افتتاحية قاسيون 1278: أولوية الاقتصاد: الأبهة السياحية أم محاربة الفقر؟
«حقائق الحياة أشياء عنيدة»، كما قال الكاتب الإنكليزي الشهير صموئيل جونسون في القرن 18. وفي الواقع السوري، فإن حقائق الحياة أشياء عنيدة وأليمة؛ حقائق الفقر المستشري والبطالة والمخيمات والاقتصاد المشلول، والتعليم والصحة المتهالكان. وهذه الحقائق لا يمكن القفز فوقها ولا الالتفاف عليها؛ لا عبر حرف الأنظار نحو صراعات وتناقضات ثانوية ذات طابع طائفي وقومي وديني، ولا عبر محاولات تخدير الوعي الاجتماعي بمشاريع كبرى افتراضية تحمل بمجملها طابعاً سياحياً استعراضياً، يشبه سوليدير بيروت وإلى جانبه بلد كامل من الفقر والعشوائيات.
الاقتصاد الذي لا يخدم الناس، عامة الناس لا خاصتهم، ليس اقتصاداً وطنياً؛ بل وهو تهديد للأمن الوطني للبلاد ولوحدتها ولسلمها الأهلي. ولذا، فإن أي حديث عن الاقتصاد والاستثمار والمشاريع، ينبغي أن ينطلق من إجابة واضحة على سؤال واضح:
ما هي الأولويات الاقتصادية الاجتماعية للشعب السوري؟
أولاً: معالجة آفة الفقر التي يعاني منها أكثر من 90% من السوريين، وضمناً تثبيت وتحقيق حد أدنى من الأجور، في كل القطاعات، يؤمن الحد الأدنى من مستوى المعيشة.
ثانياً: معالجة آفة البطالة التي تتجاوز 25% من السكان القادرين على العمل وفق تقديرات متواضعة لمراكز أبحاث متعددة.
ثالثاً: تأمين السكن الكريم لمئات الألوف من السوريين (وفق تقديرات مخفضة) الذين ما يزالون في المخيمات، وتأمين السكن لملايين السوريين الذين يعيشون بالإيجار وباتوا عاجزين عن الدفع.
رابعاً: تأمين صحة وتعليم شاملين ومجانيين بالكامل. وهذا الأمر ليس ترفاً وليس اختراعاً لنموذج اقتصادي غير موجود عالمياً؛ فسواء كان الحديث هو عن بلدان اشتراكية، أو عن بلدان رأسمالية بما فيها دول أوروبا الغربية، فإن التعليم والصحة إما مجانيّان أو شبه مجانيّين. وأكثر من ذلك، فإن تاريخ بلادنا ومنطقتنا وثقافتها السائدة «العربية الإسلامية»، وفقاً لتوصيف المفكر الراحل حسين مروة، يشهد بأن التعليم والصحة كانا دائماً مجانيين وشاملين ومرعيين من السلطة السائدة، من المدرسة الظاهرية وأوقاف العلم والبيمارستان النوري بدمشق، وحتى أقصى نقطة استشفاء وتعليم في أقاصي البلاد.
السياسات المطبقة حالياً، عاجزة عن تحقيق أي من هذه الأولويات، حتى جزئياً، بل ولا توجد أيّ جهود، لا تفكيراً، ولا تخطيطاً، ولا تنفيذاً لمعالجة الأولويات الحقيقية للاقتصاد السوري. وأكثر من ذلك، فإن السياسات القائمة باتت توضح بشكل علني أكثر فأكثر، أنها غير معنية أصلاً بالتصدي لهذه الأولويات؛ فجهاز الدولة وفقاً لتعبير أحد المسؤولين، هو مجرد «شرطي سير» بما يتعلق بالاقتصاد؛ أي لا يحمل أي مسؤولية تجاه المجتمع!
نحتاج نموذجاً بديلاً!
أولاً: الموارد الداخلية موجودة وكثيرة، وكلمة السر في استثمارها هي رفع العائدية عبر الميزات المطلقة من جهة، وعبر المجمعات الصناعية الزراعية الكبرى... وبكلمة، عبر التوجه نحو الإنتاج الحقيقي، الصناعي والزراعي، بعيداً عن تكرار الأوهام السابقة لمرحلة الأسد-الدردري حيث «التجارة قاطرة النمو» تارة و«السياحة» تارة أخرى.
ثانياً: إعادة توزيع الثروة بشكل حقيقي لمصلحة من هم تحت، أي استعادة الدعم سواء بأشكاله المباشرة أو غير المباشرة، وتحديداً دعم الزراعة والصناعة، وخاصة عبر إنهاء الإجراءات المدمرة لكليهما في تسعير الكهرباء والمحروقات، والتوجه نحو خصخصتهما. والاستفادة من أموال الفاسدين الكبار التي ينبغي ألا تخضع للمساومات والصفقات، بل لشفافية وعلنية ووضوح، فهي في نهاية المطاف تعب الشعب السوري المسروق عبر عشرات السنين، وليس إرثاً ينتقل من مالك إلى مالك!
ثالثاً: تأمين السكن البديل لعموم السوريين، وضمن آجال قصيرة إلى متوسطة، أي بما لا يتجاوز 5-7 سنوات، هو أمر ممكن، ابتداء بتصفير سعر الأرض، وبدخول جهاز الدولة بوصفه المستثمر الأول.
رابعاً: بناء علاقاتنا الدولية انطلاقاً من فهم واقعي لموازين القوى الدولية، أي عبر التوقف عن تطبيق وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين الليبرالية المتوحشة، التي تغتال البلاد وأهلها اقتصادياً، وتهدد أمنها ووحدتها...
هذه الأمور كلها، تحتاج إلى إرادة سياسية تنطلق من مصالح عموم السوريين، وعلى الخصوص من مصالح أكثر من 90% منهم الذين يعيشون تحت خط الفقر... والباب نحو تأمين هذه الإرادة، هي أن يكون هؤلاء جزءاً فاعلاً من القرار، والمدخل لذلك هو المؤتمر الوطني العام الشامل وكامل الصلاحيات
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278