جدلية الطبيعة عند إنغلز والإيكولوجيا الماركسية
تشين يي ون أستاذ مشارك في كلية الماركسية بجامعة تسينغهوا في بكين، جمهورية الصين الشعبية، ويتخصص في الإيكولوجيا الماركسية ونظرية الحضارة الإيكولوجية. وقد حظي هذا البحث بدعم من صندوق بكين للعلوم الاجتماعية (رقم المشروع: 25LLMLC043).
مضى قرن على النشر الأول لمخطوطة فريدريك إنغلز غير المكتملة «جدلية الطبيعة» عام 1925. ورغم كونها مسودة غير منجزة، فإنها تكشف عن رؤية إنغلز الطموحة لدمج المنجزات العلمية مع الفكر الجدلي، وهو ما يتجلى أيضاً في مؤلفه «ضد دهرينغ» الصادر عام 1878. وإذا كانت «جدلية الطبيعة» قد ظلت لفترة طويلة موضوعاً للجدل والإشادة على نطاق أكاديمي واسع، فإنها داخل النظرية البيئية لم تواجه طعناً يذكر، بل اعتُبرت تقليدياً تجلياً محورياً لإيكولوجيا إنغلز. غير أن نشر دفاتر ماركس الاقتباسية ضمن الطبعة الكاملة الجديدة لأعمال ماركس وإنغلز (MEGA2) قد أعاد توجيه الاهتمام البحثي، ومع تزايد الاهتمام بإيكولوجيا ماركس، برزت انتقادات غير متوقعة لإنغلز. ويبرز في هذا الصدد العالم الياباني كوهي سايتو، الذي قدم تأويلات معمقة للمنظور الإيكولوجي لدى ماركس، وصولاً إلى تصويره، بشكل مبالغ فيه، كمنظر لسياسات «تقليص النمو» (degrowth). وفي الوقت ذاته، يؤكد سايتو على ما يسميه «الفروق النظرية الدقيقة والحاسمة بين ماركس وإنغلز»، مجادلاً بأن جذر هذا التباعد يكمن في جدلية الطبيعة عند إنغلز.1 فوفقاً لرؤية سايتو، تمثل جدلية الطبيعة عند إنغلز رؤية كونية تتمحور حول الكشف عن القوانين الموضوعية للطبيعة الخارجية، وهو إطار -بحسب زعمه- يحول دون استيعاب إنغلز الكامل لمفهوم ماركس عن «الفتق الاستقلابي» ودلالته النقدية الإيكولوجية، ويقوده بدلاً من ذلك إلى صياغة تصور كارثي عن «انتقام الطبيعة».
تكتسب أطروحة سايتو أهميتها لقدرتها على تعزيز فرضية «الانقسام بين ماركس وإنغلز» المتجذرة في الماركسية الغربية، والتي يُعد رفض جدلية الطبيعة أحد مكوناتها الرئيسة.2 ويؤكد طرحه على ضرورة إعادة فحص راهنية جدلية الطبيعة عند إنغلز في مواجهة الأزمات الإيكولوجية المعاصرة، لا سيما فيما يتصل بالنقد الإيكولوجي الماركسي. ومن خلال تحليل دقيق لـ«جدلية الطبيعة» عند إنغلز والمؤلفات ذات الصلة، يمكن التوصل إلى تصور للإيكولوجيا الماركسية متجذر في الواقع المادي، ويتجنب وضع إيكولوجيا إنغلز في مواجهة إيكولوجيا ماركس. وجوهرياً، تفترض الإيكولوجيا الماركسية ترابطاً عضوياً لا ينفصم بين الرؤية المادية للتاريخ والطبيعة، وجدلية التاريخ والطبيعة على حد سواء.3 ويُبنى النقد الإيكولوجي للاقتصاد السياسي على فهم علمي رصين للقوانين العامة التي تحكم الطبيعة وتطورها التاريخي. ومن خلال اعتماد هذا النهج القائم على الشمولية، يتسنى لنا إدراك القيمة النظرية لجدلية الطبيعة بشكل أعمق، واستيعاب النقد الإيكولوجي الكامن في استعارة إنغلز عن انتقام الطبيعة بشكل أشمل، مما يوفر الأدوات الفكرية اللازمة لتجاوز الأزمات الإيكولوجية والمضي قدماً نحو حضارة إيكولوجية.
إنغلز ضد ماركس؟
إن نقد سايتو لجدلية الطبيعة عند إنغلز يوفر عدسة يمكننا من خلالها تتبع منهجه في إعادة تأويل إنغلز. وينطلق هذا النقد من مراجعة نقدية لتقليد الماركسية الغربية. ففي مسعى لتبرئة ماركس من تهم المادية الميكانيكية والحتمية الاقتصادية، عمد العديد من منظري الماركسية الغربية إلى التأكيد عمداً على تقسيم عمل نظري بين ماركس وإنغلز، مدعين انصباب تركيز ماركس على العلوم الاجتماعية، في حين تركز إنغلز على العلوم الطبيعية. ويرفض سايتو هذا التوصيف الشائع لتقسيم العمل بين المفكرين، على الأقل فيما يتعلق بماركس المتأخر، مشيراً إلى أن ماركس، بعد عام 1868، اضطلع بدراسات واسعة في شتى فروع العلوم الطبيعية، بما فيها الكيمياء، والجيولوجيا، وعلم المعادن، والفيزيولوجيا، وعلم النبات، فضلاً عن استغلال الموارد الطبيعية والتدهور البيئي، وذلك في سياق دراسته للاقتصاد السياسي الزراعي. وسعى ماركس بذلك إلى دمج العلوم الطبيعية في نقده للاقتصاد السياسي.
وفي الوقت نفسه، يجادل سايتو بأن إنغلز نفسه كان المصدر الرئيسي لهذا التوصيف السائد لتقسيم العمل بينهما. وكحجة، يستشهد سايتو بمقدمة طبعة عام 1885 من «ضد دهرينغ»، التي نُشرت بعد وفاة ماركس. حيث كتب إنغلز: «لقد كان ماركس ملمّاً بالرياضيات إلماماً جيداً، لكننا لم نكن نستطيع مواكبة العلوم الطبيعية إلا بشكل متقطع، ومتناثر، وعابر».4 هنا، يدعي سايتو، كشف إنغلز عن خطته الشخصية لدراسة العلوم الطبيعية، لكنه لم يشر صراحة إلى انخراط ماركس في العلوم الطبيعية. وبناءً على ذلك، يخلص سايتو إلى أن «إنغلز الصادق (بشكل غير واعٍ) تجنب الإشارة إلى انخراط ماركس الجاد في العلوم الطبيعية، واكتفى بالتأكيد على تقسيم العمل الفكري بينهما».5 (ويجب التنويه إلى أن اعتبار ماركس للعلوم الطبيعية الذي يشدد عليه سايتو يتكون في غالبيته من دفاتر اقتباسات، تتألف بالكامل تقريباً من مقتطفات من نصوص مؤلفين آخرين نادراً ما علق عليها ماركس).
