مؤشرات موجة جديدة من الحركة الشعبية...فلنتعلم من بعض دروس الماضي!
رصدت الباحثة زينة شهلا، في مقال لها في موقع الجمهورية (8/5/2026)، قرابة 80 وقفة احتجاجية خلال 3 أشهر في مناطق متعددة من سورية. الجامع الأساسي بينها هو المطالب ذات البعد الاقتصادي-الاجتماعي بالدرجة الأولى، إلى جانب بعض المطالب الأخرى، الديمقراطية والسياسية.
يوم 12 نيسان الماضي، توقف التقرير السياسي المقدم للاجتماع الثاني للمجلس المركزي لحزب الإرادة الشعبية، والذي قدمه د. قدري جميل، عند ظاهرة تصاعد الاحتجاجات المطلبية في مناطق متعددة من البلاد، مستشرفاً استمرارها واتساعها عمودياً وأفقياً. ومما ورد ضمن التقرير ما يلي:
(جاء في برنامج حزبنا المقر في المؤتمر الأخير 16/1/2026 في فقرة الرؤية البند 12: «يؤدي تفاقم الأزمة الرأسمالية في المركز واشتقاقاتها الليبرالية في الأطراف، إلى قفزة نوعية في حالة عدم الرضا الاجتماعي التي تقاس عملياً كمحصلة لثلاث إحداثيات: هي الانعكاسات الاجتماعية لموقف السلطة الحاكمة (الوطني، الاقتصادي/ الاجتماعي، الديمقراطي). ويشهد التاريخ الحديث على أن الحراك الشعبي يرتبط بحالة الرضا أو عدمه سالفة الذكر، ويمر بنوبات متعاقبة من الحركة والسكون؛ فحين تصل حالة عدم الرضا الاجتماعي إلى مستويات محددة تدخل الجماهير حالة فاعلة ونشيطة تستمر عقوداً إلى أن تتحقق التغيرات اللازمة لاستعادة حالة الرضا، ومن ثم تدخل في حالة سكون تمتد هي الأخرى عقوداً إلى حين تجدد عدم الرضا بدرجات عالية». لقد شهد التاريخ الحديث في بلادنا مؤخراً أمثلة تنطبق على هذه الحالة؛ فحتى أوائل القرن الحالي كانت حالة الرضا عن المواقف الوطنية أعلى مستوىً من حالة عدم الرضا عن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية. ومنذ بداية تطبيق السياسيات الليبرالية في أوائل القرن، ارتفع منسوب عدم الرضا الاجتماعي، حتى أصبح أعلى من منسوب الرضا عن السياسة الوطنية العامة، مما أدى إلى الانفجار الذي حدث في 2011. والآن، وبعد سقوط السلطة البائدة، كان منسوب الرضا على الأوضاع المستجدة أعلى من منسوب عدم الرضا والقلق من الأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن بعد عام من السقوط بدأ منسوب عدم الرضا عن الوضع الداخلي يتزايد، والخطر حين يصبح أعلى من منسوب الرضا عن سقوط السلطة السابقة.
منذ اجتماع المجلس المركزي الأخير بعد المؤتمر، يمكن القول: إن مستوى عدم الرضا في المجتمع عن الأوضاع المعيشية هو في ارتفاع مطرد، وإذا كان عدم الرضا هذا يعكس درجة معينة من الاستياء، فإن هذه الدرجة اليوم بلغت مستوى معيناً من النشاط في المجتمع.
كل ذلك أدى إلى ازدياد الحركات الاحتجاجية المطلبية العفوية (معلمون – سائقو تاكسي- أصحاب البسطات).
التقييم العام للمرحلة السابقة بين اجتماعين، يسمح بالاستنتاج، أن الميل العام سيكون نحو ازدياد هذا الشكل من الاحتجاجات، والهام هو إنجاحها لقطع دابر التعبئة الطائفية والمناطقية التي يسعى إليها البعض بشكل واع، وكذلك قطع الطريق على بعض القوى في الخارج، التي تحاول الاستثمار في هذا الاستياء الشعبي. وقد عالج برنامجنا هذه القضية بوضوح، وسلحنا بفهم عميق لها في البند 16 من فصل الرؤية حيث قال حرفياً: «عملت وتعمل قوى الثورة المضادة التي تنتمي بطبيعتها إلى الفضاء السياسي القديم على حماية نفسها عبر حرف الصراع الحقيقي باتجاه أشكال ثانوية تفقده طاقته وتُدميه... ولتحقيق ذلك تحفر خنادق وهمية تحشر الجماهير ضمنها، ليس أقلها خطراً الخنادق الطائفية، التي إلى جانبها تحفز صراعات ثانوية من نمط (علماني/متدين – ليبرالي/ إسلامي – معارض/ موالي- نظام/ معارضة)». في الوقت الذي تؤكد فيه الحياة، أن خط الفصل الحقيقي هو بين 95% من الفقراء والمعترين و5% من الحرامية والناهبين).
يبدو الآن واضحاً، وبعد مضي شهر على الكلام السابق، أن التحركات والاحتجاجات ذات الطابع المطلبي، ستتسع بشكل مطرد. ويبدو واضحاً أيضاً، أنه من الضرورة بمكان أن تستفيد من كل التجارب الماضية، بحيث تكون أداة أساسية في توحيد البلاد وأهلها، وفي نيل الحقوق ورفع المظالم.
في هذا السياق، نستذكر في هذه المادة، مجموعة من الأفكار المتعلقة بالحركة الشعبية، ذات الطابع النظري والعملي، والتي سبق أن قالها حزب الإرادة الشعبية خلال السنوات الماضية، ابتداءً مما قبل 15/3/2011، كمحاولة في وضع ما لدينا بين يدي الحركة الشعبية في موجتها القادمة... وربما أهم ما بين يدينا هو التأكيد المستمر على أن الحركة الشعبية ينبغي أن تصنع قياداتها بنفسها، ومن رحمها، وأن ترفض أي تسلق عليها، سواء من قوى في الداخل أو في الخارج، وأن مهمة القوى الوطنية هي أن تضع تجربتها بين يدي الناس، وأن تقف معهم في مطالبهم، وأن تثبت نفسها بالأقوال والأفعال، لتقدم أوراق اعتمادها لهم، وهم في نهاية المطاف من سيقررون من يمثلهم وبأي نسبة.
تنقسم الاقتباسات التي نستحضرها هنا، إلى المحاور التالية:
أولاً: تعريف الحركة الشعبية
ثانياً: موضوعية الحركة الشعبية ودوريتها
ثالثاً: أشكال الحركة الشعبية
رابعاً: الأسباب التي أدت إلى الحركة الشعبية في سورية
خامساً: عوامل تخريب الحركة الشعبية وتقويضها
سادساً: عوامل استمرار الحركة الشعبية
* * *
أولاً: تعريف الحركة الشعبية
«الحراك الشعبي هو ظاهرة موضوعية إيجابية تعبر في العمق عن حاجات المجتمع ومتطلباته». (بلاغ عن اجتماع رئاسة مجلس اللجنة الوطنية، 19 نيسان 2011).
«الحركة الشعبية بمعناها الواسع، هي انخراطٌ متزامنٌ لأعداد كبيرة من الناس ضمن مجتمع معين، في النشاط السياسي». (الموجة الآتية من الحركة الشعبية، مقال في قاسيون، 5 أيلول 2021).
«الحركة الشعبية، أو «النشاط السياسي المتصاعد للجماهير»، هو ثالثة الأثافي في إيقاد نار التغيير. الأولى هي أنّ «النخب»، أو من هم «فوق»، لم يعودوا قادرين على إدارة الأمور وممارسة الحكم، والثانية أنّ من هم «تحت» لم يعودوا يحتملون العيش ضمن الظروف نفسها. وتأتي الحركة الشعبية لتضع الأساس الثالث للتغيير الذي لا يكتمل إلا بتحول «النشاط السياسي المتصاعد» إلى «نشاط سياسي متصاعد ومنظّم للجماهير» ... وإذا
كان حال من هم «تحت» هو في صعودٍ متواتر ومستمر، فإنّ حال «النخب» الذين هم «فوق» يسير بشكل متسارع نحو مزيد من الانحطاط والهزال». (افتتاحية قاسيون 1094: الحركة الشعبية تَصعد و«النخب» تَنحطّ!، 30 تشرين الأول 2022).

* * *
ثانياً: موضوعية الحركة الشعبية ودوريتها
«إن التحركات الشعبية الرافضة لطريقة العيش السابقة التي تكونت وترسخت أثناء سيادة نظام الاستعمار الجديد، بما أفرزته من أنظمة اجتماعية اقتصادية- سياسية، هي تعبير عن موجة موضوعية لا يمكن منع انطلاقها». (افتتاحية قاسيون 490: ملاقاة الجماهير بملاقاة مطالبها، 19 شباط 2011).
