يدعو لأندلس إن حوصرت حلب؟!

تظهر تناقضات العديد من القوى والجهات أكثر فأكثر في تعاطيها مع كل من الحدثين السوري والبحريني، فمع غياب القراءات الموضوعية للواقع السياسي المعقد الذي يلف كل من البلدين، تظهر الشبهات في مواقف عدة قوى بشكل فاقع. جسد الشيخ يوسف القرضاوي الزعيم الروحي للإخوان المسلمين أحد أهم أقطاب المواقف المشبوهة، فالرجل الذي تحدث مطولاً بعد غزو العراق عن احتمالات المؤامرة على سورية عاد لينكر أي دور للخارج في الأحداث على الأرض، ثم تحول لاحقاً لأحد أهم دعاة التدخل الخارجي في الحدث السوري مكرراً الأسلوب نفسه الذي اتبعه  بالحدث الليبي الذي ساهم فيه من خلال العمل على تعبئة الرأي العام والتلاعب بالمشاعر الدينية الملتهبة لدى البسطاء.

في تدقيق المفاهيم... هل ما يجري ثورة؟

يمكن لأي متابع للوضع السوري أن  يلاحظ مدى تعقد الأزمة في هذا البلد. إلا أن ما يدعو للاستغراب هو «نظريات» بعض المثقفين اليساريين من هذه الأزمة، فتراهم يتماهون مع ما هو سائد من أفكار يعيدون صياغتها إنشائياً (في وهمهم ماركسياً) لتبقى عاجزة أمام الواقع. تتحكم العواطف وردات الفعل بهم، فيخرجون «بنظريات» هي نقيض للمعرفة العلمية، مما يفقد ممارستهم السياسية طابعها الثوري وبالتالي تتخبط هذه الممارسة بين المغامرة والانتهازية.

براءة الإسلام.. أم براءة الظّلام والحكام..؟

المتابع للتطورات العالمية والإقليمية والأزمة العالمية للرأسمالية وليبراليتها الجديدة في العقدين الماضيين يتبين له من خلال التنظير لها فكرياً وأيديولوجياً أنها تبنت إثارة المشاعر الدينية في مواقفها في منطقة الشرق ككل.. كما فعل بوش الابن الذي اعتبر أن الوحي قد جاءهوأصبح كالمسيح المخلص.. كذلك تحاول الدولة الصهيونية عبر تكريس يهوديتها.. 

الضغط يولد التطرف!!

لا شك أن للعامل الاقتصادي الاجتماعي الدور الفعال في خلق حالة الغليان الشعبي التي تشكل بالضرورة المحرك الأساسي للوصول إلى التجربة الثورية الحقيقية، وهي في نهاية المطاف ستضمن عودة ما تم سلبه عن طريق السياسات الاقتصادية الليبرالية، وما جرّته «اللبرلة» من ويلات على الشعب السوري، لكن المثير للاهتمام في تلك القضية هو قدرة هذا العامل على التحول، في فترة زمنية قياسية، إلى معيق جديد يقف حائلاً وراء تجاوز الحركة الشعبية في سورية عنق الزجاجة، وتحولها إلى ثورة بالمعنى الشامل للكلمة.

أمراض سورية..

مع دخول الأزمة السورية دوامة العنف والعنف المضاد، ومع وصول أوهام «الحسم العسكري»، أو «إسقاط النظام» إلى طرق مسدودة، تشكلت رغبة محقة وقناعة عند قطاعات واسعة من الشعب السوري والقوى السياسية والاجتماعية، أن الحوار والحل السياسي هو ضرورة وطنية مستعجلة لوقف نزيف الدماء. إلا أن مكابرة بعض الأطراف، من النظام أو المعارضة، وسعيهم إلى قطع الطريق على الحلول العقلانية والسلمية، ما الهدف منه إلا إدامة الاستعصاء، وعرقلة إمكانية التغيير.