ويستنتج سايتو من هذا الصمت المزعوم من جانب إنغلز فيما يخص اقتباسات ماركس حول العلوم الطبيعية -متجاهلاً تماماً أن إنغلز يشير إلى الدراسات العلمية لماركس في مواضع متعددة، كما في مقدمة المجلد الثاني من «رأس المال»، حيث يشير إلى استكشافات ماركس في علم الزراعة، والعلوم الطبيعية ككل، والرياضيات- ليجادل بأن صمت إنغلز المزعوم يعني أن كليهما كان يحملان رؤى غير متوافقة في استفساراتهما العلمية.6 ووفقاً لرؤية سايتو، كان توجه ماركس المتأخر نحو العلوم الطبيعية مدفوعاً أساساً بالرغبة في فحص التحولات الجوهرية في الظروف الطبيعية والاتجاهات الناشئة نحو الأزمة الإيكولوجية في ظل التطور الرأسمالي. وعلى النقيض، يُقال إن إنغلز سعى إلى تطبيق نتائج العلوم الطبيعية لفهم واستيعاب القوانين العامة للطبيعة، ومن ثم تعزيز السيطرة البشرية على العالم الخارجي وتحقيق شكل من أشكال الحرية البشرية. وانسجاماً مع الحتمية العملية لاحترام القوانين الموضوعية، كما شددت عليه «جدلية الطبيعة»، طرح إنغلز فكرة انتقام الطبيعة، محذّراً: «لنخدعن أنفسنا كثيراً بانتصاراتنا البشرية على الطبيعة. فكل نصر من هذا القبيل يُنتقم له منا».7
ولإثبات التباعد النظري بين ماركس وإنغلز، يزعم سايتو أن إنغلز قام بتنقيح غير سليم لمناقشة ماركس حول «الاستقلاب» في «رأس المال». فماركس، مستنداً إلى نقد يوستوس فون ليبيغ لـ«الزراعة النهّابة»، أدرك أن الزراعة الرأسمالية أنتجت (وفق ترجمة بن فوكس) «فتقاً غير قابل للإصلاح في العملية المترابطة للاستقلاب الاجتماعي، وهو استقلاب تفرضه القوانين الطبيعية للحياة ذاتها».8 بيد أن سايتو يدعي أن إنغلز قام بتنقيح جملة ماركس بشكل غير سليم، بحذف كلمة «طبيعي» في موضع ما، بحيث يجب أن تقرأ الجملة، وفقاً لترجمة سايتو الخاصة للنص الأصلي لماركس: «فتقاً غير قابل للإصلاح في العملية المترابطة بين الاستقلاب الاجتماعي والاستقلاب الطبيعي الذي تفرضه قوانين التربة الطبيعية».9 وهنا، يكتب سايتو، يميز ماركس بوضوح بين «الاستقلاب الاجتماعي» الذي يقوده الرأسمال، و«الاستقلاب الطبيعي» الذي تحكمه القوانين الإيكولوجية، مؤكداً على تناقضهما وصراعهما الجوهريين. ويجادل سايتو بأن تنقيح إنغلز طمس التباين بين الاستقلاب الاجتماعي والطبيعي، مما أسهم في تهميش نظرية ماركس حول الفتق الاستقلابي. ومع ذلك، جادل باحثون آخرون، مثل جون بيلامي فوستر، بأن إنغلز اكتفى بحذف تكرار في الجملة، نظراً لأن الاستقلاب الاجتماعي جزء من الاستقلاب الكوني للطبيعة، وأن ماركس أشار بوضوح في الجملة إلى أن الاستقلاب الاجتماعي المغترب يتعارض مع القوانين الطبيعية للحياة (أي الاستقلاب الكوني للطبيعة).10
وبناءً على هذا الحكم المشكوك فيه، يذهب سايتو إلى أبعد من ذلك مدعياً أن صياغة إنغلز المنقحة ينبغي أن تُفهم كامتداد لرؤيته حول «انتقام الطبيعة»، والتي تسعى إلى التأكيد على العواقب الكارثية المحتملة لخرق القوانين الطبيعية على الحضارة البشرية. وهذا، وفقاً لسايتو، يقف في تناقض جوهري مع تحليل ماركس، الذي يركز على كيفية إعادة قانون القيمة تحت الرأسمالية هيكلة الاستقلاب المادي الطبيعي عبر عمليات الاستقلاب الاجتماعي وكشف تناقضاتها الداخلية. وبعبارة أخرى، يؤكد ماركس على الاستقلاب بين البشرية والطبيعة من منظور التشكلات الاجتماعية التاريخية المحددة، في حين يقترب إنغلز، في رأي سايتو، من جدلية «السيطرة» و«الانتقام» بين البشرية والطبيعة من منظور أعم وأشمل، عابر للتاريخ. ومن هذا المنطلق، يطرح سايتو ادعاءً رئيسياً ثانياً: لم يكن ماركس، على عكس غ.و.ف. هيغل أو فريدريك شيلينغ، يعمل ضمن تقليد الفلسفة الطبيعية الذي سعى إلى بناء رؤية كونية شاملة قادرة على تفسير كل ظاهرة في الكون. بيد أن إنغلز كان يهدف إلى تقديم تفسير مادي للكون يستند إلى منجزات العلوم الطبيعية. ووفقاً لسايتو، يفسر هذا الاختلاف الجوهري مواقعهما المتباينة في حقل النظرية الإيكولوجية.
وبعد رسم معالم التباعد النظري بين إنغلز وماركس حول القضايا الإيكولوجية، يؤكد سايتو أيضاً على العواقب السلبية لهذا الانقسام، ألا وهي أن تجاهل نظرية ماركس حول الفتق الاستقلابي مع قبول رؤية إنغلز حول «انتقام الطبيعة» دون نقد يعرضنا لخطر الانزلاق نحو نوع من النزعة الكارثية. ووفقاً لسايتو، وعلى عكس إنغلز، لم يساوِ ماركس بين الفتق الاستقلابي في ظل الرأسمالية وانتقام الطبيعة، بل أدرك مرونة الرأسمال الكبيرة في إزاحة الفتق ونقله جغرافياً وزمانياً. وبالنسبة لماركس، فإن الاغتراب الشديد في علاقة البشرية بالطبيعة يمكنه، بشكل مفارق، أن يولد ضرورة ثورية لمقاومة الرأسمال. ولم يكن عالم الحرية الذي تصوره ماركس مقصوراً على مفهوم إنغلز المتعلق بإتقان القوانين الطبيعية وتطبيقها بمهارة؛ بل كان يتجاوز عالم الضرورة تماماً من خلال التحكم الجماعي والتنظيم العقلاني للاستقلاب بين المجتمع والطبيعة، مما يسمح في النهاية بالتطور الكامل للقدرات الفردية البشرية. والأهم من ذلك، أن ماركس في سنواته الأخيرة (كما فعل إنغلز) درس أعمال كارل فرااس، وجورج ماورر، وآخرين، من خلالهم استكشف الأشكال المختلفة للاستقلاب الاجتماعي في المجتمعات السابقة للرأسمالية. ومن خلال هذا البحث، أدرك ماركس تفوقاً تاريخياً معيناً في أنماط الإنتاج المساواتية والمستدامة التي كانت موجودة داخل بعض الكومونات الريفية. وبذلك، تجنب اتجاهين إشكاليين: التفسير الاختزالي لانهيار كل الحضارات السابقة للحداثة من خلال عدسة «انتقام الطبيعة»، والرؤية الخطية للتقدم التاريخي التي تفترض أن مجرد اكتشاف القوانين الطبيعية وتقدم القوى المنتجة سيؤدي إلى تحسين حضاري. وهكذا، يخلص سايتو إلى القول: «كان هذا الاختلاف بالذات بين كتابات ماركس المتأخرة وفهم إنغلز للديالكتيك هو السبب في تهميش مفهوم الاستقلاب ودلالته الإيكولوجية طوال القرن العشرين».11
وباختصار، تتألف أطروحة سايتو حول «الانقسام بين ماركس وإنغلز» من ثلاث حجج رئيسية: (1) من أجل التأكيد على أهمية جدلية الطبيعة، تجنب إنغلز عمداً مناقشة تقدم ماركس في البحث العلمي الطبيعي؛ (2) تمثل جدلية الطبيعة عند إنغلز رؤية كونية تركز حصرياً على فهم قوانين الطبيعة العابرة للتاريخ، وبالتالي تنحرف عن نظرية ماركس حول الفتق الاستقلابي، القائمة على تحليل التناقض بين الصورة (Form) والمادة (Stoff) في مراحل تاريخية محددة؛ و(3) أدى عدم اهتمام إنغلز الكافي بالتحديد الاجتماعي والتاريخي إلى استهانته بمرونة الرأسمال والعقلانية الإيكولوجية السابقة للرأسمالية، مما أسفر عن أطروحة كارثية حول «انتقام الطبيعة» وإيمان تبسيطي بأن إتقان الطبيعة يضمن الحرية. وكما يصوغها سايتو: «انتهى إنغلز إلى المبالغة في التأكيد على بعض جوانب نظرية ماركس، مثل العقلانية، والوضعية، والرؤية التقدمية للتاريخ، والإنتاجية، والتمركز الأوروبي».12
ولا يُعد الرد على نقد سايتو لإنغلز مهمة صعبة بشكل خاص، نظراً لأن باحثين قدموا بالفعل حججاً مضادة تستحق الاعتبار الجاد.13
وفيما يخص الحجة (1)، هناك أدلة وثائقية وفيرة تظهر أن إنغلز أقر علناً وأيد أبحاث ماركس في العلوم الطبيعية. على سبيل المثال، في عام 1885، وهو نفس العام الذي نُشرت فيه الطبعة الثانية من «ضد دهرينغ»، كتب إنغلز في مقدمة المجلد الثاني من «رأس المال»: «حدث انقطاع آخر بعد عام 1870، يعزى أساساً إلى اعتلال صحة ماركس. وكالمعتاد، وظف ماركس هذا الوقت في الدراسة؛ شكلت العلوم الزراعية، والعلاقات الريفية في أمريكا وخصوصاً روسيا، وسوق المال والمصارف، وأخيراً العلوم الطبيعية مثل الجيولوجيا والفيزيولوجيا، والأهم من ذلك الأعمال الرياضية المستقلة، محتوى دفاتر الاقتباسات العديدة في تلك الفترة».14 وحتى لو سلمنا بأن إنغلز قد لم يدرك خطة بحث ماركس بالكامل، فمن الصعب الادعاء بأنه أخفى العمل عمداً.
