في فهم معنى «الغاز مقابل الروبل» 11- (الأخيرة): الآن وهنا... لمحة عن المستقبل

في فهم معنى «الغاز مقابل الروبل» 11- (الأخيرة): الآن وهنا... لمحة عن المستقبل

هنا الحلقة الحادية عشر، ويمكن الرجوع عبر الروابط للحلقات السابقة: الأولى (1- العقوبات وسعر الصرف)، الثانية (2- إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا)، الثالثة (3-خلية الرأسمالية الأولى)، الرابعة (4- خطوة أخيرة قبل ظهور النقد)، الخامسة (5-أنتم ملح الأرض!)، السادسة (6- العملة رمزاً للقيمة!)، السابعة (7- رأس المال!)، الثامنة (8- الربح!)، التاسعة (9-التضخم!)، العاشرة (10-التضخم مجدداً، ووصولاً لعتبة البترودولار)

ركزنا في الحلقتين الماضيتين على التضخم بوصفه أحد الأعراض الكاشفة للمرض الرأسمالي، وبوصفه أحد أهم أدوات النهب التي تستخدم على النطاقات المحلية والدولية، ومن جيوب أصحاب الأجر باتجاه أصحاب الأرباح، ومن الشعوب والدول المنهوبة باتجاه المركز الغربي، وباستخدام الدولار بالدرجة الأولى.
انتقلنا بعد ذلك إلى معاينة تدريجية تاريخية لجملة مراحل قادتنا إلى الوضع الراهن الذي يعيشه العالم وهي: (1- ما قبل بريتين وودز، 2- بريتين وودز، 3- الاستعمار الاقتصادي (التبادل اللامتكافئ، 4-البترودولار (مقدمة)). وهنا سنستكمل فقرة البترودولار، وننتقل بعدها إلى معاينة المرحلة الراهنة التي نعيشها؛ مرحلة (غاز- روبل)، وننتهي إلى بناء تصورٍ أولي عمّا يمكن أن تؤول إليه الأمور في المدى المتوسط...

(الهدف النهائي لهذه السلسلة هو أن يتمكن القارئ من تكوين رأيٍ مستنير مما يجري هذه الأيام من تحولات كبرى على الساحة العالمية بما يخص البترودولار والدولار نفسه، وضمناً مسألة (الغاز بالروبل) بوصفها نقطة علامٍ في الانتقال نحو مرحلة جديدة، ليس بالنسبة لروسيا وحدها، بل وللعالم بأسره...)
وإذاً فلنتابع...

1073-10

البترودولار

في نهاية الحلقة السابقة كنا قد وصلنا إلى اللحظة التاريخية التي حمّل فيها شارل ديغول الطائرة- التي اتجه على متنها نحو واشنطن- بالدولارات الورقية مطالباً باستبدالها ذهباً، وعاد بما يقال: إنه بلغ 200 طن من الذهب، وقلنا: إنّ تلك اللحظة كانت الإيذان بتحوّل قادم في النظام المالي العالمي الذي تم إرساؤه في اتفاقية بريتين وودز عام 1944.
وإذاً، فقد كان أصحاب الدولار حتى تلك اللحظة وابتداءً من 1944، يقومون بطباعة الدولار دون تغطية ذهبية، ويشترون به بضائع حقيقية من العالم بأسره، مراكمين بذلك ثروات فلكية بين أيديهم على حساب العالم بأسره.
منطق الأمور، ابتداءً مما سُمي (صدمة نيكسون)، أي إعلانه عن فك ارتباط الدولار بالذهب، هو أنّ ذلك الإعلان، من شأنه أن يدفع نحو انكشاف التضخم الهائل للدولار، وأن يدفع نحو انهياره بسرعة قياسية. وانهيار الدولار عدا عمّا يمكن أن يحدثه من زلازل عالمية، فإنّ أوضح نتائجه المباشرة ستكون تلك التي ستحصل في الداخل الأمريكي نفسه؛ فانهيار قيمة الدولار تعني ارتفاع تكاليف المعيشة في الداخل الأمريكي بصورة فلكية، وهذا سيعني نهاية عصر الاستهلاك المفرط داخل الولايات المتحدة، والذي أمّن لسلطاتها تحييداً كاملاً تقريباً للشعب الأمريكي ليس عن السياسة الدولية فحسب، بل وحتى عن السياسة الداخلية. وانتهاء هذه «الحيادية» أو بالأحرى اللامبالاة، بالتوازي مع انهيار المستوى المعيشي، كان من شأنه أن يخلخل إلى الحد الأقصى الاستقرار الداخلي للولايات المتحدة، ناهيك عن دورها الدولي.
لهذه الأسباب كلها، كان من غير الممكن لأرباب الدولار أن يقبلوا ببساطة بإزاحته عن عرشه كعملة تبادل عالمية، وكان لا بد من فرض استمرار وضعه هذا بكل السبل الممكنة...