«الحركة المتصاعدة المستقلة نسبياً للنشاط السياسي للجماهير الشعبية الواسعة... هذه الحالة تتكرر في التاريخ بشكل دوري تقريباً، وهي ليست جديدة، ولكن تفصل بين دورة وأخرى فترات زمنية طويلة، من 50 إلى 100 عام، ما يجعل الأمر مفاجئاً وغير معتاد بالنسبة لمن يعاصر موجة كهذه. وتعقبها بعد انتهائها فترة هدوء، ما هي في نهاية المطاف إلاّ فترة كمون لنهوض ونشاط سياسي واسع جديد للجماهير.. وخلال فترة الهدوء والكمون، تتراكم المشكلات التي تتطلب الحل، وتتراكم المطالب التي تبقى دون حل، وتتراكم درجة شحن المجتمع لانفجاره اللاحق، وكل ذلك يخلق سراباً ووهماً بأن كل شيء بخير ويتعود أولو الأمر على التعاطي بعدم جدية، وباستخفاف مع مطالب المجتمع، وتزداد ثقتهم بأنفسهم مقتنعين أن جهاز دولتهم القمعي القوي قادر على حل كل المشكلات.. ولكن عندما تأتي الموجة الجارفة التي يعبر عنها النشاط السياسي المستقل للجماهير، المستقل عن جهاز الدولة، والمستقل عن البنى السياسية التقليدية، فإذا بها لا تبقي ولا تذر، لأن طاقتها المخزونة خلال الكمون تكون هائلةً وقادرةً على صنع المعجزات. وهي بجوهرها تعبيرٌ عن نضج موضوعي لضرورة إحداث تغييرات عميقة في المجتمع وفي بناه الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية». (افتتاحية قاسيون 496: درس أساسي، 2 نيسان 2011).
«الحركة الشعبية في جوهرها، هي النشاط السياسي العالي للناس، والذي يرتدي أشكالاً شديدة التنوع والغنى. وهذه الحركة هي أقرب ما تكون إلى «قَدرٍ موضوعي»، أي إنها محكومة بقوانين تاريخية، ولا يمكن توليدها عبر «التآمر الفوقي» أو عبر اجتهاد مجموعة من «النخب»، بل إن ظهورها في جوهره هو مسألة عفوية، ناتجة عن ارتفاع مستوى عدم الرضا الاجتماعي بشكل تدريجي ولكن طويل الأمد. هذا لا ينفي بحال من الأحوال، أن كل حركة شعبية تواجه محاولات عديدة للاندساس ضمن صفوفها وللتآمر عليها من داخلها ومن خارجها، من النظام المستهدف ومن أطراف خارجية. لكن ما ينبغي التأكيد عليه أيضاً، هو أنّ الحركة الشعبية التي نشهدها (ليس في السويداء أو سورية فقط، بل وفي العالم بأسره ووصولاً حتى إلى الولايات المتحدة)، ليست حركة مؤقتة أو عابرة، بل هي حركة ستمتد إلى عدة عقود قادمة، ولن تستكين حتى تحقق مهمتها التاريخية في تغيير وجه العالم؛ هذا ما تُعلمنا إياه قراءة تاريخ القرون الثلاثة الماضية، ابتداء من الثورة الفرنسية وحتى اليوم. وهذا ما تثبته الوقائع عبر العالم بأسره». (في السويداء... ملامح أولى لموجة جديدة من الحراك الشعبي، مقالة في قاسيون، 14 حزيران 2020).
«حركة الناس ستستمر إلى عقود ولن تنتهي قبل إنجاز مهامها في التغيير... ولكي نفهم الحالة تماماً أقترح أن نوسع دائرة النظر. كل المجتمعات تمر في حالات من هذا النوع؛ ولوحظ منذ سنة 1789، أي: منذ الثورة الفرنسية، درجة نشاط سياسي عالٍ للناس تستمر لفترة طويلة، تنزل الجماهير إلى الشارع ولا تعود إلى المنزل إلّا بعد إنجاز مهمتها، وهذه الفترة عادةً- إذا تابعنا جيداً- هي خمسون عاماً، أول نزول حركة واسعة للجماهير كانت 1789، انتشرت في كل أوروبا- أنجزت مهماتها رمت بالفضاء السياسي القديم، غيرت بنية الدول ثم عاد الشارع إلى حالة ركود لمدة خمسين عاماً. في المرة الثانية التي جرى فيها نهوض، انتقل مركز الحركة إلى الشرق لأن العالم (بالمعنى الرأسمالي) كان يعتبر فقط أوروبا... 1905 (في روسيا) والذي تثبت عام 1917 عبر حركة واسعة لنشاط الناس السياسي في كل العالم الأول استمرت عملياً حتى عام 1945 بعد ذلك جرت العودة التدريجية إلى المنزل من قبل الناس». (د. جميل: الحركة الشعبية مستمرة إلى عقود ولا مفر من التغيير.. نسف سايكس بيكو بوحدة شعوب الشرق واتحاد دُوله، كلمة في منتدى فالداي 31 آذار 2021).
