«إسرائيل الضعيفة»
توم ماير توم ماير

«إسرائيل الضعيفة»

بقلم: توم ماير

 بتصرف عن مجلة مونثلي ريفيو

حول كتاب ««إسرائيل» على حافة الهاوية: والثورات الثماني التي قد تؤدي إلى إنهاء الاستعمار والتعايش»، بقلم إيلان بابيه.

توم ماير أستاذ علم اجتماع متقاعد من جامعة كولورادو في بولدر. درّس وأجرى أبحاثاً في الجامعة لأكثر من أربعين عاماً. توم اشتراكي مدى الحياة، مناهض للإمبريالية، ومناصر للعقلانية البيئية.

««إسرائيل» على حافة الهاوية: والثورات الثماني التي قد تؤدي إلى إنهاء الاستعمار والتعايش»، إيلان بابيه (بوسطن: دار منشورات بيكون، 2025)، 216 صفحة، غلاف مقوى.

قدمت أعمال إيلان بابيه الأكاديمية توثيقاً مقنعاً حول التطهير العرقي الذي ارتكبته الحركة الصهيونية منذ بداياتها الأولى (تطهير فلسطين العرقي، 2006)، وتحدت الأيديولوجيات المستخدمة لدعم وجود «إسرائيل» كدولة يهودية حصرية (عشر خرافات عن «إسرائيل»، 2017)، وقدمت أساساً تاريخياً لحقوق الفلسطينيين في التعايش الكامل في «الأرض الواقعة بين النهر والبحر» (تاريخ حديث لفلسطين: أرض واحدة، شعبان، 2003). يُعترف بإيلان بابيه عالمياً كمعلم قيم وحليف للفلسطينيين واليهود التقدميين في كل مكان.

وُلد بابيه في حيفا، عام 1954. في الثامنة عشرة من عمره، جُنّد في «جيش الدفاع الإسرائيلي» وخدم في هضبة الجولان خلال حرب 1973. تلقى تعليمه لاحقاً في الجامعة العبرية في القدس ثم في جامعة أكسفورد، حيث حصل على درجة الدكتوراة في التاريخ والعلوم السياسية. درّس بابيه في جامعة حيفا لمدة اثنين وعشرين عاماً. بسبب آرائه المناهضة للصهيونية وأعماله الأكاديمية الصريحة، أُجبر في النهاية على مغادرة الجامعة. التحق بعد ذلك بجامعة إكستر كأستاذ للتاريخ ومدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية.

يجادل كتاب بابيه الأحدث، «إسرائيل على حافة الهاوية»، بأن «إسرائيل» تعاني الآن من نقاط ضعف هيكلية خطِرة تهدد استمرار وجودها كدولة صهيونية. هذه النقاط الضعيفة تجعل من الممكن ظهور دولة واحدة ديمقراطية حقاً تضم كلاً من الفلسطينيين واليهود في كامل فلسطين التاريخية. ولكن إذا حدث هذا التحول، فمن المؤكد أنه لن يكون خالياً من الألم – وقد يكون عنيفاً جداً. ومع ذلك، قد تؤدي مثل هذه الثورة إلى مستقبل سياسي أفضل بشكل كبير لكل من الفلسطينيين واليهود.

يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء مترابطة. يشرح الأول سبب الفشل الذريع «لعملية السلام» التي قادتها الولايات المتحدة، ويتناول سبع تصدعات في المشروع الصهيوني من المرجح أن تسبب الانهيار النهائي «لإسرائيل». يناقش الجزء الثاني سبع تحولات (يسميها بابيه ثورات صغيرة) يجب أن تحدث إذا كان لانهيار «إسرائيل» نتيجة بناءة. الجزء الثالث هو سرد خيالي لعملية قد ينشأ من خلالها بحلول عام 2048 دولة ديمقراطية للفلسطينيين واليهود.

 

«عملية السلام» المزعومة

لم تكن «عملية السلام» المزعومة بين فلسطين و«إسرائيل» مجرد فشل، بل كانت مهزلة سخيفة وغالباً ما كانت كاذبة. إن الوسيط المحايد المزعوم، الولايات المتحدة، لم يكن محايداً بل كان حليفاً ملتزماً وممكناً «لإسرائيل». تضمنت الوساطة الأمريكية التماس أفضل عرض من «إسرائيل»، والذي كان دائماً أقل من الحد الأدنى لمطالب الفلسطينيين، وجعل هذه النتيجة هي الهدف المنشود لعملية الوساطة. حتى عندما يمكن إخضاع القادة الفلسطينيين لقبول هذه النتيجة المجحفة، لم تكن النتيجة سلاماً، بل استمرار الصراع عادةً بشروط أكثر ملاءمة «لإسرائيل».