1073-6

وضمن الأدوات التي استخدمت لتحقيق ذلك، فإنّ الأكثر أساسية هي ما يلي:

أولاً: كان عددٌ كبير من دول العالم، وعلى أساس اتفاقية بريتين وودز نفسها، وبجهود صندوق النقد الدولي، قد تورّط بمراكمة احتياطات كبرى من الدولار؛ فالدولار لم يكن عملة تداول عالمي فحسب، بل وأيضاً كان عملة احتياط عالمية؛ أي أنّ عدداً من البنوك المركزية حول العالم، كانت تخزنه إلى جانب الذهب، وأكثر من الذهب، بوصفه الأساس الذي تستند إليه في طباعة عملاتها المحلية... ما يعني أنّ انهيار قيمة الدولار، كان سيعني أيضاً انهيار جملة عملات حول العالم. وبالمختصر، فقد كان الدولار «ورطة جماعية» لعدد كبير من الحكومات وأصحاب رؤوس الأموال حول العالم، وكان استمرار التكاذب المشترك حول احتفاظه بقيمته حلاً مؤقتاً على الأقل، ريثما يتم الإعداد لحلول ما للورطة...
ثانياً: وسواء كان الحديث عن دولٍ متورطة بالدولار أو غير متورطة به، وخاصة عن دولٍ لديها من الثروات والاحتياطات غير الدولارية ما يمكنها من تجاوز الدولار، فقد كانت الأداة المهمة الثانية في الحفاظ على موقع الدولار العالمي، هي الأداة القهرية: الانتشار العسكري الأمريكي حول العالم بأسره، عبر ما يزيد عن 800 قاعدة عسكرية. وضمناً السيطرة على مختلف طرق التجارة الأساسية في العالم، وخاصة طرق التجارة البحرية، وهي ذاتها الطرق الأساسية لتجارة الطاقة في حينه، ونسبياً حتى الآن.
ثالثاً: فرض تسعير النفط بالدولار حصراً في جميع المعاملات الدولية، والطريق نحو ذلك كان «الاتفاق/ الفرض» مع الدول الأساسية المنتجة للنفط وعلى رأسها السعودية... وجرى ذلك بشكل كامل بعد حرب تشرين 1973، والتي قيل إنّ النفط استخدم في حينها «كسلاح بيد العرب»، ولكنّ النتيجة التاريخية هي أنّ أزمة النفط في حينه بالتوازي مع الاتفاق الأمريكي السعودي على فرض التسعير بالدولار حصراً، كانت أنّ الدولار انتقل من معيار الذهب إلى مرحلة البترودولار...
بكلام آخر، فإنّ الدولار بات يحوز قيمته من تسعير النفط به؛ وبما أنّ النفط هو البضاعة الأكثر أهمية بين الخامات كلها، وهو قائد سوق الخامات، فكان ذلك يعني شيئين واضحين، الأول هو أنّ الكل سيبقى محتاجاً لاستخدام الدولار ما دام محتاجاً لشراء النفط (أي أنّ الطلب على الدولار سيستمر وبالتالي فإنّ سعره لن ينهار)، والثاني هو أنّ أسعار الخامات كلها (بما أن النفط قائدها) ستكون هي الأخرى بالدولار أيضاً... وتسعير الخامات في التبادلات الدولية بالدولار، يعني أنّ التجارة الدولية بأسرها، ستبقى قائمة على أساس الدولار.