«الحركة الشعبية كظاهرة تاريخية، لا تنتهي دون تحقيق مهامها، هذا ما أثبتته تجارب التاريخ، وما تثبته تجارب الحاضر في كل مكان جرى فيه خداع الحركة بطورها الأول عبر تغييرات شكلية، وبدأت بالعودة مجدداً إلى استكمال عملية التغيير المطلوبة». (افتتاحية قاسيون 1032: الحركة الشعبية و2254، 22 آب 2021).
«ما ينبغي أن يقال ختاماً، هو أن نجاح اعتصام 17 نيسان، هو تعبير عن درجة الغليان الموجودة في الشارع السوري عموماً، والتي ظهرت عبر جملة من الاحتجاجات المطلبية خلال الأسابيع الماضية، وهو تعبير أيضاً عن أن الناس تعلمت من التجربة السابقة، وبدأت بتنظيم صفوفها بشكل أفضل وأكثر عقلانية ومسؤولية تجاه البلاد وأهلها، وأن عملية التنظيم هذه سوف تتطور وتتقدم يوماً وراء يوم، وصولاً إلى تحقيق الغايات الأساسية للسوريين، في بناء وطن حر وموحد وكريم، لكل أبنائه، ويكون نظامه السياسي معبراً حقيقياً عن مصالح الناس، ومدافعاً صلباً عنها...» (افتتاحية قاسيون 1274: نجاح اعتصام 17 نيسان، علامة فارقة!، 19 نيسان 2026).
* * *
ثالثاً: أشكال الحركة الشعبية
«إن ما يحاول البعض تسويقه، وعلى رأسهم الأمريكيون، من أن الحراك عفوي ويجب أن يبقى عفوياً هو خطأ كبير، فالعفوية تعني تسليم زمام المبادرة لقوى غير معروفة التوجهات لإدارة هذا الحراك، وعلى العكس يجب أن تتحول الحركة الشعبية إلى أشكال تنظيم تعرف ما تريد حتى وإن كانت بدائية، وذلك لتبقى ضمن إطار الوحدة الوطنية التي يعبر كل منا عن نفسه بها، وبأشكال مختلفة». (يجب حماية الحراك الشعبي الناشئ من التطرفات المختلفة، مقالة في قاسيون، 6 أيار 2011).
«الحركة الشعبية التي بدأت كاحتجاج على مظالم محددة ما كانت لتستمر وتتسع تظاهراً إلا لأنها أصبحت تعبيراً عن حاجات ملحّة وضرورية ومتراكمة للتغيير والإصلاح الجذري، فاكتسبت صفة موضوعية وعامة، ووضعت البلاد جدياً على مفترق طرق، بما يمنع العودة إلى الوراء كما يتمنى البعض، وبما يدفع بالضرورة المزيد من الشرائح الاجتماعية للنشاط السياسي بأشكالٍ مختلفة، أقصاها كان التظاهر... لم ينزل الجميع إلى الشارع، لا بل الأكثرية المسماة بالـ«الصامتة» لم تنزل إلى الشارع، وهذا لم يعن إطلاقا أنها بذلك أصبحت في موقع التأييد للوضع السابق، فإلام يعود صمتها «تظاهراً»؟ وهل هي تعد بذلك خارج الحراك أو النشاط السياسي؟؟... الأكثرية الصامتة، صامتة تظاهراً فقط وليست، ولن تبقى، صامتة بأشكال التواصل السياسي والتنظيمي والتنسيقي، وما صمتها تظاهراً إلا لأنها لم تصادف ذاتها فيما يرفع من شعارات، وبالأخص في المسألة الاقتصادية – الاجتماعية والمغيّبة عمداً». (الحركة الشعبية والأكثرية «الصامتة»، مقالة في قاسيون، 20 أيار 2011).
«إذا كانت الحركة الشعبية قد انكفأت مؤقتاً بسبب السلاح والعنف والقمع والتدخلات الخارجية، فهذا لا يعني إطلاقاً أنها انتهت؛ بل قطعت المرحلة الأولى في تطورها، وهي الآن في حالة يقظة وتحفز إلى حين عودة الوقت المناسب، فالأزمات التي أنزلت الناس إلى الشوارع لم تُحل بل ازدادت تعقيداً، وسلطة السلاح المنتشرة في كل مناطق سورية حالياً، لن تكون لها الكلمة العليا حين يقرر السوريون أن الوقت قد حان لمواصلة المشوار». (افتتاحية قاسيون 1009: بعد 10 سنوات.. الحركة الشعبية ستعود، 14 آذار 2021).