أما الحجتان (2) و(3) فتستندان إلى قراءة مشوّهة للنص. فلم يؤدِ حذف إنغلز لصفة «طبيعي» عند تحرير المجلد الثالث من «رأس المال» إلى تغيير المعنى المقصود من نص ماركس بشكل جوهري. ففي تلك الفقرة، كان ماركس قد أشار بالفعل إلى «استقلاب تفرضه القوانين الطبيعية»، مما يفترض ضمنياً العملية الأوسع للاستقلاب المادي للطبيعة، بل إن الإشارة إلى الطبيعة في هذا الصدد تتكرر في نهاية الجملة التي تتحدث عن «الفتق غير القابل للإصلاح». وفي الوقت نفسه، يشير الاستقلاب الاجتماعي إلى تفاعل البشرية المحدد مع الاستقلاب الكوني للطبيعة عبر العمل. علاوة على ذلك، يُعد تحديد القوانين وشرحها المهمة الأساسية للبحث العلمي والأساس لنقد التاريخ الاجتماعي. ولا يتعارض الفهم الفلسفي للطبيعة وقوانينها الموضوعية مع التحليل الملموس للتناقضات الإيكولوجية للرأسمالية. فـ«الفتق غير القابل للإصلاح» في عملية الاستقلاب الاجتماعي والطبيعي، في النهاية، ليس سوى التعبير التاريخي المحدد عن كيفية انتهاك الإنتاج الرأسمالي للقوانين الطبيعية.
ويستهدف النقد الجوهري لسايتو لجدلية الطبيعة صياغتها كرؤية كونية تركز على الحركة الكونية العالمية وتتميز بـ«مخطط فلسفي وعابر للتاريخ».15 وهذا الإطار، في رأيه، لا يمكنه إلا أن يتصور الصراع بين البشرية والطبيعة بشكل ساكن، مما يعجز عن تقديم تحليل واقعي للأزمة الإيكولوجية في ظل الرأسمالية أو إمكانات تحولها. لذلك، من الضروري التركيز بشكل أكثر مباشرة على الدلالات الإيكولوجية لجدلية الطبيعة، لا سيما من خلال توضيح قيمتها التأسيسية في تشكيل رؤية كونية إيكولوجية وأهميتها للتشخيص النقدي للإيكولوجيا الرأسمالية. غير أن سايتو يتجاهل إلى حد كبير حقيقة أن «جدلية الطبيعة» تنتهي بمناقشة التطور في «الدور الذي لعبه العمل في الانتقال من القرد إلى الإنسان»، والتي تشير صراحة إلى الأزمات الإيكولوجية التي أحدثتها الرأسمالية.16
جدلية الطبيعة والرؤية الكونية الإيكولوجية
يتناول نقد سايتو لإنغلز بشكل مباشر تفسير الرؤية الكونية المعبر عنها في جدليته للطبيعة ودلالاتها الإيكولوجية. فوفقاً لرأي سايتو، تسعى جدلية الطبيعة عند إنغلز إلى صياغة قوانين عابرة للتاريخ متأصلة في الطبيعة ذاتها، وبالتالي توفير أساس أنطولوجي ومعرفي للسيطرة البشرية على الطبيعة.
سعى إنغلز إلى بناء رؤية كونية شاملة تشمل الطبيعة والمجتمع على حد سواء. وقد رأى أن الديالكتيك لم يكن مجرد أداة لإثبات البراهين، بل «يحتوي على جرثومة رؤية أكثر شمولاً للعالم».17 والأهم من ذلك، أن جدلية الطبيعة عند إنغلز كانت تهتم جوهرياً بفهم شمولية العالم الواقعي وإرساء أساس نظري علمي للتحول التاريخي. وقد ارتبط هذا ارتباطاً مباشراً بالسياسة البروليتارية في عصره.18 وكما جادل إنغلز، فإن «المفهوم المادي للتاريخ وتطبيقه المحدد على الصراع الطبقي الحديث بين البروليتاريا والبرجوازية لم يكن ممكناً إلا من خلال الديالكتيك».19 وبالتالي، كانت هناك حاجة ملحة إلى «إنقاذ الديالكتيك الواعي من الفلسفة الألمانية المثالية وتطبيقه في المفهوم المادي للطبيعة والتاريخ».20 لذا، لم يكن الهدف النظري لإنغلز هو تفسير الطبيعة بالطريقة التي فعلها علماء الطبيعة البرجوازيون، بل الاستفادة النقدية من منجزاتهم لبناء ديالكتيك مادي، وبالتالي تحقيق منظور شامل عن «العالم الواقعي، كل من الطبيعة والتاريخ».21 وبعبارة أخرى، كانت الرؤية الكونية الجديدة التي سعى إنغلز إلى صياغتها تعني ضمنياً مفهوماً جديداً لكل من الطبيعة والتاريخ.
وفي هذا السياق، قدمت جدلية الطبيعة عند إنغلز، المستندة إلى نقد التفكير الميتافيزيقي والمفاهيم المثالية، التاريخية إلى مجال الطبيعة. ولم تكتفِ بشرح الحركة الجدلية والقوانين الموضوعية للعالم الطبيعي، بل أكدت أيضاً على النشاط الحسي البشري والعلاقة المتشكلة تاريخياً بين البشرية والطبيعة. وبذلك، أرست الأساس، بناءً على رؤية كونية علمية، لنقد التناقضات الإيكولوجية للرأسمالية.
(1) توضح جدلية الطبيعة الشمولية، والتاريخية، وقانونية العالم الطبيعي، مصورةً الروابط الإيكولوجية الجدلية داخل العالم الواقعي.
أولاً، تنظر جدلية الطبيعة إلى الطبيعة باعتبارها كلية مترابطة. وخلافاً للنمط الميتافيزيقي في التفكير، فإن الرؤية الجدلية للطبيعة «تعتبر الأشياء في حركتها، وتغيرها، وحياتها، وتأثيرها المتبادل على بعضها البعض»، مدركةً أن جميع مستويات العالم الطبيعي لا تمتلك فقط خصائصها المادية المميزة، بل توجد أيضاً ضمن نظام من الترابط المتبادل.22 وكما كتب إنغلز: «تشكل كل الطبيعة التي في متناولنا نظاماً، وكلية مترابطة من الأجسام».23 ويتوافق هذا الفهم لشمولية الطبيعة بشكل وثيق مع فكرة النشوء (emergence). ويؤكد على تعقيد الطبيعة وترابط أجزائها وتطورها المشترك.24 وفي ضوء ذلك، لا توجد أفراد معزولة تماماً في الطبيعة؛ فلا يمكن لكيان طبيعي واحد أن يحقق تطوره الخاص إلا من خلال الانخراط في بناء الكل الإيكولوجي، عبر التفاعل المتبادل والقيود مع الآخرين.