1073-3

تقدير «متسامح» لتضخم الدولار

سمحت هذه العملية للأمريكان بمواصلة طباعة الدولار دون تغطية، وبمواصلة نهب العالم عبره لعقودٍ تالية... ولكنّ القانون الموضوعي دائماً ما يجد طريقه للتعبير عن نفسه، مهما حاول البشر الاحتيال عليه:
فرغم اتساع رقعة العالم واتساع رقعة التجارة الدولية، إلا أنّ تحول العالم بأسره إلى سوق واحدة، دفع في نهاية المطاف إلى أنّ القانون الذي يتم تطبيقه على الكتلة النقدية في إطار اقتصاد واحد لدولة واحدة، بات هو نفسه يطبق بشكل أوضح على الكتلة النقدية الدولارية في العالم بأسره...
باتت الكتلة الدولارية المعروضة في التداول العالمي، أكبر بما لا يقاس من حجم الإنتاج العالمي. على سبيل المثال لقد تم تقدير كتلة الدولارات المتداولة في العالم عام 2008 بأنها بين 600-1000 ترليون دولار. عام 2010، وكان تقدير حجم الناتج الإجمالي العالمي هو حوالي 62 ترليون دولار.
كنا قد مررنا في حلقة سابقة على القانون الذي يحدد الكتلة النقدية الضرورية وهو:
الكتلة النقدية الضرورية = كتلة البضائع/ سرعة الدوران
وقلنا إنّ رقم سرعة الدوران يتراوح بين 1 و5، وهو دائماً أكبر من 1.
وقلنا إنّ وجود كتلة نقدية في التداول (معروض نقدي) أكبر من الكتلة النقدية الضرورية، يعني أنّ هنالك تضخماً، تزداد نسبته كلما زادت نسبة المعروض النقدي في التداول على الكتلة النقدية الضرورية.
وإذاً، فلنحاول حساب الكتلة النقدية الدولارية الضرورية. وضمن هذا الحساب لعام 2010، علينا أن نأخذ في الحساب الاعتبارين التاليين:
الدولار في حينه، ليس عملة التداول العالمي الوحيدة، فهنالك إلى جانبه اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني...
هنالك أسواق بكاملها في ذلك الوقت، كانت قد خرجت وإنْ جزئياً من التداول الدولاري الداخلي، بينها السوق الأوروبي، والصيني والروسي.
هذان الاعتباران يعنيان أنّ الدولار لم يكن يمثل في تلك المرحلة كل التبادلات الدولية، أي أنه لم يكن يمثل كامل الناتج الإجمالي العالمي، وإنما جزءاً منه. وذلك الجزء لا يخدم أكثر من 50% من مجمل الناتج العالمي.
وبافتراض أنّ سرعة الدوران هي 1.5 فقط، مع أنها بالتأكيد أكبر من ذلك، وخاصة مع الدور الجديد للبورصة (منذ أواسط التسعينات باتت المضاربة تشكل 90% من أنشطة البورصات، مقارنة بـ 10% قبل ذلك... والمضاربة هي شكل من أشكال تسريع دوران المال).
مع هذه الافتراضات والاعتبارات كلها، بات يمكننا تقدير الكتلة الدولارية الضرورية عالمياً عام 2010:
الكتلة الدولارية الضرورية = 50% من الناتج العالمي/1.5= 20.6 ترليون دولار.
أي أنّ ما كان يحتاجه العالم فعلاً عام 2010 من الدولارات لا يتجاوز 21 ترليون دولار، في حين أنّ كم الدولارات الموجود في التداول هو على الأقل 600 ترليون دولار... ما يعني تضخماً نسبته 600/21= 2857%...
وعلينا أن نتذكر أنّ كل هذه الحسابات، هي تقريبية وافتراضية لأنها قائمة أساساً على جملة أرقام بينها الافتراضي وبينها المتلاعب بطريقة حسابه؛
فأما الحجم الفعلي للدولار في السوق العالمية، فلا يمكن لأحد أن يحسبه بدقة ويعرفه إلا البنك الفيدرالي نفسه. وأما بالنسبة للأرقام الحقيقية للناتج العالمي فهي دائماً أقل بكثير من الأرقام المعلنة؛ وكنا قد أشرنا في الحلقة الماضية إلى التلاعب الذي يجري في طريقة الحساب الميركانتيلية لحجم الناتج ويسمح بتضخيمه بشكل هائل، كأساس لزيادة طباعة النقود، وبالتالي كأساس لزيادة التضخم... بوصفه أداة للنهب.

