أمريكا في مأزق وروسيا أمام اختبار والصين في موقع الانتظار
دخل الوضع العالمي اليوم في مرحلة من التحولات الدقيقة: يحاول ترامب قدر الإمكان تقليل الآثار السلبية التي جلبتها له حرب إيران، كما بدا أن الاتفاق الأمريكي الإيراني، وسط التكرار والتقلب، قد أظهر مؤشرات على إمكانية ما. سيبدأ الرئيس الروسي بوتين أيضاً زيارة إلى الصين، ما جعل العالم أكثر امتلاءً بمساحة التخيل حيال اتجاه العلاقات الثلاثية بين الصين وأمريكا وروسيا.
أندريه كورتونوف وهوانغ جينغ
ما حقيقة النجاح والفشل في الحرب الإيرانية؟ وما التحديات التي ستجلبها «القوة التخريبية» لإدارة ترامب على الاستقرار العالمي؟ وكيف ينبغي مواجهة «الانحدار غير المنظم» لأمريكا؟ إليكم جزء مهم مما جاء في نقاش لهذه الأفكار في لقاء بين البروفسور هوانغ جينغ من جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، وأندريه كورتونوف المدير المؤسس لمجلس الشؤون الدولية الروسي، مع أقلّ قدر من التصرف لطول اللقاء.
إيران لم تسقط في هذه الحرب
جينغ: نعلم أن أمريكا شنّت على إيران ما يسمى «حرباً غير ضرورية». من زاوية روسيا، كيف تنظرون إلى هذه الحرب؟ ما أكثر ما ترك فيكم انطباعاً عميقاً بشأن طبيعة هذا الصراع أو آثاره؟
كورتونوف: بخصوص المسألة الإيرانية، سألت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عندما جاء إلى موسكو نهاية العام الماضي: «إذا وجّهت إسرائيل وأمريكا ضربة جديدة إلى بلدكم، ماذا تنوون أن تفعلوا؟ وماذا تتوقعون منا، نحن روسيا؟». أجاب: «مثل هذه الأمور قد تحدث فعلاً، وقد تتكرر تجربة «حرب الاثني عشر يوماً». لذلك نحن الإيرانيون مستعدون دائماً، وقد واصلنا تخزين الصواريخ، وأصبح لدينا الآن فهم أعمق لمنظومات الدفاع الإسرائيلية. لذلك إذا تجرؤوا على شن ضربة، فستكون المعارك أشد بكثير مما سبق. نحن نتوقع من روسيا أن تدعم قضيتنا، وأن تتخذ أشد المواقف صرامة داخل المنظمات الدولية متعددة الأطراف، وأن ترفع صوتها عالياً ضد العدوان. كما نتوقع منكم تقديم الدعم بطرق أخرى، وهذه الطرق يمكن أن يناقشها الطرفان».
بعد بدء هذا العدوان، كان الانطباع لدى كثيرين أن ترامب ونتنياهو يريدان تغيير النظام في إيران. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالبرنامج النووي الإيراني الجاري تطويره، ولا ببرنامج الصواريخ الباليستية، بل لم يكن حتى متعلقاً بسلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة فحسب، وإنما كان متعلقاً بتغيير النظام. إذا أعدنا النظر إلى بداية كانون الثاني، فقد كانت الاحتجاجات في شوارع إيران فوضوية إلى حد كبير. لذلك اعتقدت أمريكا و«إسرائيل» أنه بمجرد توجيه ضربة إلى طهران، سينهار النظام الإيراني كله مثل بيت من ورق. لكن كما رأينا، لم يحدث شيء من هذا. وعلى العكس تماماً، دفعت هذه الأزمة المجتمع الإيراني إلى الوحدة السياسية. حتى أولئك الإيرانيون الذين كانوا أصلاً يتخذون موقفاً معارضاً للحكومة بدأوا يشعرون بأن هذا الهجوم الأمريكي «الإسرائيلي» تجاوز الحد كثيراً، وأنهم أمام هذا العدوان الفظيع مضطرون إلى دعم القيادة. لذلك، بصورة أساسية، لم نر موجة ثانية من الاحتجاجات. طبعاً، نحن جميعاً نعلم أن الوضع الاقتصادي في إيران يتدهور، وإذا استمر الصراع، فسيتواصل التدهور.
