إعمار القابون وجوبر... الشركات الخاصة بوابة لمصادرة الحقوق؛ والدولة «شريكٌ تجاري»!
يكشف الاجتماع الذي عقدته محافظة دمشق مع لجان وممثلين عن أهالي القابون وجوبر في 14 من آذار عن تحول جوهري في «خطط» إعادة الإعمار في هذه المناطق.
يكشف الاجتماع الذي عقدته محافظة دمشق مع لجان وممثلين عن أهالي القابون وجوبر في 14 من آذار عن تحول جوهري في «خطط» إعادة الإعمار في هذه المناطق.
أينما ذهبت في سورية اليوم، لم تعد المياه تصل عبر الأنابيب بشكل منتظم؛ وحلت محلّها شبكة «البراميل» و«الصهاريج»، وأصبح الوصول إلى مياه الشرب معادلة بسيطة: من يملك المال يملك الماء!
بعد مرور سنة وثلاثة أشهر تقريباً من الانتظار، وبعد المعاناة من الجوع والفقر، جاء الإعلان «التاريخي» لوزير المالية، الذي على الرغم من تأخره ولكنه أتى وأخيراً، ففي 12 آذار أعلن أن الدولة ستباشر تسديد الرواتب التقاعدية لبعض الفئات التي توقفت معاشاتها سابقاً، مؤكداً أن الخطوة جاءت انطلاقاً من حرص الدولة على الإنصاف والعدالة والسلم الاجتماعي والمساهمة في تحسين الوضع المعيشي لجميع السوريين!
في مشهد يتكرر كشريط مصور، يتحول السوريون كل بضعة أيام، والأطفال بصورة خاصة، إلى رقم إحصائي جديد في قائمة الضحايا، لكن ليس برصاصة طائشة فقط، بل بقذيفة قديمة خلّفتها المعارك.
في كل موسم للأمطار، يعيش السوريون لياليَ ثقيلة ومفزعة خوفاً من فيضانات متوقعة تغمر الأنفاق والمنازل أو تتسبب بأزمات مرورية خانقة نتيجة السيول في الشوارع وصولاً إلى شبكات الكهرباء والاتصالات وغيرها.
بين ليلة وضحاها تحولت المؤسسة السورية للتجارة من أكبر مزود للسلع شبه المدعومة إلى مكتب تشغيل عقاري.
في 20 آذار 2026، صدر المرسوم الرئاسي رقم 67 القاضي برفع الأجور والرواتب بنسبة 50%، في خطوة جرى ترويجها رسمياً على أنها جزء من مسار إصلاحي يستهدف تحسين القدرة الشرائية للمواطنين السوريين. كما رفع المرسوم الحد الأدنى الرسمي للأجور من 750 ألف ليرة سورية إلى 1,256,000 ليرة (أي ما يعادل نحو 114 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي). ظاهرياً، يبدو القرار استجابة مباشرة للضغوط المعيشية المتزايدة، ومحاولة لإعادة التوازن بين الأجور والأسعار بعد سنوات من التدهور المستمر في قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة. إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق بنسبة الزيادة بحد ذاتها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياة السوريين. حيث إن تجربة السوريين المرة مع السياسات الاقتصادية خلال العقود الماضية تظهر أن زيادات الأجور غالباً ما كانت شكلية، سرعان ما تلتهمها موجات التضخم وارتفاع الأسعار. وبالتالي، فإن تقييم هذه الزيادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن السياق الاقتصادي العام، ولا عن المؤشرات الواقعية لتكاليف المعيشة. حيث إن الأجر في الجوهر هو ضمانة العيش الكريم، وإذا فقد هذه الوظيفة، يصبح مجرد قيمة اسمية لا تعكس أي تحسن حقيقي في مستوى المعيشة.
حتى قبل بداية الحرب الحالية في الشرق الأوسط، كان الخبراء يقولون: إن الغيوم تتجمع في الأفق، منذرةً بعاصفة أزمة اقتصادية عالمية. وكان الجدل يدور فقط حول الدولة التي قد تبدأ منها، وكذلك حول توقيت بدء الأزمة. كان معظم الخبراء يحدّدون التاريخ عند عام 2027. أما إذا أخذنا بتوقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن هذا العام كان ينبغي أن يكون أكثر أو أقل استقراراً. فقد قدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي «بالقيمة الحقيقية، أي مع أخذ التضخم في الحسبان» في عام 2026 بنسبة 3.8%، بينما قدّره البنك الدولي بنسبة 2.6%. وقد تم الإعلان عن هذه التقديرات في بداية هذا العام. أما الآن، فمن الواضح أنه يجب إعادة كتابتها، مع الأخذ في الاعتبار الحرب التي بدأت. لكن حتى الآن لا تزال الأرقام القديمة موجودة على مواقع تلك المؤسسات، وذلك لأن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، لا يملكان منجّمين يعرفون متى وكيف ستنتهي الحرب، أو حتى ما إذا كانت ستنتهي هذا العام أصلاً.