1073-2

غاز- روبل

شكّل الإعلان الروسي يوم 23 آذار الماضي، عن بيع الغاز الروسي لـ«الدول غير الصديقة» بالروبل، عنواناً لمرحلة جديدة بالكامل، ليس بالنسبة لروسيا وحدها، بل وللعالم بأسره.
قبل كل شيء، كان من الممكن ملاحظة تأثير ذلك القرار بشكل فوري تقريباً على سعر صرف الروبل الروسي، (وهو ما توقفنا عنده في الحلقة الأولى من هذه السلسلة)، ونختصره هنا بالقول: إنّه إذا كان من المعتاد أنّ الولايات المتحدة حين تعاقب بلداً من البلدان، فإنّ أول الآثار الواضحة هي انهيار سعر صرف عملته، وتالياً تداعي اقتصاده وتدهوره، ومعه تدهور الوضع المعيشي لسكان ذلك البلد.
ما حصل مع روسيا، ورغم أن العقوبات التي طبقت عليها حتى الآن، وعبر 6 موجات، هي عقوبات غير مسبوقة على الإطلاق، بكثافتها وتنوعها وعدد الأطراف المشاركة فيها، إلا أنّ النتيجة جاءت عكسية؛ فسعر صرف الروبل بات الآن أفضل مما كان عليه قبل العقوبات، بل وفي أفضل وضع له منذ ما يقرب 5 سنوات.
أضف إلى ذلك، أنّ حجم التضخم وارتفاع الأسعار في الدول التي طبقت العقوبات، أعلى منه في روسيا نفسها؛ حتى إنّ بعض المواد الأساسية (البنزين مثلاً) قد انخفض سعرها في روسيا حوالي 10% عما كان عليه قبل 24 شباط. وأما بالنسبة لأسعار الخدمات المنزلية الأساسية (غاز منزلي، كهرباء، انترنت، مواصلات، مياه ساخنة) فإنها بقيت على حالها دون أي تغيير في روسيا، بينما ترتفع بشكل متواصل في كل الدول التي طبقت العقوبات.
ولكن هذا كلّه، ليس جوهر المسألة، وإنْ كان مهماً بحد ذاته بوصفه مؤشراً هاماً على أنّ هنالك شيئاً جديداً، على الأقل ضمن ما نتذكره كأفراد وما عايشناه من التاريخ... وربما من المفيد قبل الانتقال إلى المعاني العميقة لـ(الغاز- روبل)، أن نستحضر بشكل مختصر مثالاً تاريخياً مشابهاً إلى حد ما، ومن روسيا نفسها.

هامش: (الإصلاح المالي لعام 1947)