«ينبغي أن يكون واضحاً أنّ الحركة الجماهيرية لا تقتصر على شكل بعينه، ولا تقتصر بالتأكيد على شكل المظاهرات على أهمية هذا الشكل. بل تشتمل عدداً كبيراً من الأشكال، بينها العرائض والإضرابات والتجمع والنقاش السياسي. وكل شكل من هذه الأشكال له وقته المناسب، وينبغي على الحركة نفسها أن تختار الأشكال المناسبة في الأوقات المناسبة وفي الأماكن المناسبة، بحيث تحافظ على نفسها وعلى قدرتها على تجميع المتضرّرين وتنظيمهم بشكل سلميّ يضمن قوة الحركة واستمراريتها وقدرتها على الفعل والتغيير». (ينبغي حماية وتنظيم الموجة القادمة من الحركة الشعبية، مقالة في قاسيون، 2 آب 2023).
«الحركة الشعبية هي مستقبل سورية ودونها لا يمكن تصور الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المستقبل، ودونها لا يمكن الحديث عن الوحدة الوطنية، فهذه الحركة بجمهورها العريض هي حركة نظيفة خرجت للتعبير عن مطالب محقة ومشروعة، ولكن هذه المطالب أتت على أيدي قوى غضة غير ناضجة بالمعنى السياسي بعد، بحيث كان من الممكن استغلالها والدخول بين صفوفها وتلويثها». (د. جميل لإذاعة شام أف إم 2 آب 2011).
* * *
رابعاً: الأسباب التي أدت إلى الحركة الشعبية في سورية
«السياسات الاقتصادية- الاجتماعية المتبعة، خاصةً خلال السنوات الخمس السابقة، هي المسؤول الأول عما آلت إليه الأمور في البلاد... إذ خلقت هذه السياسات ووسعت الأرضية الاجتماعية للاحتجاجات المتسعة وما سببته من إخلال في الاستقرار السياسي للبلاد». (بلاغ عن اجتماع رئاسة مجلس اللجنة الوطنية، 19 نيسان 2011).
«إن انطلاق الحركة الشعبية في سورية... في معناه العميق جاء تحت ضغط ضرورات داخلية تتعلق بالفساد ومستوى المعيشة ومستوى الحريات السياسية، وجاء أيضاً جزءاً وامتداداً لحركة شعبية عالمية معادية في جوهرها لعفن النظام الرأسمالي العالمي وعجزه عن حل المشكلات المتفاقمة والمتراكمة على المستويات كافة، وسورية باعتبارها دولةً نامية هي أحد الأماكن التي تحاول الرأسمالية تفريغ أزمتها فيها، ولذا فإن الحركة الشعبية في سورية التي تعبر عن النشاط السياسي المتصاعد للجماهير في أشكالها المختلفة، خرجت لتحل مشكلاتها المتفاقمة خلال عقود من جهة، ولتؤدي في الوقت نفسه دوراً وطنياً في مواجهة تصدير الأزمة الرأسمالية العالمية إليها». (افتتاحية قاسيون 564: الحركة الشعبية وبناء النظام الجديد، 31 تموز 2012).
«إنّ انطلاق الحركة الشعبية في سورية كان لأسباب داخلية بالدرجة الأولى، تتكثف في بنية اقتصادية اجتماعية ليبرالية ناهبة، أفقرت الناس وهمشتهم. وفوق ذلك فهي بنية يغلب عليها الطابع الأمني ومستوى حريات سياسية شبه معدوم، ما قطع الصلة بين الناس والسياسة، وبينهما وبين جهاز الدولة، وراكم الآلام في الصدور حتى انفجرت دفعة واحدة». (افتتاحية قاسيون 1009: بعد 10 سنوات.. الحركة الشعبية ستعود، 14 آذار 2021).