لكن في الوقت نفسه، لا توجد أي مؤشرات تدل على أن إيران ستنهار من الداخل إذا زادت أمريكا أو «إسرائيل» الضغط عليها أكثر. أعتقد أن ذلك لن يحدث، ونحن الآن في حالة جمود. وربما الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو أن ترامب كان بالفعل مهتماً جداً في السابق بالبرنامج النووي الإيراني، وكان قلقاً من تطوير إيران لسلاح نووي. لكن يمكننا الآن أن نخلص إلى نتيجة: لقد وجد الإيرانيون بديلاً فعالاً جداً عن القنبلة النووية، وهو القدرة على السيطرة على مضيق هرمز. وأعتقد أن من المستحيل عملياً على أمريكا أن تسيطر على هذا الممر المهم جداً للتجارة الدولية خلافاً لإرادة طهران، لذلك لا بد من التوصل إلى اتفاق مع إيران. أعتقد أن هذا ما لم يتوقعه ترامب ولا نتنياهو. إنهما الآن يرتجلان، ولا توجد خطة واضحة ترشدهما إلى ما ينبغي فعله تالياً.
منذ هجوم حماس على «إسرائيل» في 7 تشرين الأول 2023، كان الانطباع لدى الناس أن مكانة إيران في المنطقة تتراجع باستمرار. لكن الآن، قد يتشكل وضع جديد تماماً، وقد تنهض إيران أقوى مما كانت عليه من قبل. رغم أن هذا الصراع كبّد إيران خسائر
هائلة، واستنزف جزءاً من قوتها العسكرية، فإن إيران، على المستوى السياسي، قد ربحت. إنها لم تُهزم، مهما روّج ترامب أو أي شخص آخر لذلك.
• جينغ: أتفق معك. أعتقد أن إيران أصبحت أقوى من السابق اقتصادياً وعسكرياً. أنتجت إيران جيلاً جديداً من القيادة، وكلهم نشأوا بعد عام 1979، وكلهم مرّوا بلحظات تاريخية مهمة، مثل: الثورة الإسلامية، والحرب العراقية الإيرانية، ولديهم خبرة طويلة في ساحات المعارك، كما يبدون أكثر راديكالية سياسياً. والأهم من ذلك، أن هذا الهجوم الأمريكي «الإسرائيلي» أثار فعلاً شعوراً قومياً قوياً جداً، وليس مجرد إسلاموية، ولذلك فقد وحّد الإيرانيين في مواجهة الهجوم الخارجي.
وما فاجأني أيضاً هو أن دونالد ترامب ونتنياهو لم تكن لديهما، على ما يبدو، خطة ثانية. بعد الموجة الأولى من الهجوم، بقيت إيران واقفة، ثم لم يعرفا ماذا يفعلان. عند تحليل القوات التي استثمرتها أمريكا و«إسرائيل» في هذه العملية العسكرية، يمكننا أن نشعر بمدى تهورهما، وهو أمر صادم فعلاً. عندما هاجمت أمريكا أفغانستان عام 2001، أرسلت خمس مجموعات قتالية من حاملات الطائرات وقوات برية، إضافة إلى عمليات مشتركة مع الناتو، وكان هناك قرابة 1000 طائرة، كما كان هناك قرار من مجلس الأمن الدولي. وفي العراق عام 2003، أرسلت أمريكا، بالتعاون مع الناتو، ست مجموعات قتالية من حاملات الطائرات، وأكثر من 1200 طائرة مقاتلة، كما نشرت قوات برية. أما هذه المرة، فلم ترسل إلا بالكاد مجموعتين قتاليتين، ومن دون أي شرعية، ومن دون أي دعم دولي، بل حتى من دون دعم الحلفاء، وبأقل من 400 طائرة.
لم تكن أمريكا معزولة كما هي الآن من قبل. وكما قلت، نحن الآن في حالة جمود، وأمريكا و«إسرائيل» تفتقران إلى خطوات لاحقة. هذا الأمر جعلني فعلاً أشعر بصدمة عميقة: باعتبارهما قوة عظمى وقوة عسكرية، عندما تخوضان قتالاً واسع النطاق بهذا الحجم مع بلد مثل إيران، وهو أقوى بكثير من العراق أو أفغانستان، لا تكون لديهما خطة لاحقة. إذا أرادتا مواصلة القتال، فمن الواضح أن القوات الموجودة حالياً لدى أمريكا و«إسرائيل» لا تستطيع الاستمرار في هذه الحرب. أما إذا أرادتا تهدئة الحرب، فعليهما إيجاد سبيل للتسوية.