ثانياً، من منظور جدلية الطبيعة، يشكل العالم الطبيعي أيضاً نظاماً من العمليات الخاضعة لحركة تاريخية. ورفض إنغلز صراحةً فكرة الطبيعة الثابتة بشكل مطلق، مؤكداً أن كل الطبيعة توجد في حالة من الوجود والزوال الأبديين، في حركة وتغير لا يهدآن. وشدد على أن العلوم الطبيعية قد أثبتت أن «الطبيعة، في التحليل الأخير، تعمل جدلياً وليس ميتافيزيقياً؛ وأنها لا تتحرك في وحدة أبدية من دائرة متكررة بشكل دائم، بل تمر بتطور تاريخي حقيقي».25 وبناءً على ذلك، رسم إنغلز، من منظور تطور الأجرام السماوية، والأرض، والحياة، والبشرية، عملية تطور جدلي تمثل في الوقت ذاته تطوراً ذاتياً للطبيعة وتجاوزاً للعالم الطبيعي الأصلي، تتوج بالمجتمع البشري. ويعبر هذا عن رؤية تاريخية كبرى توحد بين تاريخ الطبيعة وتاريخ الإنسان. ومثل هذا المنظور التاريخي يساعدنا على تجاوز الأنانية الضيقة ويعزز رؤية الأرض كمجتمع حي يخضع لتطور تاريخي.
ثالثاً، تكشف جدلية الطبيعة عن الروابط الجوهرية داخل الحركة الجدلية للطبيعة. ورأى إنغلز أن إحدى المهام الرئيسية للتحليل النظري هي الكشف عن الروابط المتبادلة والقوانين الموضوعية للعمليات التاريخية، بدءاً من الأشكال المادية المختلفة وأشكال حركة المادة المختلفة. ومن خلال تجميع نتائج العلوم الطبيعية وتحويل ديالكتيك هيغل تحويلاً مادياً، صاغ إنغلز ثلاثة قوانين أساسية (أو مقترحات أنطولوجية) للديالكتيك: «قانون تحول الكم إلى الكيف والعكس؛ قانون تداخل الأضداد؛ قانون نفي النفي».26 وبهذه الطريقة، تكشف جدلية الطبيعة عن رؤية كونية جدلية توحد بين الطبيعة والتاريخ. وتفترض هذه الرؤية الكونية أن «ثمة عملية تاريخية طارئة ومتغيرة باستمرار، تحمل فيها كل حقيقة ناشئة جديدة داخلها قصوراً وعلاقات تناقضية مختلفة، مما يؤدي إلى مزيد من التطورات التحويلية».27 وبسبب تاريخية الطبيعة، تتخذ قوانينها العامة تعبيرات تاريخية ملموسة في العالم الواقعي، و«تتحول القوانين الأبدية للطبيعة أكثر فأكثر إلى قوانين تاريخية».28 وبالتالي، وعلى عكس القوانين السببية الوضعية المستخدمة للقياس الكمي والتنبؤ، فإن قوانين الديالكتيك هي تعميمات فلسفية للحركة الجدلية للعالم تتشكل عبر الاستخدام المنطقي للمفاهيم البشرية، وبالتالي فهي تاريخية جوهرياً في المضمون والشكل.
(2) تكشف جدلية الطبيعة عن العلاقة الجدلية المتأصلة بين البشرية والطبيعة وتفحص الإمكانات الاجتماعية العملية لمصالحة البشرية مع الطبيعة.
أولاً، تجادل جدلية الطبيعة من أجل الوحدة بين البشرية والطبيعة من منظور التطور التاريخي للعالم الطبيعي. واعتقد إنغلز أن الكائن البشري هو نتاج التطور والتمييز المستمرين للطبيعة. وباعتباره كائناً معقداً نتج عن الطبيعة، فإن وجود البشرية وتطورها يعتمدان اعتماداً جوهرياً على العالم الطبيعي. وهذا لا يعود فقط إلى أن العنصر الأساسي للحياة يكمن في «التبادل الاستقلابي المستمر مع البيئة الطبيعية»، بل أيضاً لأن التفاعل بين البشرية والطبيعة لا ينفصل عن تعبئة وتوظيف القوى الطبيعية عبر العمل. فالطبيعة توفر المواد، والعمل يحولها إلى ثروة.29 ومن منظور أوسع للحركة الجدلية لتوليد المادة وتحللها، فإن «زمن أسمى درجات التطور، وزمن الحياة العضوية، والأهم من ذلك زمن حياة الكائنات الواعية بالطبيعة وبذاتها، ضيق القيد تماماً كالمكان الذي تعمل فيه الحياة والوعي الذاتي».30 ولا يمكن للنشاط البشري إلا أن يغير الأشكال الملموسة للوجود المادي؛ ولا يمكنه تدمير الدورات المادية وآليات التجديد الخاصة بالطبيعة. لذلك، بالمعنى الأكثر جوهرية، فإن حماية الطبيعة كموطن للبشرية يعادل حماية بقاء البشرية وتنميتها المستدامة ذاتها. وفقط من خلال الحفاظ على علاقة سليمة بين البشرية والطبيعة يمكننا تحقيق إنجازات حضارية غنية.
ثانياً، تركز جدلية الطبيعة على العمل البشري لشرح تفرّد الكائن البشري داخل الطبيعة وتحديد الحدود الموضوعية للفاعلية البشرية. ووفقاً لإنغلز، فإن عملية العمل هي المكان الذي يتجلى فيه بوضوح أكبر الوحدة والتناقض بين البشرية والطبيعة، وحيث تُبنى شمولية الطبيعة بشكل ملموس في الواقع. ويعد العمل الشرط الأساسي الأولي لكل وجود بشري، لأنه، من خلال العمل، لا يهيمن البشر على الطبيعة فحسب، خالقين ظروف معيشية جديدة وأدوات إنتاج، وبالتالي يرتقون بأنفسهم إلى ما وراء الوحدة الطبيعية البدائية وأشكال الحياة العامة، بل يضفون أيضاً غائية على الطبيعة، مبتدئين عملية تتحول فيها الطبيعة باستمرار إلى عالم حياة بشري. والأمر الذي لا يقل أهمية عنه، أن إنغلز أكد على أن «نحن، بلحمنا ودمنا وأدمغتنا، ننتمي إلى الطبيعة، ونوجد في وسطها، وكل سيطرتنا عليها تكمن في حقيقة أننا نتميز على جميع المخلوقات الأخرى بقدرتنا على تعلم قوانينها وتطبيقها بشكل صحيح».31 والفرق بين البشر والحيوانات الأخرى في تحويل الطبيعة يكمن في ما إذا كان بإمكانهم نقش إرادتهم على الأرض، وما إذا كان بإمكانهم فهم الآثار بعيدة المدى لأفعالهم على الطبيعة والتحكم فيها بوعي في «عمل متعمد ومخطط موجّه نحو غايات محددة مسبقاً».32 وبهذه الطريقة، يمكن للبشرية حقاً التغلب على اغترابها عن الطبيعة وإعادة تشكيلها بما يتماشى مع التنمية البشرية المستدامة. وبعبارة أخرى، لا تستلزم تفرد البشرية أو تفوقها امتيازاً غير مسؤول على الطبيعة، بل يجب أن تتجلى كذاتية إيكولوجية تتنقل ضمن الضرورة وتحقق كل من الحرية البشرية والتنمية الطبيعية المستدامة.