«إذا أردنا أن ننظر بعمق إلى ما جرى في السنوات العشر الماضية، وبشكل خاص حركة الشارع، أو بكلامٍ آخر أكثر علميةً، درجة النشاط السياسي العالي في المجتمع، الذي لفّ المنطقة كلها، ما هو سببه؟ سببه
الضرورات؛ الضرورات التي طرحت نفسها سياسياً- اقتصادياً- اجتماعياً. والمشكلة الأولى، هي أن القوى السياسية الموجودة كانت في حالة موت سريري، أي إنها كانت ضمن فضاء سياسي قديم يحتضر. المشكلة الثانية، هي أن الفضاء السياسي الجديد الذي يعبّر عن هذه الحركة لم
يكن قد تشكل بعد. أي إننا كُنّا في حالة مخاض بين قديمٍ يموت ولم يمت بالمعنى السياسي- البنية السياسية، وبين جديدٍ يولد ولم يولد بعد. هذه الحالة التي عبر عنها غرامشي بالقول، إنه في اللحظة بين القديم الذي يموت والجديد الذي لم يولد تظهر الوحوش». (د. جميل: الحركة الشعبية مستمرة لعقود ولا مفر من التغيير.. نسف سايكس بيكو بوحدة شعوب الشرق واتحاد دُوله، كلمة في منتدى فالداي 31 آذار 2021).
«يعكس تصاعد الحركة الشعبية مجدداً، حقيقة أن الأزمة بعمقها الاقتصادي والسياسي ما تزال قائمة وتحتاج إلى حل، وأن الاتجاه الاقتصادي الساري (أي الليبرالية المتوحشة المعتمدة على تطبيق وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، بما في ذلك سياسات رفع الدعم والخصخصة، والتوجه غرباً، وضرب الصناعة والزراعة عبر فتح الأسواق للبضائع الأجنبية وإلخ)، ما يزال هو نفسه كما كان سابقاً، وما يزال يصب في مصلحة قلة قليلة مستفيدة وبالضد من مصالح عموم السوريين» (سيلفي والشعب خلفي، مقالة في قاسيون، 12 نيسان 2026).

* * *
خامساً: عوامل تخريب الحركة الشعبية وتقويضها
«يجري الخلط في الكثير من المفاهيم المتعلقة بالحركة الشعبية في سورية، بدءاً من مفهوم الحركة نفسه مروراً بمكوناتها والأطراف المشاركة فيها، بما وصل إلى حدود اتهام شرائح واسعة من المجتمع بالخيانة والجبن، ومحاولة إلباسها لباساً واحداً وتجاهل التمايز بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، بينما يكمن الخلط الأهم في طبيعة الإصلاح والتغيير المنشود الذي لا شك أنه يختلف باختلاف مصالح تلك الطبقات والشرائح. ولم يكن من شأن هذا الخلط إلا أن أصبح معيقاً للحركة ومغيّباً لأهم عناصر التغيير الحقيقي، وممهداً للاستعصاءات المدمّرة من كل شاكلةٍ ولون». (الحركة الشعبية والأكثرية «الصامتة»، مقالة في قاسيون، 20 أيار 2011).
«البعض يرفع في وجه الحركة الشعبية شعار الوطنية ويريد من خلال ذلك استمرار فساده، وديمومة قمعه، وإنقاذ نفسه من المحاسبة... والآخر يدعونا إلى مناحة على هامش «كرنفال» الدم السوري لتبرير ما لا يُبرر وطنياً وأخلاقياً، ويشرعن الخيانة الوطنية». (الموقف اليومي.. والحركة الشعبية، مقالة في قاسيون، 17 آب 2011).
«الخطأ في التعامل مع الحركة الشعبية وفق الخيار الأمني المفرط يمنع تطورها الطبيعي ويشوهها ويعقد الأمور... ويجب أن نكون صارمين أيضاً مع أولئك الذين يريدون دفع الحركة الشعبية من داخلها إلى مهلكها لمنعها من اقتطاف ثمار الشعارات المشروعة والمحقة التي طرحها الشارع في البداية ... فلا مساومة مع النظام في قصة الحل الأمني والقمع البحت، لأنه عملياً حوّل الحركة الشعبية باتجاه آخر وهذا مقصود. هناك في النظام من يريد أن يجهض الحركة الشعبية ويدفعها دفعاً إلى مكان آخر، وهناك خارج النظام من يريد الاستيلاء على الحركة الشعبية وأيضاً دفعها إلى مكان آخر، والطرفان وخذوها كلمةً مني، سيتبين أن معلمهما واحد في النهاية». (د. جميل: لا أحد يستطيع أن يدعي أنه يمثل حركة الشارع، كلمة في المؤتمر الصحفي للجبهة الشعبية للتغيير والتحرير بعد 100 يوم على إطلاقها، 4 تشرين الثاني 2011).