يستحق الإصلاح المالي الذي أجراه ستالين عام 1947 في الاتحاد السوفييتي، أن يدرس بشكل مستقل وموسع. ولن ندخل هنا في تفاصيله كلها، ولكن سنذكر بضع نقاط أساسية حوله:
من المعلوم أنّ الاتحاد السوفييتي كان قد تعرض خلال الحرب العالمية الثانية لأقسى وأضخم حجم من الخسائر مقارنة بكل القوى التي شاركت في الحرب، بما في ذلك ألمانيا النازية نفسها؛ يكفي أن نقول: إنّ ما يصل إلى 25 مليون روسي قد قتلوا خلال تلك الحرب، ناهيك عن الدمار الهائل لمدن بأسرها.
رغم ذلك كلّه، تمكن السوفييت من تحقيق معجزة كبرى في عملية إعادة الإعمار، هي في الحقيقة أضخم بما لا يقاس مما يسمى «المعجزة الألمانية» والتي استندت لتمويل غربي كثيف كان هدفه الأساسي تحويل ألمانيا الغربية إلى خط تماسٍ مباشر مع الاتحاد السوفييتي، وإلى مركز أساسي ضمن الحرب الباردة بأشكالها المتنوعة.
كي لا يبقى الكلام عاماً، سنذكر بضعة أرقامٍ ومعلومات أساسية حول نتائج الإصلاح المالي الذي أجراه ستالين عام 1947، كجزء من خطة اقتصادية-سياسية متكاملة:
رفض ستالين التوقيع على اتفاقية بريتين وودز، رغم أن الوفد السوفييتي شارك في إعداد وثائق المؤتمر حتى آخر لحظة، ضمن إيحاء بإمكانية التوقيع. وكان ذلك بغرض التقليل من مساوئ ذلك المؤتمر قدر الإمكان. وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الاتحاد السوفييتي في حينه لم يكن قد امتلك السلاح النووي بعد، ووصلت الأمور بالأمريكان والبريطانيين أن هددوا بشكل مباشر وشبه مباشر باستخدام ذلك السلاح في حال امتنع الاتحاد السوفييتي عن الخضوع... (كشفت الوثائق التاريخية لاحقاً الخطة الأمريكية البريطانية «unthinkable» لعام 1945، والتي تضع الخطوط العريضة لحرب محتملة مع الاتحاد السوفييتي، ناهيك عن المذكرة رقم 329 للجنة المخابرات الأمريكية المشتركة في العام نفسه، والتي حددت 20 هدفاً في الاتحاد السوفييتي وفي المناطق التي يسيطر عليها، لضربات نووية. وبين هذه الحوادث الأساسية التي سبقت الإصلاح المالي لستالين لا يمكن إغفال خطاب ونستون تشرشل في فولتون الأمريكية يوم 5 آذار 1946، والذي قال فيه علناً بـ: «ضرورة توحد الولايات المتحدة وبريطانيا لمحاربة شيوعية الاتحاد السوفييتي».
زاد المعروض النقدي خلال الحرب (أي زاد التضخم وانخفضت القدرة الشرائية للعملات) بالشكل التالي: في ألمانيا 6 مرات، إيطاليا 10 مرات، اليابان 11 مرة، الاتحاد السوفييتي 4 مرات.
تمكن الاتحاد السوفييتي بفضل مجمل السياسات التي اتخذها، وفي مركزها إصلاح 1947، أن ينهي نظام بطاقات/ كوبونات الإعاشة، في عام الإصلاح نفسه، بينما استمر نظام البطاقات/ الكوبونات في كل دول أوروبا لأعوام بعد ذلك؛ حتى بريطانيا التي لم تجر الحرب على أراضيها، فإنّ البطاقات لم تلغ فيها حتى مطلع الخمسينيات.
رافق إلغاء البطاقات في الاتحاد السوفييتي (وعلى عكس كل الدول الأخرى) انخفاض في أسعار الخبز والطحين والمعكرونة والحبوب والبيرة. وبذلك تم تخفيض أسعار الخبز والدقيق بمعدل 12٪. والحبوب والمعكرونة- بنسبة 10٪، إلخ. ومنذ عام 1949 بات تخفيض الأسعار السنوي في الربيع، تقليداً ثابتاً (إلى أن جاءت «إصلاحات» خروتشوف ودمرت ذلك).
زاد الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد السوفييتي عام 1950 بمقدار 8.8 مرة مقارنة بعام 1913، وجميع المنتجات الصناعية- بمقدار 13 ضعفاً، وإنتاج وسائل الإنتاج (المجموعة أ: أي وسائل إنتاج وسائل الإنتاج) - بمقدار 27 ضعفاً، وإنتاجية العمل الاجتماعي- بمقدار 8.4 مرة.
تضمن الإصلاح ربط الروبل بالذهب، واستخدام روبلين: واحد للتبادل الداخلي، وثانٍ للتبادل الخارجي، ورفض ستالين أن تتم أي تجارة خارجية للاتحاد السوفييتي على أساس الدولار، وتمكن خلال بضع سنوات من الاتفاق مع عدد من الدول لتشكيل حيّز اقتصادي عالمي خارج سطوة الدولار... وهذه وحدها تسمح لنا بفهم حجم الحقد الذي تحمله الرأسمالية ككل ضد ستالين، والمستمر حتى اللحظة؛ لأنّ المطلوب ليس دفن الشخص فقط، بل ودفن النموذج معه...

1073-3

ملاحظة:

الغرض من استحضار هذا المثال التاريخي يتلخص في نقطتين أساسيتين:
أولاً: حين تتوفر الإرادة السياسية المنحازة لعموم الناس، فإنّ بلداً بحجم وإمكانات روسيا، يمكنه أن يقف في وجه الغرب مجتمعاً، مع الأخذ بالاعتبار أنّ ظروف روسيا الآن (عسكرياً واقتصادياً ودولياً) أفضل بما لا يقاس مما كانت عليه يوم رفض ستالين توقيع بريتين وودز، ويوم أجرى الإصلاح المالي لعام 1947.
ثانياً: إنّ كل ما نراه من إجراءات تقوم بها روسيا حتى اليوم، لم يصل بعد، وما يزال أمامه طريق غير قصير، ليرتقي إلى مستوى ما قام به ستالين في حينه... أي أنّ الطاقات الكامنة ما تزال أكبر بكثير مما نراه حتى الآن، ويعني ذلك أيضاً أنّ التوازنات الداخلية ضمن مؤسسة الحكم الروسي، بما تمثله اجتماعياً، ما تزال بعيدة عمّا كانت عليه أيام ستالين، وإنْ كان الاتجاه الموضوعي للأحداث، سيدفعها دفعاً، وبشكل متعاظم، باتجاهٍ محددٍ لا بديل عنه.

