى مغرية، لكن سرعان ما يكتشف المتقدم أنها مجرد فترة «تدريب» تمتد إلى ثلاثة أشهر أو أكثر، غالباً من دون أجر، أو بأجر متدنٍ لا يغطي حتى تكلفة المواصلات، ومع ذلك يُقبِل الشباب عليها بكل شغف. لماذا؟ لأن البديل هو الفراغ القاتل.
هؤلاء الشباب ليسوا سُذجاً، بل هم أكثر وعياً بالواقع، يعلمون أن هذه العقود الهشة لن تؤمن لهم مستقبلاً، لكنهم يراهنون ربما على تحصيل شهادة «خبرة» تُضاف إلى السيرة الذاتية ((CV في محاولة يائسة لتحسين فرصهم في الحصول على عمل لائق ومستدام لاحقاً، فهذه مقايضة قسرية؛ الوقت والجهد مقابل ورقة قد تفتح باباً موصداً.


كيف تُدير هذه الشركات آلة الاستغلال؟


في ظل نسب البطالة المخيفة، تجد بعض جهات القطاع الخاص ضالتها في نموذج «التدوير الوظيفي»، فتعتمد هذه الشركات سياسة منظمة تستقطب أعداداً محددة من المتدربين، يتبعها إقالة دفعات تم قبولها سابقاً، لتستقبل لاحقاً دفعة أخرى جديدة، وهكذا دواليك.
إنها آلة تشغيل مجانية تغذيها حاجة الشباب الماسة لأي فرصة، وتضمن للشركة استمرار العمل بأقل التكاليف.
هذا النمط وإن كان لا يظهر في الإطار الرسمي أو شبه الرسمي للإحصاءات، إلا أنه واسع الانتشار في الواقع، ويجد فيه الشباب متنفساً مؤقتاً يمنحهم فرصة للتجربة والخبرة، بينما تستفيد منه الشركات كحل سحري لخفض النفقات تحت غطاء «التأهيل».


أرقام لا تعكس الحقيقة


بعض الباحثين الاقتصاديين يقولون إن البطالة في سورية بلغت 37% بينما تصريح وزير الاقتصاد والصناعة «محمد نضال الشعار» يؤكد أنها تجاوزت 60%، أما المنظمات الدولية فتقول دراساتها أن البطالة بين السوريين القادرين على العمل تتراوح بين 65-85%، لكن هذه الأرقام لا تروي القصة الكاملة.
فهي لا تحتسب آلاف الشباب الذين يعملون في وظائف هشة أو تدريبات غير مدفوعة الأجر، والذين يندرجون إحصائياً ضمن «القوى العاملة» بينما هم في الحقيقة خارج سوق العمل الحقيقي.
إن سياسات التوظيف الحالية لا تعكس فشل القطاع الخاص في توفير فرص عمل حقيقية فقط، بل تكشف غياباً صارخاً للدور الرقابي للدولة، فبينما تتحمل الأسر السورية وطأة غلاء المعيشة، تكتفي الجهات الرسمية بإصدار بيانات متفائلة لا تمت إلى الواقع بصلة، تاركة الشباب فريسة لاستغلال واضح يعيد إنتاج الفقر ويؤخر التنمية.


نحو مساءلة حقيقية


إن معاناة الشباب السوري مع هذه السياسات التوظيفية المجحفة ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي انتهاك صريح للحق في العيش الكريم والعمل اللائق، فاستمرار هذا النمط من الاستغلال في ظل غياب قوانين رادعة وحد أدنى من الأجور الملزمة، يعني أننا أمام جيل كامل يُسرق مستقبله.
أما آن الأوان للدولة أن تتحمل مسؤولياتها وتخرج من قوقعتها، الإدارية الرتيبة والقاصرة والمنحازة، لتضع حداً لهذه الممارسات الاستغلالية وغيرها؟!
فالمطلوب ليس إعادة النظر في تشريعات العمل بما يضمن مصالح أرباب العمل فقط، بل بمصالح وحقوق العاملين، مع ربط التراخيص والتصاريح بمعايير واضحة تحمي العمالة بما في ذلك «المتدربين قسرياً» وتضمن حقوقهم، فالتشغيل الحقيقي ليس «مِنّة» تقدمها الشركات الخاصة لتستغل الطاقات والكفاءات، بل حق للشباب وواجب على الدولة تأمينه وضمانه، وإلا ستتحول معدلات البطالة المتزايدة إلى قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي برمته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272