«سيكون منطقياً خوف القوى المتشددة في النظام من الحركة الشعبية، وخصوصاً رموز وأركان الفساد الكبير، التي ترى في الحركة الشعبية السلمية والمطالبة بالتغيير طرفاً قادراً على فضح ذلك الفساد ومحاربته بكل الطرق الحضارية والسلمية، أن تسعى بحجة وجود المسلحين، وهم موجودون، إلى ضرب السلمي قبل المسلح بخلط مقصود، حتى تفلت تلك القوى من سيف التغيير الذي سيبقى مسلطاً على رقابها طالما الاحتجاجات السلمية قائمة ومستمرة حتى تحقيق المطالب. وبالوقت نفسه فإن بعض قوى المعارضة المطالبة بالتدخل الخارجي تمارس دور قوى الفساد نفسه في جهاز الدولة، وذلك بدفع الحركة الشعبية إلى التطرف والتسلح ورفع شعارات غير واقعية بهدف رفع منسوب الدم واستدراج التدخل الخارجي، وتهيئة المناخ النفسي- الاجتماعي له، مستفيدة من عنف صنوها الآخر في النظام، لذا فهي منطقياً عدو للحركة الشعبية لا يختلف بالجوهر عن قوى الفساد داخل جهاز الدولة، وهي لن تعترف إلا بحركة شعبية ترفع شعارات مطالبة بالتدخل الخارجي وتدويل الأزمة على الطريقة الليبية، أما الشعارات الرافضة للتدخل الخارجي والمطالبة بالوقت نفسه بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية فهي «مؤامرة» من النظام وصنيعة يديه». (لماذا الخوف من الحركة الشعبية؟، مقالة في قاسيون، 15 تشرين الثاني 2011).
«ينبغي لتحييد الحركة الشعبية إضافةً إلى محاولات قمعها وتسليحها - المحاولات التي لم تنفع في إجهاضها- ينبغي إيهامها بالتغيير، وإلا فإنها ستواصل صعودها حتى تطرد الجهتين المتطرفتين من ساحة الوطن وتعيد توزيع الثروة جذرياً، ولن تكتفي بذلك وإنما ستعزز الوحدة الوطنية وتتجذر في الموقف الممانع وتطوره نحو المقاوم، الأمر الذي يتناقض كلياً مع مشروع أمريكا التفتيتي في المنطقة ويتناقض مع مصلحة فاسدي الطرفين». (الافتتاحية: احتمال ثورة مضادة.. تحت سقف الحوار!!، 27 آذار 2012).
«إنّ الطروحات الطائفية، والطروحات التي تبنت خيار العنف، كانت خدمة كبرى لأعداء التغيير الجذري في النظام والمعارضة؛ فقد وجد هؤلاء وأولئك ضالتهم في تحطيم الحركة الشعبية عبر قسم السوريين عمودياً وفقاً لثنائيات وهمية وإغراقهم في دمائهم، حيث تحول الشعب بمواليه ومعارضيه إلى أداة لصراع النخب الناهبة فيما بينها، بدل أن يكون موحداً على أساس مصلحته الاقتصادية الاجتماعية والوطنية والديمقراطية ضد تلك النخب جميعها». (افتتاحية قاسيون 1009: بعد 10 سنوات.. الحركة الشعبية ستعود، 14 آذار 2021).
«وحدة الشعب السوري تعني وحدة 95% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف. هؤلاء الـ«95%» هم الشعب السوري، هم ملح الأرض وثروتها، وهم حصن البلاد وجوهرها، وهم البلاد... هؤلاء قد بدأوا بتنظيم صفوفهم - كما جرى في اعتصام 17 نيسان وقبله وبعده في عدد من التحركات المطلبية - للتحرك والدفاع عن مصالحهم في وجه سياسات اقتصادية هي تكرار واستكمال للسياسات السابقة، وتحت مسميات مطابقة أيضاً، من طراز «اقتصاد السوق» والخصخصة ورفع الدعم، بل وحتى باستخدام بعض الشخوص المكررة نفسها، بعد «تسوية أوضاعها» وغسلها من جرائمها.
من يخاف وحدة الشعب السوري، إنما يخدم مصالح الفاسدين الكبار، سواء منهم الجديد أو القديم الذي جرى «غسله»، وإنما يخدم مصالح أمراء الحرب الذين يريدون الحفاظ على «رعية» ينهبونها ويحاربون بها «رعايا» الأمراء الآخرين. وبكلمة، فإن من يقف ضد وحدة الشعب السوري في الداخل، هو فاسد أو أمير حرب أو بطانة لفاسد أو أمير حرب، أو عميل للخارج، وينبغي أن تتم محاسبته على هذه الأسس». (افتتاحية قاسيون 1276: الشعب السوري واحد «فأما الزبد فيذهب جفاء»، 3 أيار 2026).

* * *
سادساً: عوامل استمرار الحركة الشعبية
«هذه الحركة ليست غيمة عابرة وليست سحابة صيف، وليست قضية مؤقتة. سورية والعالم العربي وكل العالم دخل في مرحلة حراك جماهيري عميق سيستمر عقوداً وسوف يحدد حركة التاريخ خلال الفترة القادمة»... «مهمتنا جميعاً إنقاذ الحركة الشعبية والحفاظ على سلميّتها ومنع العنف ضدها، والذي بحجته يراد إدخال البلاد في أتون حرب أهلية، لكي يستطيع الفاسدون الكبار النجاة بما نهبوه من أموال والهروب من المحاسبة». (د. جميل، لقاء شام إف أم 21 تشرين الأول 2011).
«الحركة الشعبية السلمية، والوطنية موضوعياً، وبقوة الطاقة الكامنة، والدفع الذاتي، ستلفظ كل تلك الطفيليات التي تعتاش عليها من هنا وهناك، ومن يحاول حرفها عن مسارها، وستبلور برنامجها المتكامل وطنياً واقتصاديا اجتماعياً وديمقراطياً، والذي يعبر عن مصالح الشعب السوري الواحد، بعيداً عن الروح الكيدية والثأرية. هكذا تقول تجارب معظم الحركات الشعبية في التاريخ، وهذا عهدنا بالشعب السوري كما تؤكد تجربته التاريخية الخاصة». (الموقف اليومي.. والحركة الشعبية، مقالة في قاسيون، 17 آب 2011).
«الحركة الشعبية التي انطلقت عام 2011 لم تكن في جوهرها إلا تعبيراً عن أزمة وطنية عميقة لا تحل بغير تغيير وطني جذري شامل، اقتصادي- اجتماعي ديمقراطي، يصب في مصلحة الأغلبية المفقّرة من السوريين... إنّ تحقيق مهام التغيير يصبح ممكناً فقط حين تتحول الحركة من «نشاطٍ سياسيٍ عالٍ» إلى «نشاطٍ سياسيٍ عالٍ ومنظم». وفي الخصوصية السورية، فإنّ الوظيفة المباشرة للتنفيذ الكامل للقرار 2254 باتت تتلخص في مسألتين، أولاً: تنفيذ القرار هو الإنجاز المكافئ للتضحيات التي بذلتها الحركة الشعبية السورية بأشكالها المختلفة في طورها الأول... ثانياً: إزالة التدخلات السلبية المختلفة التي قطعت وشوّهت تطور الحركة خلال السنوات الماضية، مع احتفاظ الحركة في ذاكرتها بالدروس الثمينة التي تعلّمتها، لتتابع الطريق من أعلى منصة معرفية وصلت إليها». (افتتاحية قاسيون 1032: الحركة الشعبية و2254، مقالة في قاسيون، 22 آب 2021).
«سورية ليست استثناءً أيضاً بما يخص الحركة الشعبية وصعودها، مع خصوصية أنها في سورية كامنةٌ، تراقب وتتحضر للظرف المناسب للعودة بزخمٍ أعلى وبتنظيم أعلى. وعودتها هذه هي ضرورة لا مفر منها». (افتتاحية قاسيون 1094: الحركة الشعبية تَصعد و«النخب» تَنحطّ!، 30 تشرين الأول 2022).
«بين الاستنتاجات الواضحة التي لمسها المشاركون في الاعتصام على الأرض، أن هناك بوناً شاسعاً بين «جنرالات» ما وراء البحار، وما وراء الشاشات، وبين الواقع؛ فالشخصيات والقوى ذات الصوت الأعلى ما وراء الشاشات، والتي دفعت بأشكال مباشرة أو غير مباشرة نحو التصعيد ونحو شعارات قصوى، لم يظهر لها أي وجود تقريباً على أرض الواقع، ولم تستطع دفع الناس بالاتجاهات التي تتمناها؛ وبالمقابل فقد نجح المشتركون الحقيقيون، في فرض سلوك عقلاني ومنضبط... وهذه خطوة أولى شديدة الأهمية في طريق الحركة الشعبية- التي تبدأ الآن طوراً جديداً- نحو صناعة قياداتها بنفسها، ومن رحمها، ونحو منع التسلق عليها بأي شكل من الأشكال. وهي خطوة أولى أيضاً بالنسبة للقوى الحقيقية التي شاركت باللحم الحي، في تقديم نفسها للناس على قدم المساواة معهم، وليس بوصفها قيادة لهم، وفي تقديم برامجها وسلوكها الملموس لتطلب اعتراف الناس بها، وحينها فقط يمكن أن تلعب دورها الحقيقي في تمثيلهم» (افتتاحية قاسيون 1274: نجاح اعتصام 17 نيسان، علامة فارقة! 19 نيسان 2026).
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277