في رأيي، يتجلى هذا في مسألة مضيق هرمز. في السابق، كانت تلك مياهاً دولية، وكان بإمكان أي سفينة أن تمر بحرية. لكن الآن عندما يتحدث الناس عن إعادة فتح المضيق، سيجدون أن سيطرة إيران على هذا المضيق أصبحت في الأساس أمراً واقعاً. في هذه النقطة وحدها، يكون الإيرانيون قد ربحوا، فقد حصلوا على موقع السيطرة على مضيق هرمز.
كورتونوف: كما تعلم، يرى كثيرون في الغرب أن روسيا لا تزال المستفيد الرئيسي من هذا الصراع. وإذا نظرنا من المستوى التكتيكي، وعلى المدى القصير، فقد تحصل روسيا فعلاً على مكاسب واضحة.
أول فائدة تأتي من ذلك، أن أسعار النفط والغاز سترتفع بالتأكيد. حتى إدارة ترامب نفسها ستضطر إلى إعادة النظر في جزء من العقوبات التي فرضتها على روسيا، وعلى الدول التي تشتري موارد النفط والغاز الروسية. لذلك، هذه بالتأكيد أول إشارة إلى رفع جزئي للعقوبات عن روسيا، وهو أيضاً فرصة لكسب المال. هناك تقديرات مختلفة، كم يمكن أن تكسب روسيا، لكن هذا بلا شك دخل مالي مهم لروسيا.
ثانياً، في نظر القيادة الروسية، ينظرون إلى كثير من القضايا الدولية من خلال «عدسة» المسألة الأوكرانية. قد تُجبر أمريكا على اتخاذ قرارات صعبة جداً بشأن أولوياتها في تسليم المعدات العسكرية. مثلاً: إذا اضطر ترامب إلى الاختيار بين أوكرانيا و«إسرائيل» في مسألة أين يرسل منظومة صواريخ «باتريوت» التي يمتلكها، فالإجابة واضحة. ومن هذه الناحية، قد تستفيد روسيا أيضاً بصورة غير مباشرة من هذا الصراع.
أخيراً، أعتقد أن هذا الصراع يتوافق مع الحكم العام الراهن في موسكو بشأن اتجاه الوضع مستقبلاً. وهذا الحكم هو: الطريق المقبل سيكون صعباً إلى حد كبير، على الأقل خلال السنوات المقبلة. ستكون هناك صراعات كثيرة في العالم، وسنرى سباق تسلح، وربما حتى انتشاراً للأسلحة النووية، وأولويات السياسة الروسية الحالية موجّهة تحديداً للتعامل مع مثل هذا الوضع. هذه هي النتائج الإيجابية، أو النتائج الأولية التي جلبها لنا هذا الصراع.
لكن على المستوى الاستراتيجي، أعتقد أن هناك أيضاً بعض التحديات التي لا ينبغي لنا تجاهلها، وقد تكون هذه التحديات أهم من المكاسب.
أولاً: إيران شريك استراتيجي. في العام الماضي، وقّعت روسيا وإيران اتفاقاً جديداً رفع الشراكة بين الجانبين إلى مستوى جديد، وهذا يشمل التعاون الاقتصادي، والتعاون في القضايا الإقليمية، والتعاون العسكري التقني. لذلك، إذا تعرّض شريكك للهجوم، وأنت عاجز
عن منع هذا الهجوم، فهذا ليس أمراً جيداً. إلى حد ما، تدفع روسيا أيضاً ثمناً، طبعاً هذا الثمن ليس بحجم الضرر الذي لحق بسمعة أمريكا و«إسرائيل».
ثانياً: أعتقد أنه إذا فحصنا الاستراتيجية العامة لروسيا تجاه الشرق الأوسط كله، وخصوصاً منطقة الخليج، فسنجد أن روسيا كانت تعمل دائماً على تحقيق توازن في علاقاتها مع مختلف دول المنطقة. كانت تحاول دائماً إيجاد توازن بين «الإسرائيليين» والفلسطينيين، وبين العرب والإيرانيين والأتراك. فإذا أدى هذا الصراع إلى استقطاب واضح في المنطقة، وكسر نوعاً من التوازن، فسيصبح الحفاظ على هذا التوازن أمراً صعباً.