الخلاف الداخلي هو أول عيوب بابيه السبعة المسببة للعجز (والتي قد تكون قاتلة) في المشروع الصهيوني. الخلاف هو بين جماعة اليهود الأرثوذكس، التي يسميها بابيه «دولة يهودا»، وجماعة اليهود العلمانيين، التي يسميها «دولة إسرائيل». هذا التنافر المرير يصعب حله، بل إنه مستحيل، لأن الجماعتين الصهيونيتين متساويتان تقريباً في الحجم، ولا يجمع بينهما أي شيء تقريباً، وتتمسكان برؤى مختلفة جذرياً لمستقبل «إسرائيل»، وتكرهان بعضهما البعض بشدة. تأمل «دولة يهودا» في خلق مجتمع ثيوقراطي صارم في جميع أنحاء فلسطين التاريخية، وطرد (أو قتل) جميع غير اليهود، وتحويل جميع اليهود العلمانيين إلى اليهودية الأرثوذكسية. «دولة إسرائيل» العلمانية ليست أقل عنصرية من خصمها. فهي تفضل إثنوقراطية صارمة يعيش فيها يهود «إسرائيل» وفقاً للمعايير الديمقراطية الليبرالية بينما يتم استبعاد الفلسطينيين بشكل منهجي – بالوسائل العنيفة إذا لزم الأمر. لا يمكن للجماعتين أن تتسامحا مع بعضهما. إنهما متصالحتان مؤقتاً فقط، من خلال الاعتقاد بأن استمرار وجود «إسرائيل» مهدد بشكل دائم. إذا تلاشى هذا الشعور بالخطر الوجودي يوماً ما، فإن الوحدة الداخلية «لإسرائيل» ستتحول بسرعة إلى أنقاض ثقافية وسياسية.

التصدع الرئيسي الثاني هو الدعم الدولي المتزايد بسرعة للقضية الفلسطينية، وما يرافقه من فهم «إسرائيل» كدولة منبوذة غير شرعية. قد يؤدي هذا التحول المعرفي إلى تقييد وصول «إسرائيل» إلى الأسواق العالمية، مما يعيق بشكل خاص صناعتها الدفاعية الحيوية اقتصادياً. تصاعد اللامبالاة اليهودية العالمية تجاه الصهيونية هو العيب الكبير الثالث الذي يحدده بابيه في الأساس السياسي «لإسرائيل». العيب الرابع هو اقتصادي: «إسرائيل» مهددة «بركود» اقتصادي «لا مفر منه» ناتج عن تفاوت هائل في الثروة، والاعتماد على استثمارات الشركات متعددة الجنسيات، وعبء النفقات العسكرية الموهن. التصدع الخامس في المسعى الصهيوني هو عسكري. الجيش «الإسرائيلي»، على الرغم من سمعته الهائلة، ليس منيعاً. إن سلاح الجو هو السلاح الهجومي الرئيسي «لإسرائيل». على النقيض من ذلك، فإن مشاة الجيش «الإسرائيلي» لم يعتادوا على محاربة عدو يقاتل بالفعل. إنه مدرب أساساً للشرطة، وليس للعمل الجريء والعدواني. العيب السادس يتعلق بأداء الدولة «الإسرائيلية». نادراً ما تُمنح التعيينات في الخدمة المدنية للكفاءة الإدارية. إنها عادةً مكافآت على الولاء السياسي. والنتيجة هي دولة غير مستعدة للتحديات اللوجستية التي تصاحب الحرب الدائمة. يرى بابيه أن المواطنين «الإسرائيليين» لن يتحملوا لفترة طويلة دولة لا تستطيع الفوز بحرب مرهقة ولا إنهائها. العيب السابع والأخير هو القوة المتزايدة لحركة التحرير الفلسطينية. هذه الحركة المزدهرة شابة (71٪ من الفلسطينيين تبلغ أعمارهم 29 عاماً أو أقل)، وأكثر توحداً من أي وقت مضى، وواضحة بشأن رؤيتها لمستقبل فلسطين التاريخية: دولة واحدة موحدة وديمقراطية ذات حقوق متساوية للفلسطينيين واليهود.

 

سبع تحولات

يرى بابيه أن هذه التصدعات السبعة في دعائم الصهيونية ستدفع «إسرائيل» مجتمعة إلى حافة الانهيار، ويمكن أن تؤدي لاحقاً إلى إنهاء الاستعمار والتعايش. يناقش الجزء الثاني من الكتاب سبع تحولات (ثورات صغيرة) يجب أن تحدث إذا كان لانهيار «إسرائيل» نتيجة بناءة.