ثالثاً، توضح جدلية الطبيعة التعقيد الاجتماعي للتفاعل بين البشرية والطبيعة، وتقترح مسارات للتحول الاجتماعي لتحسين هذه العلاقة. وأشار إنغلز إلى أن العمل عمّق فهم البشرية للعالم الطبيعي ودفع إلى تعاون بشري أوثق، مما أدى إلى بروز العامل الاجتماعي. وفي هذه العملية، «من خلال الوظيفة المشتركة لليد، وأعضاء الكلام، والدماغ، ليس فقط على مستوى كل فرد بل وعلى مستوى المجتمع أيضاً، أصبح البشر قادرين على تنفيذ عمليات أكثر تعقيداً، وتمكنوا من وضع أهداف أعلى وتحقيقها».33 ويعني اجتماعية العمل أيضاً أن التفاعل بين البشرية والطبيعة لم يعد مجرد تبادل بيولوجي للمادة والطاقة، بل أصبح عملية معقدة من الاستقلاب الاجتماعي تتحقق عبر الإنتاج والاستهلاك. ونظراً للطبيعة المشروطة اجتماعياً وتاريخياً لهذه العلاقة، فإن حل المشكلات الإيكولوجية يتطلب منهجية منهجية. واعتقد إنغلز أن التفكير الجدلي يهدف إلى تحقيق «المعرفة المنظمة للكون الخارجي».34 وبناءً على ذلك، يسعى إلى تعزيز تحول شامل في العلاقة بين البشرية والطبيعة، وكذلك بين البشر أنفسهم، مما يؤدي في النهاية إلى مصالحتهم التاريخية. ونظراً للطبيعة التناقضية للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية، أصبح النشاط الإنتاجي البشري يسهم بشكل متزايد في اغتراب العلاقة بين البشرية والطبيعة. لذلك، ومن أجل تنظيم هذه العلاقة بشكل صحيح، فإن ما هو مطلوب هو «ثورة كاملة في نمط الإنتاج السائد لدينا حتى الآن، وفي الوقت نفسه ثورة في نظامنا الاجتماعي المعاصر بأكمله».35
ويختزل سايتو جدلية الطبيعة إلى نظرية لقوانين عابرة للتاريخ متأصلة في العالم الخارجي، مما يحجب دلالاتها الاجتماعية الإيكولوجية العميقة. ويمكن فهم جدلية الطبيعة عند إنغلز بشكل أكثر شمولاً على أنها جدلية لتاريخ الطبيعة، تجسد رؤية كونية إيكولوجية جدلية متجذرة في وحدة الأضداد بين الطبيعة والتاريخ، والفكر والكينونة، والذات والموضوع.36 وبالتالي، وعلى الرغم من استقلالها الظاهري، فإن جدلية الطبيعة ترتبط ارتباطاً جوهرياً بجدلية التاريخ. ومن خلال توظيف العلوم الطبيعية لوصف الحركة الجدلية للعالم الطبيعي، أسس إنغلز ديالكتيكاً مادياً شاملاً، ووحد بذلك الرؤية الماركسية للطبيعة والتاريخ، والفلسفة النظرية والعملية. وفقط من خلال فهم هذه الوحدة يمكننا إدراك القيمة الفريدة لجدلية الطبيعة في النقد الإيكولوجي بشكل كامل، وتوضيح أن جوهر الإيكولوجيا الماركسية لا يكمن فقط في التأكيد على الترابط بين البشرية والطبيعة أو في قيود القوانين الطبيعية على النشاط البشري، بل يكمن في تقديم إجابة عملية على سؤال كيفية تحقيق تعايش متناغم بين البشرية والطبيعة في المجتمع الحديث.
«انتقام الطبيعة» والنقد الإيكولوجي للرأسمالية
ومن خلال وضع جدلية الطبيعة عند إنغلز ضمن ديالكتيك مادي أوسع، وبالتالي رفض الثنائية الجامدة بين المادية الجدلية والمادية التاريخية، يمكن للماركسيين تجنب سوء تفسير سايتو لـ«انتقام» الطبيعة كنقد كارثي وخطي يتعارض مع نظرية الفتق الاستقلابي لدى ماركس. ويدور إدانة سايتو لحجة إنغلز بشكل أساسي حول ثلاثة أسئلة: (1) هل «انتقام» الطبيعة صياغة مجازية تنطبق فقط على العمليات التاريخية العامة، وبالتالي عاجزة عن تقديم تحليل محدد للإنتاج الرأسمالي وعواقبه الإيكولوجية؟ (2) هل يعني هذا بالضرورة أن الأزمة الإيكولوجية في ظل الرأسمالية ستؤدي حتماً إلى انهيار الحضارة، مما يتجاهل قدرة الرأسمالية على التنظيم الذاتي؟ (3) هل يشير «انتقام» الطبيعة إلى أن الهيمنة الكاملة على القوانين الطبيعية ستكون كافية للدخول في عالم الحرية؟ وعند التدقيق في كتابات إنغلز ذات الصلة، يصبح من الصعب تأكيد أي من هذه الافتراضات.
(1) يعتبر إنغلز «انتقام» الطبيعة نتيجة للنشاط البشري غير العقلاني، مع التأكيد في الوقت نفسه على أسبابه التاريخية المحددة.
عند الإشارة مجازياً إلى أن «الطبيعة [موضوعياً]» تنتقم للبشرية، يسلط إنغلز الضوء على تدمير الغابات في بلاد ما بين النهرين، واليونان، وآسيا الصغرى، وجبال الألب، لتوضيح كيف تؤدي الغطرسة البشرية إلى عواقب إيكولوجية خطيرة.37 وهذا يوضح أن تجاهل القوانين الطبيعية من أجل منافع قصيرة الأجل كان موجوداً حتى في العصور القديمة، وليس فقط في الرأسمالية الحديثة. ومع ذلك، حلل إنغلز التفاعلات بين البشرية والطبيعة ليس بمعزل عن السياق، بل من خلال الأبعاد الاجتماعية للإنتاج. على سبيل المثال، أشار إلى أن الزراعة الأحادية الواسعة النطاق للبطاطس في أوروبا كان لها آثار عميقة على ظروف معيشة الجماهير، مما أدى حتى إلى مجاعات.38 وفي انتقاده لسلوك الرأسماليين والتجار غير المسؤول، أولى إنغلز أيضاً اهتماماً للعواقب البيئية لمثل هذه الأفعال. واستشهد بمثال المزارعين الإسبان في كوبا الذين أحرقوا الغابات على المنحدرات الجبلية لزيادة الأرباح، مما أدى بدوره إلى تدهور إيكولوجي. وتكشف هذه الحالات عن المنطق غير العقلاني الكامن وراء الإنتاج الرأسمالي، الذي انتقده إنغلز قائلاً: «فيما يتعلق بالطبيعة، كما هو الحال في المجتمع، يهتم نمط الإنتاج الحالي في الغالب فقط بالنتيجة المباشرة والأكثر ملموسة؛ وبعدها يُعبر عن الدهشة من أن الآثار البعيدة للأفعال الموجهة نحو هذا الغرض تختلف تماماً، وغالباً ما تكون ذات طابع معاكس تماماً».39 وبعبارة أخرى، لا ينشأ انتقام الطبيعة فقط من الفشل في فهم القوانين الطبيعية، بل أيضاً من عدم القدرة على الهروب من التهور في النشاط البشري في ظل قوانين اجتماعية غير مدركة.
والأهم من ذلك، شدد إنغلز على أن «جميع أنماط الإنتاج السابقة حتى الآن لم تهدف إلا إلى تحقيق التأثير الأكثر فائدة مباشرة ومباشرة للعمل»، لكن «هذا قد تم تنفيذه بشكل أكثر اكتمالاً في نمط الإنتاج الرأسمالي السائد اليوم في أوروبا الغربية».40 ويحدث ذلك لأن الرأسماليين الأفراد، المهيمنين على الإنتاج، يهتمون فقط بالآثار المباشرة بسبب الحافز الوحيد للربح.41 وبالتالي، وعلى الرغم من أن التدهور البيئي يسبق الرأسمالية، فإن الرأسمالية تعيق هيكلياً حماية البيئة من خلال إعطاء الأولوية للربح الفوري. وبناءً على ذلك، فإن «انتقام الطبيعة» هو أزمة محددة لتشكيل اجتماعي حيث لا تستطيع البشرية بعد تنظيم نشاطها وإدارة العواقب الإيكولوجية بشكل واعٍ.42 وهو ليس مجرد نقد لانتهاك البشرية للقوانين الطبيعية عبر التاريخ، بل نقد إيكولوجي للإنتاج غير العقلاني في ظل هيمنة الرأسمال، الذي التقطه ماركس في مفهوم الفتق الاستقلابي.
