قاسيون
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كان بطل العالم في الشطرنج، إيمانويل لاسكر، هو أول من أدخل الكلمة الألمانية Zugzwang (تسوغ تسفانغ) إلى اللغة الإنكليزية عام 1905، ومعناها الحرفي هو «حركة إجبارية»؛ وهي تصف أوضاعاً محددة في لعبة الشطرنج، حين لا يكون أمام اللاعب سوى مجموعة من الخيارات، جميعها سيئة، بحيث إن أي نقلة يقوم بها تجعل وضعه أسوأ مما كان عليه قبل القيام بالنقلة، وتجعله يتمنى لو أن قواعد اللعبة تسمح له بأن يقول: «pass» (مرر)، متخلياً عن دوره لخصمه؛ الخصم بدوره، ينتظر مبتسماً، وهو يعلم أن قوانين اللعبة ثابتة، وأن على اللاعب أن يحرك حتماً حين يأتي دوره، ولذلك على خصمه أن ينتقل بيده وبقراره إلى وضع أسوأ، ولكن له حرية الاختيار بين مجموعة من الأوضاع، السيئة جميعها... كذلك الأمر اليوم بما يخص الحرب الأمريكية/«الإسرائيلية» ضد إيران.
ما جرى في ملف تسديد أثمان المحروقات خلال آذار 2026 لم يكن مجرد تعديل تقني في آلية الدفع، بل نموذج مكثّف لكيفية صناعة القرارات الاقتصادية تحت الضغط، وكيف تتراجع عندما تصطدم بالواقع.
في الوقت الذي تُصدر فيه سورية مئات الأطنان من اللحوم الحمراء إلى الخارج، ونشهد تمديداً لاستيراد فروج الريش وصوص التربية وبيض الفقس، فإن المواطن السوري هو الخاسر الأكبر.
لم يعد بالإمكان الاحتماء بذريعة «زيادة الطلب في شهر رمضان» لتبرير الانفلات السعري. انتهى الشهر، وسقطت معه الحجة، لكن الأسعار لم تتراجع، ولم تهدأ وتيرة الارتفاع، بل استمرت وكأن السوق يعمل خارج أي منطق اقتصادي سليم. هذا الواقع لا يفضح هشاشة التبريرات السابقة فقط، بل ينسف أيضاً الخطاب الذي طالما تغنى «بالسوق الحر التنافسي» كآلية قادرة على ضبط الأسعار تلقائياً.
في 26 آذار 2026، أعلنت مديرية صحة محافظة ريف دمشق عن طلب عروض لتنفيذ مشروعي تعقيم وتطهير مشفى قطنا الوطني ومشفى القطيفة الوطني، لتبدو على الورق منافسة رسمية وشفافة، لكن الواقع يكشف صورة مغايرة تماماً، فهذه المناقصات، كما غيرها من المناقصات العامة، تبدو كأنها طقوس قانونية تغطي على توزيع الفرص بين جهات محددة مسبقاً، مستنسخة من ممارسات السلطة الساقطة التي كانت تدير العمل المؤسسي لمصلحة نخبة ضيقة على حساب المصلحة العامة وخزينة الدولة والاقتصاد الوطني.
في 16 آذار 2026، صدر تعميم هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات ليمنح مهلة ثلاثة أشهر لتجديد القيد في سجل المصدرين، تبدأ في 1 نيسان وتنتهي في 30 حزيران، في خطوة بدت واضحة المعالم؛ لا تصدير بعد اليوم خارج إطار تنظيمي محدث ودقيق. فالإعلان يبدو نظرياً بمثابة إشارة إلى أن مرحلة «الفوضى المقبولة» في التجارة الخارجية قد شارفت على نهايتها، وأن الدولة تتجه نحو إعادة تعريف من هو «المصدر الحقيقي» ومن يحق له أن يمثل الاقتصاد الوطني في الأسواق الخارجية.
أعلنت شركة كهرباء دمشق عن صدور فاتورة الدورة الأولى لعام 2026، مطالبةً المواطنين بالإسراع في التسديد تحت طائلة تراكم الديون وفرض غرامات التأخير. إعلان بارد في لغته، روتيني في شكله، لكنه في مضمونه يشبه صب الزيت على نارٍ مشتعلة في صدور الناس.
مع انتهاء الشهور الثلاث الأولى من عام 2026، سجّل «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، حيث بلغ وسطي التكاليف نحو 12.5 مليون ليرة سورية، فيما قُدّر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بـ7,816,764 ليرة. يتوازى هذا الارتفاع مع تدهور متواصل في المستوى المعيشي، ورغم قرار رفع أجور العاملين في القطاع العام بنسبة 50% (لا تشمل المتقاعدين ولن تقبض قبل شهر أيار)، فإن الحد الأدنى الرسمي للأجور يظل غير قادر على تلبية سوى ثلاثة أيام تقريباً من حاجة الأسرة للاستهلاك بحدها المتوسط وأقل من خمسة أيام بحدها الأدنى، ما يعكس فجوة شاسعة بين الدخل والإنفاق الضروري.
ليست الهند طرفاً محارباً في النزاع المتوسع بين إيران وأمريكا و«إسرائيل». طائراتها المقاتلة لا تضرب طهران، وسفنها الحربية ليست في مرمى النيران. ومع ذلك، من بين جميع الاقتصادات الكبرى، لا يوجد بلد لديه ما يخسره من إغلاق مطوّل لمضيق هرمز أكثر من الدولة الأكثر سكاناً في العالم.
رغم الفوضى التي اتسمت بها تطبيقاتها العملية، انطلق المنطق الأولي المعلن لسياسات دونالد ترامب الجمركية من هدف استراتيجي واحد: توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي داخل الأراضي الأمريكية. فوفقاً لهذه الرؤية الاقتصادية، يُتوقع من الشركات- سواء الأمريكية أو الأجنبية- أن تستبدل الإنتاج المحلي بالواردات الأمريكية حين تواجه تعريفات جمركية مرتفعة. ويُفترض أن يرافق بناء المصانع داخل الولايات المتحدة توسُّع ملموس في فرص العمل، يستهدف قاعدة صناعية أُفرغت على مدى عقود بفعل الأتمتة المتسارعة، ونقل خطوط الإنتاج إلى الخارج بحثاً عن تكاليف أقل. ورغم أنه لا ينبغي اتهام ترامب بوضوح الرؤية، أو اتساق المنهج، فإن شعاراته «أمريكا أولاً» وتسويقها السياسي تحت يافطة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» تستحضر صوراً نوستالجية من النظام الاقتصادي المبكر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 60% من السلع المصنعة عالمياً، رغم أنها تضم 6% فقط من سكان العالم، وتحقّق فائضاً تجارياً، أو توازناً مستمراً في تجارتها الخارجية. في تلك الحقبة الذهبية، كان بإمكان الطبقة العاملة- التي كانت نقابيتها قوية، وتمتعها بحماية قانونية واسعة حينها- أن تتوقع مكاسب أجور تتماشى مع نمو الإنتاجية، مما عزز الطبقة الوسطى الأمريكية، ووسع قاعدة الاستهلاك المحلي.