تشير كثير من التحليلات العسكرية والأكاديمية إلى أنّ مبدأ «الدفاع الفسيفسائي»Mosaic Defense هو ابتكار إيراني محلّي، نشأ من رحم التجارب بعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق. ويتلخص هذا المبدأ فيما يمكننا اعتباره صيغة خاصّة من العلاقة بين اللامركزية والمركزية في المجال العسكري، عبر تفويض الصلاحيات بشكل كامل إلى 31 قيادة إقليمية (في كل محافظة إيرانيّة) لتتمكن من شن حربٍ بشكل مستقل إذا تم تدمير القيادة المركزية في طهران. بعد 3 أسابيع من الحرب يتجلّى بوضوح أكبر نجاح هذه الاستراتيجية، كما يتبيّن تكاملها مع التحالف الأوسع للمقاومات في المنطقة، في تركيب لعدة دروس من تاريخ العلوم العسكرية، من كلاوسفيتز وإنجلس مروراً بغيفارا ووصولاً إلى أحدث نظريات وممارسات الحرب اللامتكافئة والاستنزافية، في وقتٍ ما زال فيه الأمريكي و«الإسرائيلي» عالقاً في إخفاقات الهجوم القصير السريع مع وهم «الحسم» عبر «قطع الرؤوس» وهو أسلوب تمتد جذوره بشكلٍ أو بآخر إلى «الحرب الخاطفة Blitzkrieg» النازيّة، وينسجم مع الجوهر الفاشيّ الذي يحرّك العدوان الأمريكي-الصهيوني المعاصِر، ولا سيّما تحت ضغط الهامش الزمني الضيّق على شفا الانهيار الاقتصادي.
الحرب الخاطفة التي تمناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، تحوّلت سريعاً إلى مستنقع خطر! بعد 23 يوماً من العدوان الأمريكي-«الإسرائيلي» ضد إيران تنجح الجمهورية الإسلامية في توجيه ضربات مستمرة ونوعية، وتكشف عن قدرات عسكرية كبيرة تتميز بقدرتها على العمل حتى ضمن ظرف القصف المعادي المتواصل.
تُشكل التداعيات المتصاعدة للحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» على إيران اختباراً استراتيجياً حقيقياً لأمن الطاقة الصيني، حيث تجد بكين نفسها في قلب المعادلة العالمية كأكبر مستورد للنفط في العالم، أمام تهديد مباشر يتمثل في احتمال انقطاع التدفقات عبر مضيق هرمز الذي يعبره ثلث النفط الخام المنقول بحراً و20% من الاستهلاك العالمي. ورغم الخطورة البالغة لهذا السيناريو، الذي وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه قد يتسبب في «أكبر تعطل للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية»، فإن الصين لم تنتظر الحدث، بل سبقته بعقدين من الاستثمار المكثف في بدائل الطاقة، وبناء مخزون استراتيجي هائل.
تعكس القمة الأوروبية الأخيرة في بروكسل صورة قارة تعيش تحت ضغط تداعيات حرب لا تسيطر عليها، لكنها تدفع ثمنها بشكل مباشر، وترفع من حدة التهديدات عليها، فالحرب الأمريكية–«الإسرائيلية» على إيران ليست مجرد ملف خارجي بالنسبة للاتحاد الأوروبي، بل تحولت إلى عامل تفجير داخلي يطال الاقتصاد، والطاقة، والسياسة، وحتى التماسك بين الدول الأعضاء.
كان الرهان في واشنطن وتل أبيب منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران في 28 شباط يقوم على تفجير الداخل الإيراني، عبر دفعه نحو انطلاق موجة من التظاهرات والانقسام السياسي وانهيار النظام، لكن ما حدث فعلياً، وما تظهر مؤشراته حتى الآن، أن الأمور تمضي في الاتجاه المعاكس تماماً: تماسك في البنية الإيرانية، مقابل مؤشرات لتصدعات واضحة داخل البنية السياسية والأمنية الأمريكية نفسها، وداخل إدارة ترامب وقاعدته، وهذه المفارقة لا تعد تفصيلاً عابراً، بل تشكل أحد أهم مفاعيل الحرب الجارية حتى الآن.
في قلب الحرب القائمة يمتلئ الفضاء العام اليوم بنقاشات حول مدى «الجنون» الذي وصل إليه عالمنا، وتجري مقاربة «الترامبية» والموقف منها على قاعدة هذا «الجنون» إما في نقاشها كظاهرة معزولة أو دون تأطير تاريخي كاف لأبعادها والمدى الذي تؤسس له خاصة لناحية أي عالم ضروري يجب تقديمه في وجهها.