التحول الأول هو استراتيجية جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية، التي هي في حالة من الفوضى حالياً. يجب على حركة وطنية ناجحة أن تتغلب على الانقسام المشل بين حماس وفتح، وكذلك الانقسام الاستراتيجي حول فعالية الكفاح المسلح. المجتمع الفلسطيني هو أحد أصغر المجتمعات على وجه الأرض، ويجب أن يكون الشباب الفلسطيني هم القوة الدافعة والقيادة لحركة وطنية منتعشة. المقاومة الفلسطينية هي شكل من أشكال النضال المناهض للاستعمار، ولكن يجب أن تستوعب تنوعاً في المنظورات السياسية. مع ذلك، يجب أن تهدف الحركة إلى إقامة دولة موحدة ومتساوية وديمقراطية في جميع أنحاء فلسطين التاريخية (الأرض «من النهر إلى البحر»). يرى بابيه أن هذه الاستراتيجية من المرجح أن تصبح اشتراكية بشكل واضح.

التحول الثاني هو تطبيق شكلين من العدالة: العدالة الانتقالية والعدالة التصالحية. تتضمن العدالة الانتقالية «استخدام العمليات القضائية للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان المنهجية كجزء من عملية تغيير النظام». تستلزم العدالة التصالحية اعتراف الجناة بجرائمهم، والاستماع إلى كيفية تأثير هذه الجرائم على الضحايا، ثم وضع طرق عملية للتخفيف من الضرر الفادح. يرى بابيه أن للعدالة ثلاثة مكونات رئيسة: الاعتراف، والمساءلة، والقبول. لبناء مستقبل أفضل، يجب على «إسرائيل» أن تعترف بالجرائم الكبرى التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين. يجب على «إسرائيل» إنكار النكبة والاعتراف بعملية النكبة المستمرة منذ عام 1948، وكذلك بالإبادة الجماعية الحالية في غزة. يجب محاكمة المهندسين الرئيسيين لهذه الجرائم ومعاقبتهم. المساءلة تعني تحمل المسؤولية بأشكال مختلفة، بما في ذلك التعويض المالي، وإعادة توزيع الأراضي، وإعادة تخصيص المياه. «إسرائيل» ليست الوحيدة المذنبة؛ المملكة المتحدة والولايات المتحدة يجب أن تكونا مشاركتين رئيستين في عملية المساءلة. أما القبول، فيعني للفلسطينيين قبول وجود عدد كبير من السكان اليهود، و«الإسرائيليين» الاستعداد للعيش كأقلية. الغرض هو «الشفاء، وليس الانتقام».

التحول الثالث هو تنفيذ حق العودة لنحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني، وهي المشكلة الأساسية والأكثر صعوبة. أولاً، سيعني ذلك أن اليهود لن يعودوا الأغلبية السكانية، وهو الهدف الأسمى للصهيونية. ثانياً، سيشكل عبئاً اقتصادياً هائلاً. ينظر بابيه في نهجين: الأول؛ يدعي أن الكثير من الأراضي لا تزال غير محتلة، لكنه يشكك في صحة هذه الفرضية. النهج الثاني يقوم على تعويضات واسعة النطاق. بابيه يثبت عدالة هذا النهج وضرورته، لكنه لا يوضح كيف يمكن تحفيز «الإسرائيليين» لقبوله. بدلاً من ذلك، يلخص أمثلة من رواندا وقبرص والبوسنة وكوسوفو.

التحول الرابع هو إنهاء الاستعمار في الضفة الغربية. يؤيد بابيه مزيجاً من «إعادة التوطين، وإعادة التسمية، والتعويض» لإعادة تعريب الضفة الغربية. سيتم تفكيك البؤر الاستيطانية المتطرفة التي انخرطت في أنشطة إجرامية ومقاضاة قاطنيها. يتطلب إنهاء الاستعمار تغييرات معمارية كبيرة؛ فهدم بعض المباني الصهيونية ضروري، على أن تتخذ الحركة الوطنية الفلسطينية هذه القرارات. يهتم بابيه أيضاً بإصلاح الجرائم البيئية، وخاصة القضاء على أشجار الصنوبر الأجنبية المزروعة على أنقاض القرى الفلسطينية، لأن هذه الفُرض الأجنبية تموت ويتم استبدالها بالنباتات المحلية.

