افتتاحية قاسيون 1276: الشعب السوري واحد «فأما الزبد فيذهب جفاءً»!
تدل شواهدُ كثيرة على أن هنالك تصعيداً مقصوداً ومنظماً لخطابات الفتنة والتحريض الطائفي والديني والقومي في سورية. القسم الأكبر من عمليات التحريض هذه، يجري على صفحات فيسبوك، ويجري تضخيمه عبر الخوارزميات والجيوش الإلكترونية الخارجية والداخلية، وقسم أصغر بكثير يجري على أرض الواقع، ويرادُ منه أن تتحول حروب داحس والغبراء الفيسبوكية إلى مقتلة سورية جديدة على الأرض.
وقد وصلت دعوات الفتنة والتحريض حدّ الطعن بالشعار الذي دفع السوريون دماءً غزيرة عزيزةً وهم يحملونه، شعار «الشعب السوري واحد»، بل واعتباره «أقبح شعار»، من قبل أشخاص لم يغادروا منابرهم نفسها طوال سنوات متتالية، معززين مكرمين لم يمسسهم سوء في عهد السلطة الساقطة، ويعملون اليوم على تفجير البلاد مجدداً، دون خوف من رقيب أو حسيب، ودون خشية على دماء الناس وأرواحها، ودون أي رد فعل من السلطات القائمة التي تتحمل مسؤولية إطفاء الفتنة بشكل صارم وفوري، لا إذكاء نيرانها!
بعيداً عن سجالات الكراهية التي تملأ الفضاء الإلكتروني والإعلامي، ينبغي فهم الغرض الحقيقي وراء التصعيد المنظم لخطابات التحريض والفتنة والكراهية. ولفهم هذا الغرض، نحتاج إلى إجابة واضحة على سؤال: «لمصلحة من؟» داخلياً وخارجياً...
أولاً: داخلياً
وحدة الشعب السوري تعني وحدة 95% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف. هؤلاء الـ«95%» هم الشعب السوري، هم ملح الأرض وثروتها، وهم حصن البلاد وجوهرها، وهم البلاد... هؤلاء قد بدأوا بتنظيم صفوفهم - كما جرى في اعتصام 17 نيسان وقبله وبعده في عدد من التحركات المطلبية - للتحرك والدفاع عن مصالحهم في وجه سياسات اقتصادية هي تكرار واستكمال للسياسات السابقة، وتحت مسميات مطابقة أيضاً، من طراز «اقتصاد السوق» والخصخصة ورفع الدعم، بل وحتى باستخدام بعض الشخوص المكررة نفسها، بعد «تسوية أوضاعها» وغسلها من جرائمها.
من يخاف وحدة الشعب السوري، إنما يخدم مصالح الفاسدين الكبار، سواء منهم الجديد أو القديم الذي جرى «غسله»، وإنما يخدم مصالح أمراء الحرب الذين يريدون الحفاظ على «رعية» ينهبونها ويحاربون بها «رعايا» الأمراء الآخرين. وبكلمة، فإن من يقف ضد وحدة الشعب السوري في الداخل، هو فاسد أو أمير حرب أو بطانة لفاسد أو أمير حرب، أو عميل للخارج، وينبغي أن تتم محاسبته على هذه الأسس.
ثانياً: خارجياً
ليس خافياً عن كل ذي عقل أن «إسرائيل»، ومعها التيار الصهيوني في واشنطن، تسعى جهدها سراً وعلناً، لضرب السوريين ببعضهم بعضاً على أسس قومية ودينية وطائفية، وتسعى لإغراق سورية بالدماء والخراب مجدداً، كجزء من مشروعها الإجرامي المسمى «إسرائيل العظمى». وهي تحث الخطى بشكل مضاعف في محاولة للتعويض عن الخسارة التي باتت محققة وواضحة في حرب إيران.
ليس خافياً أيضاً أن الدول الإقليمية المختلفة، وعلى رأسها السعودية وتركيا ومصر وباكستان وإيران، تسير باتجاه معاكس للاتجاه الصهيوني، وتسعى للتقارب فيما بينها، وتسعى لتحييد التناقضات القومية والدينية والطائفية، لتوحد جهودها في التصدي للخطر الصهيوني الداهم.
بهذا المعنى، فإن دعاة الفتنة في الداخل السوري، سواء وعوا ذلك أم لم يعوه، فهم إنما يخدمون «الإسرائيلي»، ويعملون بالضد من الاتجاه التاريخي السائد، وبالضد من كل الدول الإقليمية التي لا مستقبل لسورية دون التعاون والتفاهم معها.
إن الوقوف في وجه الفتنة ودعاتها، يتطلب محاسبة قانونية صارمة وسريعة، تتحمل مسؤوليتها الأولى السلطات القائمة، ويتطلب أيضاً الإسراع في تحضير الترياق الوحيد الشافي لسورية: توحيد الشعب السوري حقاً وفعلاً، ابتداءً بحكومة وحدة وطنية حقيقية، وبمؤتمر وطني عام، علني وشامل للقوى السياسية والاجتماعية، يقرر الشعب السوري من خلاله مصيره بنفسه، ولمصلحته، أي لمصلحة 95% من السوريين المفقرين والمنهوبين.
الشعب السوري واحد رغماً عن الفتنة ودعاتها، الداخليين والخارجيين، وزبد هؤلاء سيذهب جُفاء، وما ينفع الناس سيمكث في الأرض!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1276