ثلاث سنوات... من الزلزال إلى إعلان «فيسبوكي»!
فرح شرف فرح شرف

ثلاث سنوات... من الزلزال إلى إعلان «فيسبوكي»!

بغفلة من الزمن، وبطابع شبه شخصي على منصة «فيسبوك» في 27 و28 آذار، خرج إعلان المؤسسة العامة للإسكان ليقول إنه «بكل سهولة ويسر» سيتم استكمال إجراءات إبرام العقود واستلام المساكن للمخصصين في أبنية متضرري الزلزال.

لكن خلف المفاجأة والعبارات الترحيبية، هناك واقع أكثر قسوة؛ فالتخصيص واستكمال الإجراءات لإبرام العقود والاستلام هو إجراء جزئي، ولا يطال سوى بضعة متضررين في بعض العمارات بأرقام محددة (7-8-9-10 في ضاحية المعصرانية بحلب، و77-86 على أوتستراد الثورة في اللاذقية)، بينما لا يزال مصير 91 ألف أسرة متضررة وفق اللجنة العليا للإغاثة غامضاً، بعد أن مضى على الزلزال أكثر من ثلاثة أعوام.


الجزئية ليست استثناءً


لم يقدم إعلان مؤسسة الإسكان أي إحصاء عن عدد المستفيدين من المتضررين، ولم يُشر إلى دفعات تسليم مقبلة لبقية المتضررين. فيما تشير أرقام اللجنة العليا للإغاثة إلى وجود 4444 مبنى غير صالح للسكن، و29 ألف مبنى بحاجة للتدعيم، و30 ألف بحاجة للصيانة، إضافة إلى 292 مبنى تم هدمه.
وتؤكد تقارير منسقي الاستجابة في سورية أن 15 ألف مبنى في الشمال يحتاج إلى تدعيم، بينها أكثر من 5 آلاف منزل آيل إلى السقوط.
إذا قارنّا هذا الحجم الهائل من الدمار مع «العمارات» القليلة التي شملها الإعلان، نجد أن ما يتم تقديمه اليوم عبر الإعلان «الفيسبوكي» هو «نقطة في بحر»، واستثناء محدود يؤكد أن الأغلبية الساحقة من المتضررين لا تزال خارج دائرة الأولويات.


«فيسبوك» بديلاً عن المؤسسات!


من اللافت أن إعلاناً بهذه الأهمية صدر عبر منصة «فيسبوك» بطبيعتها ذات الصبغة شبه الشخصية، وليس عبر القنوات الرسمية المفترضة، ومع ذلك تم اعتبار الإعلان بمثابة التبليغ الرسمي لأصحاب العلاقة. هذا الأسلوب يعكس في حقيقته تراجعاً في التواصل المؤسساتي، وربما محاولة لإدارة توقعات المتضررين بعيداً عن المساءلة العلنية.
فبدلاً من خطط واضحة وبرامج زمنية معلنة مسبقاً، تكتفي المؤسسة بدعوة «المخصصين» إلى مراجعتها في أقرب وقت، في مشهد يذكر المتضررين بسنوات من الوعود المتعاقبة التي غالباً ما انتهت إلى مزيد من الانتظار.
أما النبرة الرسمية، التي تصف الإجراءات «بالسهولة واليسر»، فتبدو في ظل معاناة ثلاث سنوات منفصلة تماماً عن واقع العائلات المتضررة، التي لا تزال تقبع في مساكن إيجار مرتفعة التكلفة.


ماذا عن باقي المتضررين؟


لا تذكر المؤسسة في إعلانها كلمة واحدة عن مصدر التمويل للعقود التي ستبرمها مع المتضررين لقاء التخصص.
ففي ظل ذرائع ضعف قدرة الدولة على الانفاق واقتصاد يعاني من العجز الحاد، تبرز عدة تساؤلات مشروعة:
من سيدفع؟ هل سيتحمل المتضررون أنفسهم أقساطاً إضافية استناداً للعقود وسط انهيار قدرتهم الشرائية؟ أم إن هناك جهات مانحة غُيبت عن التفاصيل؟
أين الحل لأكثر من 90 ألف عائلة متضررة مسجلة في القيود الرسمية؟
أين البرامج الشاملة لترميم الأبنية غير الصالحة للسكن؟
أم إن سياسة المؤسسة حالياً تقوم على «إنهاء» ملفات محدودة، بدأ تنفيذها منذ سنوات، لتظهر بمظهر «الإنجاز»، بينما تُترك الغالبية في دائرة النسيان؟


مفارقة الزلزال والسكن الشبابي


بينما استطاعت مؤسسة الإسكان– خلال ثلاث سنوات– تجهيز وتسليم وحدات سكنية لفئة، وإن كانت قليلة، من المتضررين، يظل ملف السكن الشبابي عصياً على الحل منذ عام 2004، أي 22 عاماً من الانتظار المرير. فمنطقة المعصرانية مخصص ضمنها افتراضاً مشاريع السكن الشبابي، والمكتتبون عليها ما زالوا قيد الانتظار.
فالتعامل مع أزمة ملف المكتتبين والمستحقين المزمنة عبر المقاربات الجزئية من قبل المؤسسة يكرس انطباعاً بأن التوزيع لا يخضع لسياسة عامة عادلة، بل لمنطق «الاستثناءات» و«الدفعات المحدودة».
والمؤسسة لا تقدم أي تصور عن كيفية التوفيق بين الملفات المتعثرة وآليات التنفيذ ومواعيدها الملزمة، وتكتفي بإعلانات منفردة تترك أصحاب الحقوق في حالة ترقب وقلق. فقد أصبح المكتتب وصاحب الحق يعرف أن هناك وحدات سكنية تُسلّم، لكنه لا يعرف متى سيأتي دوره، ولا على أي أساس ستُحدد الأولوية.


حلول متكاملة


صحيح أن الإعلان مثّل بارقة أمل لعشرات العائلات التي ستدخل أخيراً إلى منازلها بعد ثلاث سنوات من المعاناة، إلا أنه دليل قاطع كذلك على أن عملية التعافي من كارثة الزلزال لا تزال متعثرة، وانتقائية، وغامضة.
وبدلاً من خطة وطنية شاملة وشفافة، تعلن عن مراحل زمنية واضحة، نجد أنفسنا أمام إعلان «فيسبوك» لعمارات محددة، فيما تبقى الغالبية تنتظر دوراً ربما لا يأتي.
ففي بلد يعاني من أزمة إسكان مزمنة تفاقمت بسبب الحرب والكارثة الطبيعية، لا يمكن قبول «الحلول الجزئية» كبديل عن العدالة. وإلا فما يسمى «بالأمل» سيظل مجرد كلمة تتردد في الإعلانات، بينما الواقع يثبت أن سنوات الانتظار الطويلة لم تنتهِ بعد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272