التحول الخامس هو إعادة دمج منطقة المشرق (شرق البحر الأبيض المتوسط) بأكملها، متجاوزاً إطار الدولة القومية الذي فرضته بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. في ظل الإمبراطورية العثمانية، كانت مناطق المشرق مرتبطة بروابط ثقافية واجتماعية واقتصادية، وتعايشت المجتمعات بأقل صراع. إطار الدولة القومية، القائم على التجربة الغربية، جعل الاختلافات العرقية والدينية أكثر صراعاً، وأدت الصهيونية إلى تفاقمها. بعد انهيار سورية وعدم استقرار لبنان والعراق، يقترح بابيه النظر في النموذج المسكوني لأسامة مقدسي، الذي يجمع بين هويات جماعية متنوعة وكيان سياسي فوق وطني، حيث يكون الفرد مواطناً في كليهما. لكنه لا يؤيد النموذج بالكامل، ويشك في ضرورته لإنهاء استعمار فلسطين.

التحول السادس هو إعادة تعريف الجماعة اليهودية بعد انهيار «إسرائيل» الصهيونية. يتضمن ذلك إزالة الصهيونية من اليهودية العالمية، وفهم اليهودية كدين أو ثقافة وليس كأمة (لأن الادعاء بأن اليهود أمة كان عنصراً في معاداة السامية). يستخدم بابيه منظمة «صوت اليهود من أجل السلام» كنموذج للوعي المطلوب. كما يجب على اليهود في فلسطين الجديدة التعود على كونهم أقلية سياسية وثقافية، وعلى الفلسطينيين قبولهم كمواطنين أحرار ومتساوين. كما يأمل في إعادة تعريب «اليهود العرب» الذين فقدوا هويتهم العربية في «إسرائيل»، للتخفيف من التوترات.

التحول السابع هو ظهور يسار حقيقي في الولايات المتحدة وخارجها يتمتع بنفوذ سياسي فعلي، يكون اشتراكياً، مناهضاً للإمبريالية، متعدد الأعراق، وناقداً للاستعمار الاستيطاني والصهيونية. يرى بابيه أن القضية الفلسطينية يمكن أن تساعد في خلق هذا اليسار، وأن وجوده سيجعل نتيجة انهيار «إسرائيل» أكثر ملاءمة، رغم أن الانهيار قد يحدث حتى من دونه.

الجزء الأخير من الكتاب هو مذكرات خيالية بين عامي 2027 و2048، تدور أحداثها في حيفا. تنتهي بعد قرن من تأسيس «إسرائيل» بدولة ديمقراطية موحدة في كل فلسطين، وإن كانت على أسس مهتزة. القوى المولدة لهذا التحول هي: يأس «الإسرائيليين» من احتمال استمرار الحرب؛ الرفض الفلسطيني لفساد السلطة وانقسام فتح وحماس؛ انتخاب رئيسة أمريكية متعاطفة؛ مغادرة العديد من اليهود العلمانيين «لإسرائيل»؛ وفرض عقوبات على نظام الفصل العنصري. تؤدي هذه القوى إلى إنشاء منظمة تحرير فلسطينية جديدة تقبل وجود أقلية يهودية، ويوافق البرلمان «الإسرائيلي» على تفكيك الدولة الصهيونية مقابل وجود آمن. يتم تنفيذ حق العودة، وتُهدم العمارة القمعية، وتعاود النباتات المحلية الظهور. لكن ما إذا كان هذا النظام سينتصر، يبقى سؤالاً مفتوحاً.

الكتاب متفائل بطبيعته، ويهدف إلى مقاومة التشاؤم السائد. لكن التاريخ مليء بالمفاجآت، ولهذا ليس سرداً لا هوادة فيه من الكوارث. كما يقول غرامشي: تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة. يجب أن نبارك بابيه لتوفيره ما يشكل أساساً عقلانياً لتفاؤل الإرادة بشأن فلسطين-«إسرائيل».

إيلان بابيه: مؤرخ "إسرائيلي" مناهض للصهيونية، يُعرّف نفسه كاشتراكي وناقد جذري للمشروع الصهيوني. يرى أن "إسرائيل" دولة استعمارية استيطانية مارست التطهير العرقي ضد الفلسطينيين منذ 1948، ويدعو علناً إلى حل الدولة الواحدة الديمقراطية كبديل أخلاقي وسياسي للنموذج الإثنوقراطي الحالي. يعتبر من أبرز الأصوات الأكاديمية التي تدعم حركة المقاطعة (BDS) وتُعرّي الرواية الصهيونية التقليدية، مما جعله شخصية مثيرة للجدل: مُبجَّل من قبل حركات التحرر واليسار العالمي، ومُستَهدف من قبل المؤسسة "الإسرائيلية" والجماعات المؤيدة "لإسرائيل".