مغزى الهجوم على سياسة «الإرادة الشعبية»

تعرض حزب الإرادة الشعبية منذ تشكيل اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، لهجوم من جانب قوى سياسية مختلفة، منها في «النظام» ومنها في «المعارضة»، وتصاعد هذا الهجوم بعد اندلاع الأزمة السورية، والذي دار موضوع الصراع الأساسي بعدها حول رؤية حل الأزمة السورية.. وإذا بحثنا عن مغزى هذا الهجوم وجوهره، نجد أنه شكل سياسي من الصراع الطبقي، لأن نظرة ماسحة لطبيعة القوى المهاجمة، ليس بمسمياتها الشكلية وبناها، بل بوظائفها الفعلية، تبين أنّ معظمها موجود في موقع العدو الطبقي أي المدافعين عن موقع البرجوازية ولا سيما الكبرى ومصالحها التي باتت في هذه المرحلة التاريخية لا تنفصم عن الفساد الكبير الداخلي وارتباطاته الخارجية بالغرب الإمبريالي بجناحيه الأمريكي والأوروبي، وأدواتها الإقليمية والعربية. ولكن يفسر ذلك أيضاً في حالات أخرى بغياب أو تدني الوعي السياسي لدى المهاجمين، كما هي الحال مع بعض البنى السياسية البعيدة عن التواصل مع الشارع، أو بعض شرائح الحركة الشعبية الجديدة نفسها بحكم تجربتها السياسية القصيرة زمنياً...

القدرات العسكرية والعلاقات الاجتماعية

لعل الكثيرين عندما يتناولون الأزمة السورية الراهنة يحصرون الفكر في مراهنة لا تتعدى الأرقام المتعلقة بالقدرات العسكرية، ويطيب لهم صياغة الاستنتاجات والمراهنات على منتصر بحكم القدرات العسكرية بصورة مباشرة في المعارك الدائرة والتي تتصاعد نيرانها في حلب وبدأ لظاها يأخذ دروبه إلى دمشق.

التجمعات وأزمة التمثيل السياسي

لم تقتصر النتائج السلبية التي خلفتها الأزمة السورية حتى تاريخ اليوم على الأضرار المادية والبشرية، بل نالت فوق ذلك من منظومة كاملة من العلاقات السياسية السورية بكل ما تحتويه هذه المنظومة من أسس دراسة وتقييم أداء الأحزاب والتكتلات والمجموعات الضاغطة في المجتمع، وكذلك أسس التمثيل السياسي السليم للفرد والجماعة، وتكاد تكون الطامة الكبرى هي تفشي ظاهرة التقييم السياسي لبعض التكتلات بالنظر إلى مدى توافق تصريحاتها (المتقلبة في كثير من الأحيان) مع الثوابت الوطنية للشعب السوري.

الموقف الوطني السوري..لمن؟؟

تتسم سورية بالعديد من الميزات المطلقة في تاريخها السياسي والوطني، من قبيل أول بلد تشكلت فيه حركة منوّرين ونهضويين عرب مناهضة للاستعمار العثماني، هم شهداء السادس من أيار لاحقاً، والبلد الذي تصدًى قائد جيشه يوسف العظمة على رأس مئات المقاومين الوطنيين للجيش الفرنسي الغازي، محققاً عبر تلك الهزيمة العسكرية انتصاراً سياسياً هاماً أسس لثورة الخامس والعشرين، وأول بلد عربي ينال استقلاله من الاحتلال الأجنبي. أما الميزة المطلقة التي لا تزال معاصرة، والتي تستند إلى كل ما سبقها، تتمثّل في فشل أي نظام غير وطني بالإمساك بزمام البلاد، وارتهان أية قوة سياسية، تطمح للوصول إلى الحكم، بشرط الالتزام بالموقف الوطني، الذي يعني بالعام العداء للسياسات الاستعمارية في المنطقة والعالم، ويعني في الظرف المعاصر معاداة السياسات الأمريكية والاسرئيلية.