من يتحمل مسؤولية الوضع الراهن للنقابات ولماذا عاد التفاؤل للأوساط النقابية
وزع المكتب التنفيذي للاتحاد العام لنقابات العمال المهام والمسؤوليات بين أعضائه على خلفية الاستقالة المفاجئة لرئيس الاتحاد السابق ومسؤول التنظيم بالمكتب التنفيذي على التوالي. وتأتي إعادة الهيكلة الحاصلة في مرحلة شديدة الأهمية وبالغة الخطورة تمر بها الطبقة العاملة والتنظيم النقابي في ظل استمرار الانحدار المتسارع للأوضاع الاقتصادية والمعيشية والوظيفية للعاملين بأجر بطول البلاد وعرضها، وبمرحلة مصيرية بالنسبة للحركة النقابية الوطنية والمنظمة العمالية ضمناً. ولا نبالغ إن حمّلنا الحكومة بسياساتها وإجراءاتها مسؤولية كل ذلك، فالنهج المتبع - إن صح القول بأنه نهج – من الطبيعي أن يفرز كل تلك النتائج التي نشهدها اليوم ونعيش تحت وطأتها، ولا يمكن لعاقل أن يتوقع غير ذلك.
وقد يستغرب البعض تحميل السلطة السياسية الحالية مغبة أحوال المنظمة العمالية التي تضم أكثر من مليونين ونصف المليون من العمال المنتسبين، لكن لا مبرر لهذا الاستغراب المصطنع فكل ما حصل وما سيحصل لاحقاً تتحمله بالكامل كونها فرضت الوصاية على المنظمة، ولم تترك شؤونها بيد أصحابها الأقدر على إدارتها لكي تلعب دورها وتفرز قياداتها. وهذا الإصرار من الجهات السياسية على التحكم بها هو ما أوصل المنظمة لما هي عليه. فالنقابات العمالية بتاريخها وإرثها وتقاليدها وتمثيلها الطبقي ليست عاجزة عن إدارة شؤونها وليست طفلاً رضيعاً يحتاج للرعاية والتوجيه، وإن أمسكت السلطة عنها وكفت يدها عن شؤونها فستثبت بالدليل القاطع أنها تمتلك المعرفة والخبرة والإرادة الكافية للنهوض والإصلاح والارتقاء أيضاً، وكل ما يتطلبه الأمر أن تتركها وشأنها لعمالها.
النقابات ليست عاجزة بل مكبلة
إن الطريقة التي أديرت بها المنظمة من قبل السلطة السياسية أثبتت خطأها وزادت الطين بلة، وهي الطريقة نفسها التي أدارت السلطة السابقة الأمر بها، وإن اختلفت العناوين والمصطلحات، فترشيح القيادة القطرية والقوائم المغلقة وشروط الترشح والاستئناس الحزبي استمرت كما هي تماماً. ومن السذاجة الادعاء بأن ما يجري اليوم هو إرادة العمال وديمقراطية التمثيل وحرية الرأي النقابي، وليس من المفيد لأحد تجميل وتمويه كل الإجراءات التي حصلت بحق المنظمة وعمالها، وليس من المجدي تركيب قيادات كيفما اتفق ومن خارج المنظمة النقابية وكأنها تخلو ممن يراه العمال كفؤاً لتمثيلهم وقيادتهم. ولا يصلح الفيتو الذي فرض على المنظمة تحت عنوان «يجب أن يكون من خلفية ثورية» لأنه في حال لم يكن كذلك فسيمتنع المسؤولون عن التعاون معه، ونحن نحتاج لهذا التعاون على حد قولهم، أي يجب أن يكون مرضيّاً عليه من الجهات الرسمية وجزءاً منها، وهذا يتناقض مع الفكرة النقابية أصلاً حيث من المفترض أن يكون الشرط الوحيد تمثيله للعمال وحيازته ثقتهم ورضاهم، ولا يقلق أحد من اختيار العمال فتاريخ النقابات يثبت وعي العمال وعمق تجربتهم التي لا توصل للمواقع القيادية غير الكوادر الوطنية والطبقية الأكثر ثورية والأنظف فكراً وكفاً، ولم تتشوه الخرائط والهياكل التنظيمية إلا حين خرج الأمر من يد العمال ليد السلطات.
حذر طبيعي وتفاؤل مشروع
تشهد الأروقة النقابية بعد الترميم الأخير للمكتب التنفيذي ارتياحاً كبيراً وإن كان حذراً، وهذا طبيعي بحكم التجربة السابقة والواقع الموضوعي الحالي. ويعتبر تولي النقابي عبد العليم بكور رئاسة الاتحاد العام يعطي انطباعاً إيجابياً وتفاؤلاً مشروعاً كونه من أبناء المنظمة الذين تسلسلوا بالعمل النقابي من اللجان النقابية حتى المكتب التنفيذي وخبر العمل النقابي بأشد الظروف قسوة، ويعد من الجيل الذي حافظ على الحد الأدنى من الدور النقابي ووحدة الحركة النقابية. وهذا يضعه أمام مسؤوليات جسيمة ومهام كبرى أولها ردم الهوة الشاسعة بين العمال والمنظمة وفتح باب الحوار بأوسع نطاق والعمل على الحفاظ على وحدتها وإصلاح البنية التنظيمية المتهالكة وضبط الجوانب المالية والاستثمارية والقانونية فيها، وإعادة القرار والسلطة لعمال المنظمة من خلال اختصار مرحلة تصريف الأعمال قدر المستطاع وتهيئة التجمعات العمالية والهيئات النقابية لانتخابات عمالية ديمقراطية تعيد القرار لأصحابه بعيداً عن كل وصاية، لتضع المنظمة قدمها على أرضية صلبة تجعلها قادرة على الدفاع عن الحقوق الطبقية والسياسية والنقابية المسلوبة وتمضي لممارسة دورها الذي غاب طويلاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
هاشم اليعقوبي