(2) أقر إنغلز بجهود الرأسمالية للتغلب على انتقام الطبيعة، بينما كشف عن محدوديتها الجوهرية وإمكانية التحول الاشتراكي.
يجادل سايتو بأنه، على عكس إنغلز، لم يصُغ ماركس الفتق الاستقلابي مجازياً على أنه انتقام للطبيعة. وبدلاً من ذلك، أكد ماركس على أن الرأسمال يزيح الفتق بنشاط عبر التكنولوجيا والتجارة العالمية، وأن الاغتراب سيدفع البروليتاريا في النهاية جماعياً إلى إصلاح فتوق محددة. لذلك، يقترح سايتو، لا يمكن افتراض مسبقاً أن الرأسمالية محكوم عليها بمعاناة انتقام الطبيعة في جميع جوانبها دون أي مخرج.
في الواقع، لم يؤكد إنغلز قط أن انتقام الطبيعة يمثل مصيراً حتمياً لا يمكن التغلب عليه. وعلى الرغم من أنه لاحظ أن العلوم الطبيعية تتنبأ بنهاية «شبه مؤكدة» لقابلية الأرض للسكن، إلا أنه شدد على أننا «لا نزال بعيدين جداً» عن نقطة التحول النازل هذه.43 علاوة على ذلك، أدرك إنغلز أن التقدم العلمي يمكّن البشرية بشكل متزايد من إدارة عواقب الإنتاج. وحتى في المجال الاجتماعي، لاحظ أنه من خلال الخبرة والتحليل، «نتعلم تدريجياً الحصول على رؤية واضحة للآثار الاجتماعية غير المباشرة والأبعد لنشاطنا الإنتاجي»، مما يتيح لنا الفرصة لتنظيمها.44 وبهذا المعنى، أقر إنغلز بإمكانية مجتمع أرقى (أي الاشتراكية) في تعديل تناقضاته الاجتماعية والإيكولوجية. والحل الجوهري، كما جادل إنغلز، يكمن في نقل قيادة الإنتاج الاجتماعي إلى البروليتاريا: «هذه هي الثورة الاشتراكية».45 وفي هذه النقطة، يتوافق تحليل إنغلز لأزمات الرأسمالية وإمكاناتها الثورية تماماً مع تحليل ماركس.
ومن منظور جدلي، شدد إنغلز على أن الديالكتيك يجب أن يُطبق بشكل ملموس، وليس كصيغة حتمية. خذ، على سبيل المثال، مفهوم «نفي النفي». فمن ناحية، هذا هو «قانون عام للغاية، ولهذا السبب بعيد المدى ومهم للغاية، لتطور الطبيعة، والتاريخ، والفكر». ومن ناحية أخرى، يجب فهمه سياقياً ضمن العمليات التاريخية، حيث يعتمد نمط النفي ليس فقط على الطابع العام للعملية، بل أيضاً على «الطبيعة الخاصة للعملية».46 وفي نقده ليوجين دهرينغ، أوضح إنغلز أن ماركس لم يستخدم هذا القانون لإثبات الضرورة التاريخية. بل طور ماركس تحليله أولاً من خلال استكشاف الواقع التاريخي، ثم وصفه جدلياً. لذلك، فإن معالجة الديالكتيك كأداة استنتاجية لتأكيد حتمية العمليات، مثل الملكية العامة، هو «تشويه محض».47 وبالمثل، فإن انتقام الطبيعة ظاهرة تاريخية، وليس دليلاً على الانهيار الحتمي؛ ويجب تأكيده تجريبياً من خلال التطور الفعلي.
وفي كتاباته المتأخرة، كان إنغلز يراقب بدقة التطورات الجديدة داخل الرأسمالية والاتجاهات الثورية الناشئة. في مقدمة عام 1892 لـ«أحوال الطبقة العاملة في إنجلترا»، حلل «الخصائص الحضارية» للرأسمالية. ولاحظ أن البرجوازية قد حسنت الصرف الصحي في إنجلترا لدرجة أن العديد من الظروف المروعة «اختفت تماماً أو أصبحت أقل بروزاً».48 وهذا يثبت قدرة الرأسمالية على التنظيم الذاتي لتجنب بعض أسوأ الظروف البيئية في مواقع معينة وفترات زمنية محددة. ومع ذلك، جادل إنغلز بأن هذه التحسينات عالجت فقط «مظالم ثانوية»، والسبب الحقيقي للبؤس يكمن «ليس في هذه المظالم الثانوية، بل في النظام الرأسمالي نفسه».49 وبالتالي، فإن زوال الرأسمالية الحتمي ينبع من تناقضاتها النظامية الداخلية، وليس فقط من آثارها السلبية المؤقتة، والتي قد تتغير من حيث الزمان والمكان. علاوة على ذلك، لاحظ أن هذه العملية الحضارية ولدت أشكالاً جديدة من النضال، بما في ذلك النضالات حول ظروف الصحة والبيئة.
(3) شدد إنغلز على أن الاعتراف بالقوانين الطبيعية شرط ضروري لكنه غير كافٍ لدخول البشرية في عالم الحرية. ولا يمكن تحقيق الحرية الحقيقية إلا من خلال التقدم المشترك للثورة الاجتماعية والإيكولوجية.
يجادل سايتو بأن حل إنغلز لانتقام الطبيعة يكمن في إتقان القوانين الطبيعية للسيطرة الشاملة. ويستشهد بتأكيد إنغلز في «ضد دهرينغ» على أنه مع مرور «القوى الموضوعية الخارجية تحت سيطرة الإنسان نفسه» من خلال العلم (والاشتراكية العلمية)، تحقق البشرية «قفزة من عالم الضرورة إلى عالم الحرية».50 ويقارن سايتو هذا بماركس، الذي رأى أن الإنتاج المادي «يبقى عالم ضرورة».51 ويخلص سايتو إلى أن إنغلز كان يحمل «رؤية أحادية الجانب للتطور التاريخي».52 ومع ذلك، فإن هذا التفسير يقلل من شأن إنغلز ويشوهه.
أولاً، استهدف مفهوم إنغلز لـ«انتقام» الطبيعة الغطرسة البشرية في غزو الطبيعة، بدلاً من تقديم رؤية اختزالية تفترض أن جميع الحضارات مدمرة بطبيعتها. وعلى العكس من ذلك، تشير دراساته المتأخرة للتاريخ السابق للرأسمالية إلى أن هذه المجتمعات تقدم عناصر إيجابية للتنمية المستقبلية. بل إنه أعلن: «فقط البرابرة قادرون على تجديد عالم يعاني في مخاض حضارة تحتضر».53
ثانياً، بالنسبة لإنغلز، لا تكمن الحرية في الهروب من الضرورة، بل في إتقانها، وتحويل «الضرورة في ذاتها» إلى «ضرورة من أجلنا». وبما أن التاريخ يحكمه «قوانين عامة فطرية»، فإن هذه القوانين تشمل كلاً من الطبيعة الخارجية والتطور الاجتماعي البشري؛ وعندما تكون غير معروفة، تظهر كقوى غريبة وقسرية.54 وفي هذا الصدد، فقط من خلال الفهم الصحيح وتطبيق القوانين الموضوعية لكل من الطبيعة والمجتمع، يمكن للبشرية تجنب انتقام الطبيعة وتحقيق الحرية الحقيقية.
