الموقف الوطني السوري..لمن؟؟

الموقف الوطني السوري..لمن؟؟

تتسم سورية بالعديد من الميزات المطلقة في تاريخها السياسي والوطني، من قبيل أول بلد تشكلت فيه حركة منوّرين ونهضويين عرب مناهضة للاستعمار العثماني، هم شهداء السادس من أيار لاحقاً، والبلد الذي تصدًى قائد جيشه يوسف العظمة على رأس مئات المقاومين الوطنيين للجيش الفرنسي الغازي، محققاً عبر تلك الهزيمة العسكرية انتصاراً سياسياً هاماً أسس لثورة الخامس والعشرين، وأول بلد عربي ينال استقلاله من الاحتلال الأجنبي. أما الميزة المطلقة التي لا تزال معاصرة، والتي تستند إلى كل ما سبقها، تتمثّل في فشل أي نظام غير وطني بالإمساك بزمام البلاد، وارتهان أية قوة سياسية، تطمح للوصول إلى الحكم، بشرط الالتزام بالموقف الوطني، الذي يعني بالعام العداء للسياسات الاستعمارية في المنطقة والعالم، ويعني في الظرف المعاصر معاداة السياسات الأمريكية والاسرئيلية.

تحليل مجتزأ:

يلجأ المنطق القومي غير العلمي، في تفسيره للموقف الوطني، إلى نسبه لخيارات قادة وأحزاب النظام الحاكم، واضعاً بذلك النتيجة قبل السبب، إذ أدركت غالبية القوى السياسية السورية، من خلال تجربتها التاريخية، ضرورة اعتناق الموقف الوطني، كحد أدنى للعمل السياسي بين الجماهير. أما القوى التي تخلفت عن هذا الموقف فقد تراجعت مواقعها وقوبلت بالنبذ من جانب المجتمع. والموقف الوطني السوري يعود إلى جملة من العوامل التاريخية والموضوعية، أولها طبيعة المعركة الأولى للجيش السوري التي خيضت في ميسلون، التي كان جوهرها سياسياً أكثر منه عسكرياً، والتي أعطت السمت العام للحركة السياسية والاجتماعية في أيامها الأولى بعد الاحتلال العثماني.العامل الثاني يتلخص بطبيعة الصراع مع الاحتلال الفرنسي، والانتصار السياسي لثورة الخامس والعشرين، الذي يتمثل بقدرة الحركة السياسية والاجتماعية على تجاوز الهويات الثانوية، الطائفية والقومية، التي تنتمي إلى مرحلة ما قبل تشكل الدولة الوطنية، والتي ماانفكت تروّج لها سلطات الاحتلال الفرنسي. لاحقاً تشكلّت الحركة السياسية السورية، التي استندت إلى الأسس السابقة وتحالفت مع حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث، ومع القوى الثورية في العالم، وأدركت الترابط بين الموقف الوطني والتقدم الاجتماعي، أي ما بين المهام الوطنية والطبقية، وتصاعد دور الطبقة العاملة والفلاحين، في دعم هذا الموقف وتطويره. لذلك لم يكن بمقدور أي نظام الارتباط بشكل مباشر بركب السياسات الغربية، وخير مثال على ذلك الديكتاتوريات العسكرية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات التي كانت تسقط بمجرد الانزياح عن الموقف الوطني، لذلك كانت الاختراقات والجيوب تحت الطاولة هي الآلية التي اقتصر عليها الغرب.

العنف كآلية لنسف الموقف الوطني:

طالما أن الدور الوطني لسورية جاء نتيجة تركيبة كاملة- دولة وشعب- وكان شكل تجليه في سياسات هذا النظام أو ذاك، لذا فإن تفكيك هذا الدور يتطلب تفكيك التركيبة بأكملها، وهذا هو جوهر السياسات الغربية فيما يتعلق بالأزمة السورية. الغرب لا يريد إسقاط النظام في سورية بقدر ما يريد إنهاء دور الدولة والجيش السوريين، لذا فهو يسعى إلى إدامة العنف وتطويره، لأنه يدرك أن أية سورية موحدة وجديدة لن تكون أقل مجابهة من سابقتها، وهو يوحي للمعارضة اللاوطنية بأنه يسعى لإسقاط النظام، ويفاوض النظام في الوقت نفسه على تخليه عن دوره وتحالفاته في المنطقة..

تتلاقى مصالح الأطراف المتشددة في المعارضة والنظام مع الأجندة الغربية، بشكل مباشر وغير مباشر من خلال الإبقاء على العنف وتطويره، وتهيئة الأرضية لتقطيع أوصال البلاد فعلياً على الأرض، وإنهاء دور الدولة في إدارة وتنظيم الحياة في البلاد، لذا فإن الموقف الوطني لم يعد مجرد يافطة بمقدور الطرفين المتصارعين المتاجرة بها لكسب الجماهير مجاناً، بل ممارسة فعلية على الأرض تتمثل بضرورة الذهاب إلى الحل السياسي، والحوار ونبذ العنف والتدخل الخارجي.

كان الموقف الوطني ملكاً للشعب السوري وخياراً له ونتيجة لتضحياته، لذا فإن تبنيه هو شرط على كل القوى السياسية، بما يمنع استخدامه ورقة لهذا الطرف أو ذاك، وهو اليوم يتجلى بأشكال جديدة في ظل الأزمة، إذ أصبح الحل السياسي، والحوار، وحقن دماء السوريين، جزءاً لا يتجزأ من هذا الموقف، وضرورة لا بد منها لحمايته وتطويره...