افتتاحية قاسيون 1274: نجاح اعتصام 17 نيسان علامة فارقة!

افتتاحية قاسيون 1274: نجاح اعتصام 17 نيسان علامة فارقة!

الاعتصام الذي حاولت كل قوى الماضي العجوز وأشباحه، في الخارج والداخل، التسلق عليه وحرفه عن مطالبه من جهة، أو ترهيبه وتخويفه من الجهة المقابلة، نجح بتجاوز كل هذه العقبات، مسجلاً علامة فارقة في التاريخ السوري الحديث.

 

وهي علامة سيكون لها ما يُبنى عليها، وستشكل دفعة إيجابية لنضالات السوريين التي تعبر عن نفسها بشكل متصاعد، وبالدرجة الأولى بجانبها المطلبي-المعيشي الذي يمس حياة 95% من السوريين، المفقرين المنهوبين الذين يعيشون تحت خط الفقر، ويشكلون الأكثرية الحقيقية الوحيدة في سورية، وينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف والاتجاهات الفكرية والسياسية.

الميزة الأكثر وضوحاً لهذا الاعتصام، أنه استطاع– رغم كل محاولات التشويش والتخويف- التمركز على اتجاهين أساسيين في المطالب المكتوبة والهتافات والسلوك.

الاتجاه الأول: مطلبي واقتصادي- اجتماعي، يقف في وجه إجراءات اللبرلة الاقتصادية، من رفعٍ للدعم وللأسعار، وانحيازٍ لمصالح المستثمرين ضد مصالح عموم الناس، ومن اتجاهٍ نحو خصخصة القطاعات السيادية في الدولة، إضافة إلى الوقوف في وجه مظاهر الفساد والمحسوبية والتجاوز على حقوق الناس وملكياتها وأرزاقها.

الاتجاه الثاني: هو إبراز الوجه الوطني الواضح للمحتجين، والذي ظهر في لافتات عديدة ضد التدخل الخارجي، وضد الأدوار «الإسرائيلية» خاصة، والهتاف الذي صدحت به الحناجر بشكل متكرر: «سورية حرة حرة، إسرائيل تطلع برا» ...

إنّ الجمع بين هذين الاتجاهين، أي الجانب المطلبي المعيشي الاقتصادي الذي يمس 95% من السوريين بشكل مباشر، والجانب الوطني الرافض للتدخل الخارجي صراحة، هو جمعٌ من شأنه توحيد الشعب السوري حقاً وفعلاً، ومنع قسمه إلى شوارع متقاتلة على أسس سياسية مشوهة، أو على أسس طائفية أو دينية أو قومية... هذا الجمع هو الترياق الشافي ضد راكبي الأمواج في الخارج والداخل.

بين الاستنتاجات الواضحة التي لمسها المشاركون في الاعتصام على الأرض، أن هناك بوناً شاسعاً بين «جنرالات» ما وراء البحار، وما وراء الشاشات، وبين الواقع؛ فالشخصيات والقوى ذات الصوت الأعلى ما وراء الشاشات، والتي دفعت بأشكال مباشرة أو غير مباشرة نحو التصعيد ونحو شعارات قصوى، لم يظهر لها أي وجود تقريباً على أرض الواقع، ولم تستطع دفع الناس بالاتجاهات التي تتمناها؛ وبالمقابل فقد نجح المشتركون الحقيقيون، في فرض سلوك عقلاني ومنضبط... وهذه خطوة أولى شديدة الأهمية في طريق الحركة الشعبية- التي تبدأ الآن طوراً جديداً- نحو صناعة قياداتها بنفسها، ومن رحمها، ونحو منع التسلق عليها بأي شكل من الأشكال. وهي خطوة أولى أيضاً بالنسبة للقوى الحقيقية التي شاركت باللحم الحي، في تقديم نفسها للناس على قدم المساواة معهم، وليس بوصفها قيادة لهم، وفي تقديم برامجها وسلوكها الملموس لتطلب اعتراف الناس بها، وحينها فقط يمكن أن تلعب دورها الحقيقي في تمثيلهم.

ما ينبغي تسجيله أيضاً، هو أن عناصر الأمن العام قد لعبوا دوراً إيجابياً على الأرض في حماية المعتصمين، ومنع التعدي عليهم، وهو دور جديد في التاريخ السوري الحديث، ينبغي تثبيته وتعزيزه وتلافي نواقصه، بما في ذلك المحاسبة الفورية والصارمة لدعاة الفتنة ودعاة التحريض والتخوين.

ما ينبغي أن يقال ختاماً، هو: إن نجاح اعتصام 17 نيسان، هو تعبير عن درجة الغليان الموجودة في الشارع السوري عموماً، والتي ظهرت عبر جملة من الاحتجاجات المطلبية خلال الأسابيع الماضية، وهو تعبير أيضاً عن أن الناس تعلمت من التجربة السابقة، وبدأت بتنظيم صفوفها بشكل أفضل وأكثر عقلانية ومسؤولية تجاه البلاد وأهلها، وأن عملية التنظيم هذه سوف تتطور وتتقدم يوماً وراء يوم، وصولاً إلى تحقيق الغايات الأساسية للسوريين، في بناء وطن حر وموحد وكريم، لكل أبنائه، ويكون نظامه السياسي معبراً حقيقياً عن مصالح الناس، ومدافعاً صلباً عنها...

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274