ثالثاً، أدرك إنغلز أن العوائق الحديثة أمام الحرية تنبع أساساً من البنى الاجتماعية، وليس من الطبيعة الخارجية. وجادل بأن البشر يصبحون سادة الطبيعة فقط بقدر ما يصبحون «سادة تنظيمهم الاجتماعي الخاص»، وبالتالي يحكمون القوانين الاجتماعية التي عارضتهم ذات يوم.55 وعلى عكس قراءة سايتو، شدد مقطع إنغلز حول «القفزة إلى الحرية» على مواءمة «الأسباب الاجتماعية» مع النتائج المقصودة. وبالتالي، تتطلب الحرية الحقيقية تحولاً مزدوجاً: ليس فقط تنظيم علاقة البشرية بالطبيعة، بل أيضاً ثورة في أساليب الإنتاج غير العقلانية لـ«الارتقاء بـ[البشرية] فوق بقية عالم الحيوان من الناحية الاجتماعية».56 وفقط هذا يحقق مصالحة البشرية مع الطبيعة ومع ذاتها.
وأخيراً، لا يوجد خلاف جوهري بين ماركس وإنغلز حول مفهوم الحرية. وكلاهما رأى أن الاستقلاب المستدام بين البشرية والطبيعة هو أساس الحرية. وأكد ماركس أن العمل المادي نفسه يصبح حراً فقط عندما «تُجرد الأهداف الخارجية من طابعها كضرورة طبيعية خارجية مجردة»، لتصبح «تحقيقاً للذات» و«حرية حقيقية».57 وكما جادل إنغلز، «إن إمكانية تأمين وجود ليس كافياً مادياً فقط، بل يصبح أكثر اكتمالاً يوماً بعد يوم، لكل فرد في المجتمع، من خلال الإنتاج الاجتماعي، ووجود يضمن للجميع التطور الحر وممارسة قدراتهم الجسدية والعقلية، هذه الإمكانية متاحة الآن لأول مرة، وهي هنا بالفعل».58 وفي رأيه، يكمن مفتاح الدخول إلى عالم الحرية في فهم القوانين التاريخية وتحقيق الحرية من خلال العمل. وهذا يتوافق مع مفهوم ماركس للتغلب على الضرورة الخارجية
وكما يلاحظ بول بلاكليدج، «استباقاً لاهتمام الإيكولوجيا الحديثة بوحدة البشرية مع الطبيعة، يفتح تصور إنغلز لجدلية الطبيعة مجالاً يمكن من خلاله فهم الأزمات الإيكولوجية فيما يتعلق بالطبيعة المغتربة للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية».59 وعلى الرغم من أن إنغلز لم يشر بشكل مباشر، كما فعل ماركس، إلى «الفتق غير القابل للإصلاح في العملية المترابطة للاستقلاب الاجتماعي، وهو استقلاب تفرضه القوانين الطبيعية للحياة ذاتها»، إلا أنه أشار، مثل ماركس، إلى «نهب» الطبيعة كمصدر للأزمة الإيكولوجية.60 وكان نقده الإيكولوجي متسقاً إلى حد كبير مع نقد ماركس. ومستنداً إلى الديالكتيك المادي، يقدم إنغلز نظرية انتقام الطبيعة نقداً إيكولوجياً جدلياً. ويفسر التفاعل بين الحرية والضرورة في النشاط البشري على أنه عملية مشروطة تاريخياً، تتطلب اهتماماً وثيقاً بالحقائق التاريخية والاجتماعية الملموسة. ومن هذا المنظور، تُفهم علاقة البشرية بالطبيعة على أنها تتشكل من خلال التفاعل بين الحدود الطبيعية والبنى الاجتماعية/الاستقلاب الاجتماعي. وبالتالي، فإن التدمير الإيكولوجي ليس حتمية مجردة، بل متجذر في الاستغلال الاقتصادي وهيمنة الطبقة التي يقودها السعي وراء الربح الفوري. وبناءً على ذلك، تحدد النظرية الانتقال إلى الاشتراكية أو الشيوعية كمسار أساسي للتغلب على أزمة انتقام الطبيعة.
الخاتمة
إن تصاعد المشكلات البيئية العالمية في عصرنا يدفعنا إلى إعادة النظر في جدلية الطبيعة عند إنغلز وإعادة التفكير في كيفية تطوير الإيكولوجيا الماركسية. وفي هذا السياق، يقدم سايتو تأملاً نقدياً في إقصاء الماركسية الغربية للطبيعة والعلوم الطبيعية من الأفق الفكري لماركس. وبذلك، يجادل سايتو، خنقت الماركسية الغربية بشدة إحياء إيكولوجيا ماركس.61 ومع ذلك، فإن إعادة البناء المنهجية الخاصة بسايتو لإيكولوجيا ماركس تحاول تهميش جدلية الطبيعة عند إنغلز بطريقة تكاد تكون مطابقة للماركسية الغربية. ومن خلال وصف جدلية الطبيعة عند إنغلز بشكل أساسي كرؤية كونية فلسفية تسعى إلى قوانين عابرة للتاريخ، يقع سايتو في فخ إنكار كل ما في التاريخ الطبيعي لا يمكن اختزاله إلى التاريخ البشري. والأسوأ من ذلك، أن إطاره يميل إلى إعادة نقش الثنائية التقليدية بين «الديالكتيك التاريخي/الثوري» لماركس و«الديالكتيك الطبيعي/العلمي» لإنغلز، حتى وهو ينكرها. والنتيجة هي حجب الدلالات الإيكولوجية العميقة والراهنية لأعمال إنغلز وماركس، سواء كل على حدة أو معاً.
ومن خلال الانخراط النقدي في منظور سايتو، يمكننا تطوير رؤية أكثر بناءً للعلاقة بين جدلية الطبيعة والإيكولوجيا الماركسية. هدفت جدلية الطبيعة عند إنغلز إلى صياغة صلة بين العلوم الطبيعية والفلسفة، وبالتالي إثبات إمكانية تحقيق فهم عقلاني للعالم بوصفه كلية. ويعد هذا الإطار حاسماً لتحسين الاستقلاب الاجتماعي وتحقيق تعايش متناغم بين البشرية والطبيعة.62 ويحتاج البشر إلى كل من المعرفة العلمية والتفكير الفلسفي الواسع لفهم كل من الطبيعة وأنفسهم بشكل صحيح، مما يمكنهم من تطبيق الديالكتيك المادي ليصبحوا فاعلين عقلانيين وعمليين.
ومن غير المفاجئ ألا تتطابق الأفكار الإيكولوجية لإنغلز وماركس تماماً. ومع ذلك، فإن أفكارهما تتمتع باتساق جوهري. ونظراً لمساهمات إنغلز الواسعة في نقد ماركس للاقتصاد السياسي، فمن الصعب مناقشة إيكولوجيا ماركس مع تجاهل إنغلز تماماً.63 وفيما يتعلق بالإيكولوجيا المادية، وصف إنغلز بدقة الحركة الجدلية للطبيعة والنتيجة المترتبة عليها من وحدة بين تاريخ الطبيعة وتاريخ الإنسان من خلال عدسة النتائج العلمية، مطوراً بذلك مفهوماً مادياً منظماً للطبيعة والتاريخ. كما طور ماركس هذا المنظور المادي، الذي ظهر مبكراً في أطروحته للدكتوراه وتجلى في مفاهيم مثل «الجسم غير العضوي» و«الاستقلاب الكوني»، كأساس لإيكولوجيته الخاصة.64 ومع ذلك، ومن خلال نهجه المتميز، قدم إنغلز مساهمات كبيرة في الإيكولوجيا الماركسية. فمن ناحية، أسس إنغلز إطاراً إيكولوجياً شاملاً متجذراً في الترابط الكوني والحركة الجدلية للطبيعة. ومن خلال التركيز على وساطة العمل، أوضح التحول المتبادل والتأهيل المتبادل بين البشرية (المجتمع) والطبيعة، فضلاً عن القوانين التاريخية التي تحكم هذه العلاقة، مما وضع الأساس النظري لرؤية كونية إيكولوجية جدلية. ومن ناحية أخرى، وانطلاقاً من المبادئ التاريخية للديالكتيك، حلل إنغلز التطور الجدلي للحرية والضرورة ضمن العملية الأوسع للحضارة. وبذلك، طور نقداً إيكولوجياً يعارض جذرياً دافع الربح الرأسمالي، وصاغ رؤية للتحول الاجتماعي الإيكولوجي نحو الاشتراكية.
