مـسرحيـة الإهـمـال الرسمي من جديد... فـي الـقـنـيـطرة هذه المرة
في مشهدٍ يعيدُ إنتاج الكوابيس نفسها التي طالما أرّقت المواطنين مع تردي الخدمات العامة في محافظة القنيطرة، تطل المشكلة الأكبر في تلوث مياهِ الشربِ في قريةِ القصيبةِ بريفِها كجرحٍ نازفٍ لا يُرادُ له أن يندمل.
فبينما تزف الجهاتُ الرسميةُ تصريحاتٍ برّاقةً عن «المعالجة الفورية»، يغلي غضبُ الأهالي الذين باتوا رهينةَ مياهٍ ممزوجةٍ بالمازوت، والأسوأ من هذا وذاك هو: اللا مبالاة والاستهتار تجاه الحقوق وبمعالجة هذه المشكلات.
اشتكى أهالي قرية القصيبة في ريف القنيطرة الجنوبي من تلوث مياه الشرب بمادة المازوت القادمة من بئر «عين فريخة»، مما جعل المياه غير صالحة للاستخدام البشري. وذلك بحسب ما نشرته صحيفة «الوطن» بتاريخ 26 آذار 2026.
وأكد «سالم جاسم البخيت»، مدير عام مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في المحافظة، أن «أسباب الشكوى عولجت بشكل فوري، وتمت إزالة مصدر التلوث»، زاعماً أن التحاليل أثبتت سلامة المياه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، كيف يمكن للمسؤولين أن يتحدثوا عن «السلامة» بينما يعيش الأهالي على وقع هذه الكارثة المتكررة للمرة الخامسة؟!
هذا التكرار ليس مجرد خلل عابر، بل هو دليل قاطع على أن ما يسمى «بالحلول الإسعافية» ما هي إلا مسكنات وترقيع فوق جرح عميق يزداد تقرحاً وعفونة، فالتصريحات الرسمية هنا لا تعكس واقعاً بقدر ما تعكس فشلاً إدارياً واستهتاراً مطلقاً بصحة الناس، وكأن المطلوب هو إدارة الأزمة إعلامياً على أن تعود الكارثة لتظهر من جديد بعد أسابيع أو أيام.
والغريب في هذه القضية أن المأساة تكشف عن خلل هيكلي كبير في التخطيط الحكومي، ففي الوقت الذي يشير فيه حديث المتعهدين أو الجهات المنفذة (بحسب ما تم تداوله في لقاءات على منصات التواصل)، إلى أن مشروع تأهيل شبكة الصرف الصحي في المنطقة لا يمكنه التطرق لشبكة مياه الشرب لأنها «خارج نطاق المشروع المخطط»، نجد أنفسنا أمام حالة انفصام حاد في العمل المؤسساتي، فيُحفر من أجل شبكة الصرف بينما تبقى أنابيب مياه الشرب عرضة للتسرب من نفس المصادر الملوثة.
فإذا كان التسرب يأتي من شبكة الصرف الصحي (وهو الاحتمال الأكبر في ظل تهالك البنية التحتية)، فلماذا لا يتم توظيف تلك الحفريات أيضاً وبالوقت نفسه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والبدء بمعالجة جذور المشكلة في شبكات المياه أيضاً؟
فهل من المعقول أن تكتفي الجهات المعنية بتحصين جانب واحد بينما تترك شريان الحياة (مياه الشرب) عرضة للتلوث؟
الجواب ليس تعقيداً فنياً، بل هو فشل إداري وقصور في التنسيق يصل إلى حد الجريمة بحق الإنسانية.
إن ما يحدث في «القصيبة» لا يختلف كثيراً عما يحدث في قرى أخرى قريبة مجاورة أو بعيدة، حيث تتكرر الشكوى نفسها وبالنبرة المُتعَبة نفسها، فقد أصبح ملف البنية التحتية المتهالكة في سورية أشبه بجثة هامدة، تتحرك عليها الجهات الرسمية كمن يحاول إنعاشها بضمادات جروح صغيرة، فلا يوجد رؤية متكاملة واستراتيجية لإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي والمياه معاً، ولا توجد محاسبة حقيقية للمستهترين الذين يكررون الأخطاء ذاتها.
فصحة الناس وأرواحهم ليست هدية من أحد، وهي في صدارة الأولويات التي تتحدث عنها الحكومة نظرياً، لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً، فالمواطن اليوم في القنيطرة وغيرها من المدن يدفع ثمن الإهمال سواء كان ناجماً عن صيانة الشبكات أو نقص عمليات التعقيم، والنتيجة واحدة مع فارق كبير بمدى التورط.
إن المشكلة ليست في عطل فني طارئ، بل هي أزمة مزمنة في التعامل مع قضايا الناس، فتجاهل التكامل بين مشاريع الصرف والمياه، والاكتفاء بالمعالجات الترقيعية بعد كل مشكلة، والإصرار على إصدار تصريحات مطمئنة تتناقض مع معاناة الأهالي، كلها عناوين لسياسة رسمية تفتقد لأبسط معايير المسؤولية.
أما آن الأوان لأن تنتهي هذه المهزلة، وأن تتحرك الحكومة بجدية لمعالجة جذرية تضع حداً للمآسي المتكررة؟ أم إن معاناة أهالي القصيبة، المعممة على جميع أنحاء البلاد، ستستمر!
فحق المواطن بالمياه المأمونة والصالحة للشرب عبر الشبكات الرسمية مسؤولية وواجب حكومي، ولا يجب أن يصبح التعدي على هذا الحق وكأنه أمر مفروغ منه، والاستهتار بصحة وسلامة الناس والقبول بنمط التهرب من المسؤولية بعبارات مثل (خلل فني، عطل بالشبكة، سوء التنفيذ وغيرها) بما يفسح المجال أمام المزيد من التعدي على هذا الحق.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272
رشا عيد