بصراحة .. أجور العمّال قضية وطنية وطبقية

من المؤكد أن الأجور من أكثر القضايا إلحاحاً، ومن أكثر القضايا التي يجري تداولها على ألسنة من يبيعون قوة عملهم، سواء العضلية منها أو الفكرية وخاصة في هذه الأوقات الصعبة التي يتعرض لها العمال والمعروفة للجميع؛ فهنا لا فرق بين الاثنتين من حيث النتيجة النهائية، وهي ضرورة تحسين الوضع المعيشي، عبر تحسين القدرة الشرائية للأجور بالنسبة للأسعار، وخاصة مع غلاء الأسعار التي تقفز الآن قفزات متسارعة لا يمكن للأجور الحالية إدراكها، رغم كل ما يقال عن هبوط في الأسعار، وهذا يعني استمرار الحال على ما هو عليه من بؤس وحرمان للعاملين بأجر، ويعني تعزيز انقسام المجتمع إلى فريقين أساسيين ناهبين ومنهوبين، يجري الصراع بينهما.

من جديد «ضبوا الشناتي»

عادت مقولة «ضبوا الشناتي» لتكون على لسان عمال القطاع الخاص بعد شهر من أفول الظاهرة مؤقتاً. فآلاف الشباب «الطافشين» الذين نووا على السفر، كانوا قد ألغوا هذه الفكرة بعد سقوط السلطة، وفركوا كفوفهم وتجهّزوا واعِدين أنفسَهم بانفراجاتٍ كبرى، برغيد العيش والاستقرار، وما هي إلّا أسابيع قليلة حتى عادت مشاريع السفر لتكون الشُّغل الشاغل، والحديث الأكثر تداولاً، في مجتمع زادت فيه البطالة لدرجاتٍ غير مسبوقة، دون أيّ وضوح لأفقٍ أو مستقبلٍ يجعل من الانتظار أحدَ الحلول.

الضمان الاجتماعي حق للعمال

تعاني الطبقة العاملة من ظروف عمل معقَّدة غير سليمة، في السابق والآن أيضاً حيث تعاني بطرق جديدة ومبتكرة، وتعاني بالأخص من الأجور غير المناسبة التي لا تؤمّن المعيشة الكريمة للعامل، وعدم توفير وسائل الصحة والسلامة المهنية لمن هم ما زالوا على رأس عملهم، بالإضافة إلى قوانين العمل غير المنصفة للعمال، وخاصة عمال القطاع الخاص، ممّا أفقد العمال الكثير من الحقوق العمالية وأدّى إلى ارتفاع نسب الفقر والبطالة.

هل من مجيب؟

تراقب الطبقة العاملة كسائر السوريين الجلسات التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني التي جابت المحافظات السورية الواحدة تلو الأخرى، وتحاول تتبّع المداخلات والنقاط التي طرحها المشاركون، لعلهم يسمعون صوتهم هناك، ورغم شحّ ما وصل للإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، إلّا أنّ هناك طروحات عديدة تناولت موضوعة عمّال القطّاع العام المسرَّحين والمفصولين، وأصحاب الإجازات القسرية وغيرها. وهذا الحضور المستمر لهذا الموضوع طبيعي؛ كون الجلسات والاحتجاجات العمالية تمضيان معاً، فخلال الأسبوع الماضي لم تتوقف الاعتصامات والاحتجاجات، بل وأصبحت خبراً أساسياً ضمن نشرات السوشيال ميديا، ودخلت في تقارير بعض القنوات هنا أو هناك، ليس من باب «التريندات» والاستعراض الإعلامي، وإنما لسبب مباشر وأساسي بأن مئات الآلاف من الموظفين والعمال أصبحوا خارج المظلة الحكومية وخارج دائرة الأمان الوظيفي وكأنهم فقدوا آخر قشّة تعلّقوا بها.

إعادة الإعمار في سورية... فلنؤسس العملية على أسس علمية

تعاني البلاد من التركة الثقيلة التي تركتها وراءها سلطة بشار الأسد على مختلف الصعد، وخاصة على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي؛ لدينا بنية تحتية مدمرة بنسبٍ كبيرة، وكفاءات بشرية ما تزال خارج البلاد، وليس من الواضح متى ستبدأ بالعودة الفعلية إليها. لدينا مؤسسات مهلهلة، وتقسيم أمر واقعٍ بالمعنى الاقتصادي ما يزال قائماً، ولدينا فوق ذلك كله عقوبات هي بين الأشد في التاريخ، ما تزال مستمرة، وليس واضحاً إنْ كان سيجري رفعها في أي وقتٍ قريب، خاصة منها العقوبات الأمريكية... ولدينا تفاوتٌ مرعبٌ في توزيع الثروة يضع أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر.