مشفى السقيلبية الوطني ملاذ المفقرين الوحيد، يئن تحت وطأة ظلم السياسات
في منطقة الغاب بريف حماة الغربي، حيث المسافات الشاسعة بين بلداته والمراكز الصحية الغائبة تماماً، يقف مشفى السقيلبية الوطني صامداً على حافة الهاوية، فهذا المرفق الحيوي الذي يفترض أن يكون ملاذاً صحياً آمناً لمئات آلاف المواطنين من بلدات وقرى ريف حماة الشمالي الغربي وريف إدلب الجنوبي، يقدم اليوم صورة مأساوية عن دولة منهكة، وخدمات تنهار، ومسؤولين يتحدثون بلغة «التطفيش» بدلاً من التغيير والمعالجة الجذرية.
أجهزة معطلة وأطباء يعملون فوق طاقتهم
يستقبل المشفى آلاف المراجعين أسبوعياً، ويلجأ إليه الأهالي كخيار وحيد بعد أن دمرت الحرب معظم المراكز الصحية في الريف المحيط، لكن الواقع داخل أسواره يحكي قصة مختلفة تماماً، حيث يعاني المشفى من نقص حاد في الأجهزة الطبية ولاسيما في القسم الشعاعي المعني بتشخيص الحالات الطارئة والإصابات الخفيفة، واليوم يعمل بجهاز من نوع «سي آر» واحد بحالة متوسطة، بينما أجهزة التصوير الطبقي المحور (CT)، والتنظير، والماموغراف، جميعها معطلة، كما يوجد جهاز تصوير نقال واحد يخدم كل هذه الأعداد، والأفلام الطبية في حالة نقص دائم.
في المقابل، يعمل الأطباء والممرضون فوق طاقاتهم في مناوبات مرهقة لا تنتهي، ورواتب متأخرة لا تسد رمق العيش، فالتقارير الصحفية الحديثة تؤكد أن رواتب الأطباء تتأخر إلى أشهر، وتُصرف على دفعات جزئية ولا تلبي أبسط متطلبات الحياة.
«سياسة التطفيش» بدل الدعم
في خضم هذا الانهيار، جاء التصريح الأخير المتداول (صوت وصورة) عبر منصات التواصل الاجتماعي لمدير صحة حماة «نزيه الغاوي» بتاريخ 23 آذار أثناء تواجده في إحدى الخيم الرمضانية، ليكتب فصلاً جديداً في مسلسل العبث، حين تحدث عن «استبدال الكوادر الطبية بطاقم جديد ودفعهم للاستقالة» وفق سياسة «الإصلاح»، فلم تكن أولوية حديثه عن حل لمشكلة نقص الأجهزة، ولا عن كيفية توفير مستلزمات طبية أساسية، بل كان يصب الزيت على نار المشهد المتفجر أساساً.
إنها المفارقة الصارخة، فبدلاً من السعي إلى تغيير واقع المشفى السيء وتأمين المعدات والمستلزمات الطبية، يتم التلويح بتغيير الكوادر المنهكة، وكأن الخلل ليس في الجهاز «المعطل» ولا في الرواتب «المجحفة»، بل في الأطباء الذين يواصلون العمل رغم كل الضغوط الاقتصادية والجسدية والنفسية، وفي هذا السياق يتحول التصريح الرسمي من «وعد إصلاحي» إلى تهكم سياسي بامتياز.
عندما يصبح التداوي «المجاني» بالاسم فقط
مشفى السقيلبية ليس مجرد مبنى حكومي، بل هو الشريان الوحيد لشريحة واسعة من المفقرين «وهم الغالبية الساحقة من الشعب السوري» غير القادرين على تحمل أعباء المشافي الخاصة ذات الأسعار «الكاوية» في ظل أوضاع معيشية واقتصادية خانقة، وأجور لا تكفي لشراء الخبز، يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مُرّ، إما المكابرة على المرض حتى يصل إلى مرحلة لا تُحتمل، أو الانكسار تحت وطأة ديون العلاج.
فالحكومة تعلم أن مشافي الدولة العامة هي ملاذ المفقرين، لكنها تقف كالمتفرج على انهيارها تأسيساً لسياسة «التخلي» المقنّعة.
فحين يغيب الدعم الحقيقي، وتتحول «الحلول» إلى أداة ترهيب، يصبح السؤال مشروعاً: من تخدم هذه السياسات؟!
فالحديث الرسمي عن دعم الكوادر الطبية بينما المشافي الحكومية عموماً تعاني عجزاً في أبسط المقومات، يضعنا أمام تناقض فاضح بين الخطاب الرسمي عن «الاستقرار المهني» والواقع الميداني المزري للمشافي، ما يعيد إنتاج أزمة الثقة بين المواطن والدولة!
ما بين السطور
هذا المشهد المتكرر من الإهمال للخدمات الأساسية وحرمان المواطن من حقه في التداوي بكرامة، وعندما يرى أن كل بوابات الأمل تُغلق في وجهه، فلا بد أن تتراكم الغيوم في الأفق.
فمدينة السقيلبية وبقية البلدات في المنطقة، شأنها شأن الكثير من المناطق السورية، تعيش حالة من الاستياء العميق لا تتعلق بجهاز تصوير معطل فقط، بل بمنطق كامل يتعامل مع الإنسان كرقم في معادلة باهتة، وربما تكون الحوادث اليومية التي تشهدها المدينة– تلك التي تظهر في شكل احتجاجات أو مواقف متوترة– مجرد أعراض لمرض أعمق لكن الجوهر يبقى ثابتاً، فالضغط المعيشي والاقتصادي والاجتماعي يخلق بيئة خصبة للانفجار، حيث يصبح سوء الخدمة وإهمال الحقوق شرارة كافية لإشعال فتيل الغضب الشعبي.
من يدفع الثمن؟
الاستمرار في سياسات التخلي هذه، واستبدالها بخطابات تهديدية تحت مسمى «إعادة الهيكلة»، لن يؤدي إلّا إلى كارثة إنسانية على المدى المتوسط، مع نزيف أكبر للكوادر الطبية التي تبحث عن الفرص الأفضل، بما فيها خيارات الهجرة، أما على المدى الطويل، فسيظل المفقر وحيداً في مواجهة مرض لا يجد من يداويه، ودولة تتنصل من دورها الرعائي.
حق المواطن بالعيش الكريم والتداوي غير المكلف، ليس «منة» من أحد، بل هو واجب ومسؤوليةـ الحكومة التي تريد أن تبني ثقة غير قابلة للتشكيك والانهيار، ولتثبت أنها مع المواطن وليست ضده، وإلا فلتستعد لموجات الاحتقان والغضب في كل مدينة سورية يئن فيها مريض تحت وطأة خدمات شبه معدومة والدولة «تتفرج»!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272
رهف ونوس