وظائف متساوية بأجور غير متساوية
بينما يجلس زميلان على مكتبين متجاورين في إحدى المؤسسات الحكومية، ويقومان بالمهام ذاتها، ويعملان ساعات العمل المحددة نفسها، ويحملان الدرجة الوظيفية ذاتها، يبرز فارقٌ لا يمكن للمنطق الإداري تفسيره؛ أحدهما يتقاضى راتباً مقطوعاً بالليرة السورية لا يكاد يكفي مواصلاته، والآخر ينعم براتبٍ «أكثر أمناً» يرتبط سعره بصعود وهبوط العملات الأجنبية. هذه ليست فرضية، بل واقعٌ بات يتكرر في المؤسسات والمديريات والجهات الحكومية، مما خلق حالة من «الطبقية الوظيفية» داخل الجسم الواحد إن صح التعبير: شريحة من الموظفين الفقراء وشريحة من الأشد فقراً، وفوق هاتين الشريحتين تقبع طبقة ميسورة جداً تتنعم بالمناصب والمواكب والرواتب والمزايا.
التنظير الليبرالي الفج
تتجاوز المشكلة قضية «كم أقبض؟» لتصل إلى «كيف أحمي قيمة ما أقبض؟»، هنا تبرز المظلومية المركبة التي يعاني منها الموظف «المغيب» عن ميزة زميله، فهو يتقاضى راتبه بالليرة السورية ويعيش حالة من الاستنزاف اليومي؛ مع كل انخفاض في سعر الصرف حيث يتحول إلى «اقتطاع غير معلن» من قوته وقوت عياله. وفي المقابل، يمثل منح رواتب محددة بالدولار (أو ما يعادله بسعر السوق) لبعض الفئات حماية كاملة لهم من الخسارة عبر تغير سعر الصرف، مما يجعل الفجوة بين الزملاء تتسع تلقائياً مع كل تذبذب في السوق، دون الحاجة إلى قرار إداري جديد.
تأثير وظيفي والمعيشي ونفسي
إن غياب مبدأ «الأجر المتساوي للعمل المتساوي» لا يضرب جيب الموظف فحسب، بل يضرب صميم العمل المؤسساتي ومفهوم الدولة ودورها. فمن المؤكد أن الموظف المظلوم لن يغادر وظيفته بالضرورة، لكنه سيهجرها «نفسياً»، حيث يتراجع إنتاجه إلى الحد الأدنى، دون أي أفق يوصله إلى استدراك الفجوة، مما يشتت طاقته عن مهامه الحق. فعندما يشعر الموظف أن الدولة تميز بين أبنائها بناءً على معايير غير معلنة أو استثناءات خاصة، ينكسر الرابط المعنوي بينه وبين المؤسسة، ويحل محله شعور بالغبن وعدم الانتماء. وبدلاً من أن تكون المؤسسة بيئة للتنافس الشريف، تتحول إلى بيئة مشحونة بالضغينة المهنية، مما يعيق العمل الجماعي وروح الفريق.
إذا كانت الحكومة تدعي حاجتها لضخ دماء «احترافية» عبر استقطاب خبرات برواتب عالية، أو أنها مجرد عملية موضوعية ناتجة عن دمج بين موظفي الجهات الحكومية القائمة وموظفي «حكومة الإنقاذ» السابقة، فإنها تخطئ إذا ظنت أن ذلك يمكن أن يستمر على حساب «القاعدة الصلبة» من الموظفين القدامى أو من لم تشملهم الاستثناءات. والمطلوب اليوم ليس خفض الرواتب المرتفعة، بل رفع الظلم عن الرواتب المتآكلة. إن توحيد معايير الأجور وربطها بالحد الأدنى للمعيشة وبمتغيرات التضخم للجميع، هو الممر الوحيد لضمان استقرار القطاع العام وموظفيه.
المظلومية المضاعفة والمركبة
سناء، إحدى الموظفات التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة وهي من الفئة الثانية، تحصل بعد الزيادة الأخيرة على راتب مقطوع قدره مليون و800 ألف بالليرة القديمة، في حين يحصل زميلها على 400 دولار، وبتحويل قيمته إلى الليرة السورية على سعر صرف 13200 سيتجاوز الراتب 5 ملايين و200 ألف، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف راتب سناء. وإذا ما انخفضت الليرة السورية في الأيام القادمة أمام الدولار، سيتوسع الفارق طردياً. وفي مكان العمل نفسه يتقاضى بعض الموظفين من الفئة الأولى 800 دولار ويصل البعض إلى أكثر من ذلك وإن كان بشكل غير معلن. وتعترض سناء على كل ذلك وتقترح توحيد الأجور لكل العاملين الذين عملهم من الطبيعة ذاتها والمرتبة الواحدة، على القيمة الأعلى، وترى أن ذلك إجراء موضوعي ومنصف من شأنه أن يكون خطوة أولية باتجاه زيادة جميع الأجور بما يتناسب مع كلف المعيشية التي تحلق عالياً. والحق يقال إنه لا يمكن بناء «دولة مؤسسات» بإنصاف فئة وتجاهل أخرى. إن العدالة الوظيفية هي العمود الفقري لأي إصلاح إداري حقيقي، ودونها، سيبقى القطاع العام يدور في حلقة مفرغة من الفساد الصغير والترهل الإداري الناتج عن غياب الأمان الوظيفي والإداري وبالتالي الأمن الاجتماعي العام.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
إلياس زيتون