بعض معاني (غاز- روبل)

بعد هذا الفاصل التاريخي، نعود مجدداً لقراءة معاني (غاز- روبل) المعاصرة، والتي يمكن أن نلخصها بما يلي:
أولاً: فرض الروبل كعملة لقسم من التبادلات الطاقية في العالم، إضافة إلى تكثيف التبادلات البينية بالعملات المحلية، يعني وضع الأساس الأولي لضرب البترودولار؛ أي أنّ الباب بات مفتوحاً بالمعنى التاريخي، أمام منتجي ومشتري حوامل الطاقة، لكي يتحرروا من استعباد الدولار المتضخم ومن نهبه.
ثانياً: إذا كان البترودولار (أي تسعير الطاقة بالدولار)، هو الأداة الأساسية التي حمى الدولار موقعه العالمي من خلالها، وتالياً نهبه، فإنّ انهيار البترودولار، سيعني أيضاً انهيار الدولار نفسه، الذي لن يكون مغطى عندها لا بالذهب ولا بالطاقة، وسيكون النموذج الأول لمعارضته قد تم إرساؤه ولم تنفع ضده لا القواعد العسكرية ولا العقوبات الاقتصادية ولا المهرجانات السياسية.
ثالثاً: انهيار الدولار سيعني انهيار المنظومة العالمية بأسرها، ليس المالية والاقتصادية فحسب بل والسياسية أيضاً... وهذه عملية يكاد يكون من المستحيل حصر حجم تأثيراتها وامتداداتها على العالم بأسره، بما في ذلك وضع الأنظمة المختلفة ووضع الأزمات الإقليمية المختلفة.
رابعاً: بات معلناً أن روسيا ستنتقل لتسعير كافة صادراتها من المواد الخام بالروبل، وليس الغاز فقط. وبما أنّ النفط والغاز هما قائدا سوق الخامات، فهذا يعني أنّ عملية التحرر من الدولار، لن تقف عند حدود الطاقة، بل ستشمل مع الوقت كل الخامات الأولية... وإنهاء خضوع الخامات للتبادل الدولاري، لن يعني انهيار الدولار فحسب، بل سيعني انهيار الأساس الأكثر أهمية للاستعمار الاقتصادي (التبادل اللامتكافئ)، أي أن هذه العملية، بتطورها، من شأنها أن تحدث انقلاباً جيوسياسياً واقتصادياً عالمياً يطوي مرحلة الاستعمار الغربي بشقيه المباشر والاقتصادي، والمستمرة منذ ما يقرب الأربعة قرون.

خاتمة

قد تبدو الاستنتاجات/ التوقعات التي ختمنا بها هذه السلسلة بالنسبة للبعض، ضرباً من الخيال والتمني، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه هو ما يلي:
أولاً: استكمال العمليات التاريخية التي ذكرناها أعلاه، لن يتم خلال أشهر أو سنوات قليلة، بل سيأخذ مداه، وربما يحتاج عقداً أو أكثر حتى يتبلور بشكل كامل... المهم في المسألة هو فهم الاتجاه التاريخي، الميل العام، الذي تسير وفقه الأحداث.
ثانياً: قبل 10 سنوات من الآن، كان أولئك الذين يقولون بأزمة أمريكية مستعصية وغير قابلة بالحل، يُتهمون بالجنون، وقبل عشرين عاماً كانوا يُتهمون بالجنون المطلق... ولكن ها هي الحياة تتكلم بنفسها.
ثالثاً: هذه العمليات بأسرها، لا يمكنها أن تكتمل دون أن تقترن بـ«العامل الذاتي»، أي بالنشاط المنظم والموحد لأصحاب المصلحة في التغيير، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية... وهؤلاء هم المنهوبون حول العالم، والذين لا ينهبهم الدولار فقط (وإن كان أكبر ناهبيهم) بل وتنهبهم أيضاً عملاتهم المحلية، وعلى العموم الرأسمالية في كل مكان...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1073
آخر تعديل على الأربعاء, 08 حزيران/يونيو 2022 12:51