إيمان الذياب
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تنقل بعض وسائل الإعلام الأخبار والأحداث دون تحليل عميق للقضية الكامنة خلف الحدث، والحدث الذي تناوله الإعلام هذه المرة مدهش فعلاً. فقد تجاوزت مسيرات المقاومة و«هداهدها» الحدود المفروضة والأسوار العازلة وحلقت فوق الأراضي المحتلة ووثقت رحلتها بالصور. حمل الهدهد الرسالة واضحة إلى العدو، هذه الأرض لنا.
ثمة لحظات وأحداث فارقة في التاريخ، تُكسَر فيها كثير من «المسلّمات» المستمرة لسنوات عديدة، وتُحفز وتستقطب فئات وشرائح واسعة من المجتمع، تستعيد ثقتها بقدرتها على الانتظام والعمل بصورة جماعية. يمكن اعتبار طوفان السابع من أكتوبر/ تشرين الماضي، حدثاً نوعياً ولحظة مدروسة شاركت في إعادة تشكيل الوعي، وتغيير المفاهيم والحقائق وإعادة بناءها من جديد.
تلخص شخصية مسعود في مسلسل التغريبة الفلسطينية حالة الخروج من الذهول التي أصابتهم بعد النكبة وتشريد الفلسطينيين في المخيمات: «العالم كلو تآمر علينا ورمانا للخيمة عشان هيك صار كلو حقنا، اللي مالوش بيت، كل البيوت حقو. واللي مالوش حق كل الدنيا حقو»، ويكمل مطالباً أخاه «المثقف» أن يصحو وأن يخرج من سلبيته ويفعل شيئاً: «بدل ما تتلقح تحت عمود خيمتك، اخلعوا واطلع فيه، خود حقك بالمنيحة ولا بالعاطلة، ما تقولّيش بيصير ولا ما بصرش إذا (إسرائيل) قامت كل إشي بِصير»
ثمة أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات وتطرح نفسها علينا اليوم بقوة أكثر من أي وقت مضى. أسئلة تتعلق بالماضي يطرحها علينا الحاضر والمستقبل، والماضي هنا بما يعنيه كتاريخ، سواء كان تاريخ شعوب بعينها أو تاريخ البشرية جمعاء. أما عن لماذا البشرية جمعاء؟ فالإجابة ممكنة إلى حد ما.
تقدم المقاومة الفلسطينية اليوم وخلفها صمود الشعب الفلسطيني نموذجاً يستحق الدراسة كغيرها من منظومات المقاومة الحالية أو تلك التي مرت في التاريخ، فهي تشكل مدرسة فكرية وسياسية وعسكرية وأخلاقية... في عالم يتغير وتُخلق فيه فضاءات جديدة ويعاد فيه إنتاج المعنى الحقيقي للإنسان.
تشبه «ديمقراطية» الغرب والولايات المتحدة الأمريكية المفرقعات النارية عندما تطلق في الهواء، فهي تعد بالكثير، أصوات عالية وألوان صارخة ولكن ما أن تنفجر في السماء حتى تتلاشى مخلفة وراءها الفراغ.
في كتاب أنطونيو غرامشي «شجرة القنفذ والرسائل الجديدة»، مجموعة من رسائل قصيرة مرسلة إلى زوجته وطفليه الصغيرين دليو وجوليانو الأثيرين إلى قلبه كما كان يحب أن يخاطبهما. لم يكن في هذه الرسائل أسرار فكرية وفلسفية كبرى بل مجرد كلمات بسيطة وعميقة مغموسة بحنان أبوي فائض، لرجل يقضي أيامه في سجن الفاشيين حينها بينما أطفاله يكبرون في الخارج.
«اليوم الأمور تتغير، اليوم يُخلق بشرٌ جديدون، اليوم تُقلب الصّفوف ليصبح الآخِرون هم الأولون والأولون هم الآخِرون، والقيادات التّقليديّة المحليّة التي طالما ساومت ولم تكن بقدر المسؤولية، في طريقها إلى فقدان مواقعها لصالح شريحة أوسع بكثير، تنظم نفسها أفقياً ومن دون تمثيل».
ثمة ثقب في الروح لا يمكن لأي علاج أن يشفيه، فليس أصعب على الإنسان رجلاً كان أو امرأة من أن يخطف الموت طفله منه أمام عينيه، وكلنا أطفال بعيون أمهاتنا وآبائنا مهما كان السنّ الذي بلغناه.
تروي الميثولوجيا اليونانية أسطورة بروكرست وكان لديه عادة سيئة تتمثل في قطع ساقي وذراعي ضيوفه، أو مط أجسادهم حتى تتكسر مفاصلهم، لجعلهم في حجم سريره سيِّئ السمعة. يشبه النظام العالمي السائد في الوقت الحاضر سرير بروكرست، حيث يبدو العالم اليوم وكأنه قد أصيب فجأة بالجنون. وتفاصيل الحياة اليومية المرهقة أنتجت شعوراً متزايداً بأن حياتنا محكومة من قوى خارجة عن سيطرتنا.