لا تزال جدلية الطبيعة عند إنغلز تحظى بالاعتراف بأهميتها العميقة. فقد طور العديد من المنظرين، بمن فيهم ريتشارد ليفينز، وريتشارد ليونتين، وستيفن جاي غولد، وجوزيف نيدهام، هذا التقليد الجدلي من خلال دمج الرؤى العلمية المعاصرة مع الوقائع العملية.65 وفي مجال الممارسة السياسية، يستند مفهوم الحضارة الإيكولوجية في الصين المعاصرة أيضاً بعمق إلى الفكر الإيكولوجي لإنغلز. لطالما استشهد الرئيس شي جين بينغ بتحذير إنغلز بشأن «انتقام» الطبيعة في مناقشاته حول الحضارة الإيكولوجية.66 وتشمل المبادئ الأساسية للحضارة الإيكولوجية أن البشرية والطبيعة تشكلان مجتمع حياة، حيث تشكل الطبيعة ذاتها ثروة اجتماعية، وأن انتهاك القوانين الطبيعية والإضرار بالبيئة يستفز حتماً ظروفاً «تنتقم فيها الطبيعة منا». وهذا يؤكد أن الرخاء الإيكولوجي يعزز التقدم الحضاري في حين أن التدهور الإيكولوجي يسرع الانحلال الحضاري. وبالتالي، يجب تخطيط التنمية من منظور التعايش المتناغم بين البشرية والطبيعة، مما يدفع التحول الأخضر للتحديث الاشتراكي.
وباختصار، يُعد حل التناقضات النظرية الداخلية غير الضرورية شرطاً مسبقاً لتطوير الإيكولوجيا الماركسية. وفقط من خلال الاعتراف بجدلية الطبيعة عند إنغلز كمكون أساسي لهذا الإطار يمكننا تأسيس أساس فلسفي أكثر متانة للفهم الدقيق للعلاقة بين الطبيعة والمجتمع وتعميق النقد الإيكولوجي للرأسمالية، وبالتالي دفع الممارسة الثورية للإيكولوجيا الاشتراكية.
المراجع والهوامش
- كوهي سايتو، ماركس في الأنثروبوسين: نحو فكرة الشيوعية القائمة على تقليص النمو، كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 2022، ص 6.
- راسل جايكوبي، "الماركسية الغربية"، في: توم بوتومور (محرر)، معجم الفكر الماركسي، أكسفورد: بازل بلاكويل، 1983، ص 523-526.
- هيلينا شيهان، "الشمولية: عقود من الجدل وعودة الطبيعة"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 75، العدد 4 (أيلول 2023): ص 21-34.
- كارل ماركس وفريدريك إنغلز، الأعمال الكاملة، نيويورك: الناشرون الدوليون، 1975، المجلد 25، ص 11.
- سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 51.
- فريدريك إنغلز، "جنازة كارل ماركس"، في: كارل ماركس في الذاكرة، سان فرانسيسكو: منشورات سينثيسس، 1983، ص 38-43.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 460-461.
- كارل ماركس، رأس المال، المجلد 3، لندن: بنغوين، 1976، ص 949.
- ترجمة سايتو من: ماركس-إنغلز جيزامتأوسغابه (MEGA) II/4.2، برلين: أكاديمي فيرلاغ، 2012، ص 753؛ سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 53.
- جون بيلامي فوستر، جدليات الإيكولوجيا، نيويورك: منشورات المراجعة الشهرية، 2024، ص 96-99؛ بريان إم. نابوليتانو، "هل كان كارل ماركس شيوعياً مناصراً لتقليص النمو؟"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 76، العدد 2 (حزيران 2024): ص 1-18.
- سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 68.
- سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 247-248.
- جون بيلامي فوستر، "إنغلز والتأسيس الثاني للماركسية"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 75، العدد 2 (حزيران 2023): ص 1-16؛ نابوليتانو، "هل كان كارل ماركس شيوعياً مناصراً لتقليص النمو؟"؛ سلفاتوري إنجل-دي ماورو، الإيكولوجيا الاشتراكية: مقدمة، تشام: بالغريف ماكميلان، 2024، ص 175.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 36، ص 7.
- سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 67.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 460-464.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 125.
- كان كانغال، فريدريك إنغلز وجدلية الطبيعة، تشام: بالغريف ماكميلان، 2020، ص 97.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 24، ص 458-459.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 11.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 485.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 111.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 363.
- كان كانغال، "الجدلية النشوئية عند إنغلز"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 72، العدد 6 (تشرين الثاني 2020): ص 18-27.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 24، ص 301.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 356.
- فوستر، جدليات الإيكولوجيا، ص 14.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 517.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 452، 578.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 334-335.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 461.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 459.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 458.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 25.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 462.
- تشين يي ون، "جدليات الإيكولوجيا والحضارة الإيكولوجية"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 76، العدد 11 (نيسان 2025): ص 35-36.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 461.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 462.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 463-464.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 462، 463.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 463.
- هو دابينغ، "مفهوم إنغلز للطبيعة ودلالته الراهنة: مركّزاً على مشكلة انتقام الطبيعة"، البحث الأكاديمي، العدد 7 (2010): ص 13-19 (بالصينية).
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 26، ص 360.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 462.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 585.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 131.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 124.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 27، ص 312.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 27، ص 311.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 270.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 37، ص 807.
- سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 65.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 26، ص 255-256.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 26، ص 387.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 270.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 31.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 28، ص 530.
- ماركس وإنغلز، الأعمال الكاملة، المجلد 25، ص 269-270.
- بول بلاكليدج، فريدريك إنغلز والنظرية الاجتماعية والسياسية الحديثة، ألباني: مطبعة جامعة ولاية نيويورك، 2019، ص 16.
- فريدريك إنغلز، حول 'رأس المال' لماركس، موسكو: دار بروغرس للنشر، 1972، ص 95.
- سايتو، ماركس في الأنثروبوسين، ص 48.
- جون بيلامي فوستر، "جدلية الطبيعة عند إنغلز في الأنثروبوسين"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 72، العدد 6 (تشرين الثاني 2020): ص 1-17.
- صموئيل هولاندر، فريدريك إنغلز والاقتصاد السياسي الماركسي، نيويورك: مطبعة جامعة كامبريدج، 2011.
- جون بيلامي فوستر، كسر قيود القدر: أبيقور وماركس، نيويورك: منشورات المراجعة الشهرية، 2025؛ جون بيلامي فوستر وبول بوركيت، ماركس والأرض: نقد مضاد، لايدن، بوسطن: نيسان، 2016، ص 57-88؛ جوديث بتلر، "الجسم غير العضوي في كتابات ماركس المبكرة: مفهوم حدّي للتمركز حول الإنسان"، الفلسفة الراديكالية، المجلد 2، العدد 6 (2019): ص 3-17؛ جون بيلامي فوستر، "ماركس والفتق في الاستقلاب الكوني للطبيعة"، مجلة المراجعة الشهرية، المجلد 65، العدد 7 (كانون الأول 2013): ص 1-19.
- جون بيلامي فوستر، عودة الطبيعة: الاشتراكية والإيكولوجيا، نيويورك: منشورات المراجعة الشهرية، 2020.
- شي جين بينغ، حوكمة الصين، المجلد 2، بكين: دار اللغات الأجنبية للنشر، 2017، ص 230، 428؛ شي جين بينغ، حوكمة الصين، المجلد 3، بكين: دار اللغات الأجنبية للنشر، 2020، ص 435؛ شي جين بينغ، حوكمة الصين، المجلد 5، بكين: دار اللغات الأجنبية للنشر، 2025، ص 24.
تشين يي ون