تفاوت جودة الخبز... بين الفساد والرقابة القاصرة
لطالما كان الخبز في سورية أكثر من مجرد مادة غذائية؛ فهو أساس الأمن الغذائي والمعيشي للأسر، ومؤشر على أداء الدولة في توفير الاحتياجات الأساسية.
ورغم تأكيد مؤسسة المخابز أنها كثفت جولاتها الميدانية، وأرسلت فرق «الجودة» إلى كل المناطق، ونظّمت ضبوطاً بحق المخالفين. لكن الواقع الذي يعيشه السواد الأعظم من السوريين يقول عكس ذلك تماماً: التفاوت في جودة الخبز لا يزال كبيراً بين مخبز وآخر، وبين حيٍّ وآخر.
ولا يبدو أن هذه «الجولات» تحدث فرقاً؛ تأتي الفرق، تدوّن الملاحظات، تنظم ضبطاً هنا أو هناك، ثم تغادر. وبمجرد أن تخرج، يعود العمل بالأساليب ذاتها: تقليل الوزن، خلط الطحين الرديء بالجيد، الغش في المكونات.
ففي شهر شباط، تم الكشف عن اختلاسات مالية تجاوزت 2,6 مليار ليرة في مخبز واحد فقط، وكشف التحقيق عن تلاعب في الكشوف والتقارير المالية، وعدم تطابق كميات المواد التموينية والنفطية المسلّمة للمخبز مع السجلات الرسمية.
فيما تشير الشكاوى إلى أن جودة الخبز تتفاوت بين المناطق. وهذا التفاوت لا يقتصر على بعض المدن والأرياف، بل يشمل المخابز داخل المدينة الواحدة.
فعلى سبيل المثال، تركزت الشكاوى في الرقة مؤخراً، وبشكل خاص في حي الدرعية، حيث يشكو الأهالي من نوعية ورداءة الخبز الموزع.
أي إن الجولات الميدانية محدودة الزمان والمكان، والرقابة الشكلية والمحدودة تركز على بعض جوانب العمل في المخبز فقط وتتجاهل بقيتها، مثل: خطوط الإنتاج، والالتزام بالوزن، والاتجار بالطحين التمويني وبيعه للسوق السوداء، والمتاجرة بالمحروقات، وسوء التخزين والنقل، والتلاعب بالخميرة وغيرها.
فالمشكلة ليست في اكتشاف بعض المخالفات فقط؛ حيث تشير تقارير في بداية هذا العام للإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك إلى تنظيم ضبوط بحق مخابز نتيجة «تكرار المخالفات». ما يعني أن العقوبات غير رادعة بما فيه الكفاية، والأهم أن المخالفين لا يخشون العواقب.
فالحفاظ على جودة الخبز لم ولن تحله ذريعة رفع السعر أو ذريعة الوزن وعدد الأرغفة وقطرها، ولا الآليات المتبعة في الكشف عن حالات مخالفة معزولة هنا وهناك بنتيجة جولات رقابية شكلية، بل يتطلب منهجية عمل متكاملة اعتباراً من تأهيل البنية التحتية للمخابز والصيانة الدورية لخطوط إنتاجها، مروراً بتأمين مستدام لمستلزمات إنتاجها بالمواصفة والجودة المطلوبة وبما يتوافق مع طاقتها الإنتاجية (محروقات-طحين- خميرة- ملح...)، وصولاً إلى اليد العاملة وأجورها، وخاصة ذات الخبرة الفنية مثل العجان، وليس انتهاءً بمكافحة الفساد عبر الرقابة الاستباقية والمتابعة الجدية لكل سلسلة الإنتاج حتى كوة البيع للمواطنين.
فرغيف الخبز مرآة للثقة بين المواطنين والمؤسسات، وبدون استعادتها سيبقى المواطن يدفع ثمناً مضاعفاً: اقتصادياً في ارتفاع الأسعار وتردي الجودة، واجتماعياً في الإحباط والاستياء المتعاظم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272
سلمى صلاح