أخيراً: نعود إلى مسألة الطاقة. هذه الأزمة قد تصبح محفزاً قوياً للتحول العالمي في الطاقة. سيبدأ الناس في كل أنحاء العالم بالتفكير: ربما لا ينبغي الاعتماد على الهيدروكربونات والوقود الأحفوري، وربما ينبغي الاستثمار أكثر في الطاقة المتجددة والطاقة الجديدة. من هذا المنظور، أستطيع أن أتخيل أن الصين ستستفيد، لأن الصين قائد في تحول الطاقة، وستكون هناك حاجة ضخمة إلى التكنولوجيا الصينية. لكن روسيا قد تشهد في السنوات المقبلة تراجعاً في الطلب، لأن العالم سيتحول إلى الطاقة الجديدة بسرعة أكبر.
على المدى الطويل، توجد آثار سلبية أخرى لا يمكن تجاهلها. ينبغي الانتباه إلى أن هذه الأزمة تمثل أيضاً تحدياً صارماً لمختلف المنظمات متعددة الأطراف التي تشارك فيها روسيا وتسعى إلى دفعها. مثلاً: نحن نتحدث عن دول بريكس، ونقول: إن بريكس نموذج أولي للنظام العالمي الجديد، وإنها مؤسسة قوية جداً توحد مختلف الدول غير الغربية والقادة الصاعدين وما إلى ذلك. لكننا سنجد أن دول بريكس في هذه الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» الإيرانية تبدو وكأنها «تحافظ على الصمت». ونحن جميعاً نعرف السبب، لأن إيران عضو في بريكس، لكن الإمارات أيضاً عضو. والأمر نفسه ينطبق على منظمة شنغهاي للتعاون، لأن فيها الهند، لكن فيها أيضاً باكستان. أعتقد أن هذه الأزمة كشفت إلى حد ما هشاشة هذه المؤسسات الدولية الناشئة، فهي لا تزال شابة جداً، ولا تزال تحاول تحديد رسالتها، ومع زيادة عدد الأعضاء، قد يصبح العثور على قواسم مشتركة داخل هذه المجموعات من الدول أكثر صعوبة في الوقت الراهن.
جينغ: ماذا عن تأثير هذه الحرب على العلاقات الأمريكية الروسية؟ هل سيؤدي طول الوضع الراهن إلى زيادة في السوء أم إلى تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، بالنظر إلى أنّ ترامب ميّال لعلاقة جيدة مع روسيا؟
أعتقد أن إحدى مشكلات الحكومة الأمريكية الحالية هي أنها، عندما تتعامل مع روسيا أو الصين أو أي دولة أخرى، تفكر بطريقة «صفقات» محددة. إذا أخذنا روسيا مثالاً، فبالنسبة إلى ترامب، روسيا تساوي النزاع الروسي الأوكراني. أتذكر أنه على مدى أكثر من عام، ظل الجانب الروسي يحاول تنويع هذه العلاقة، ويقول: «حسناً، مسألة أوكرانيا مهمة، نحن نفهم ذلك، وعلينا أن نعالجها، لكن علاقتنا لا تقتصر على أوكرانيا». نحن بحاجة إلى معالجة عوامل الاحتكاك الدبلوماسي، وربما نرغب في استئناف مفاوضات الحد من التسلح بين أمريكا وروسيا، ويمكننا مناقشة التعاون الاقتصادي، وهناك كثير من المقترحات الأخرى التي يمكن وضعها على الطاولة.
لكن لم يتحول أي من هذه المقترحات إلى تقدم ملموس. بالمقارنة مع فترة جو بايدن، لم تتغير هذه العلاقة بأي شكل. رغم كل تلك الكلمات الجميلة، ورغم القمة ورغم عدة جولات من التعاون الثنائي، ورغم الزيارات المتكررة التي قام بها ويتكوف إلى موسكو ولقاءاته مع بوتين، يبدو أنه ما لم يتحقق بعض التقدم في مسألة أوكرانيا، فمن غير المرجح أن تتقدم العلاقات الأمريكية الروسية بأي طريقة. حتى في المسائل الصغيرة جداً، مثل: استعادة السفارات، واستعادة الخدمات القنصلية، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين موسكو وواشنطن، لم يتحقق أي تقدم.

• جينغ: لا بد أن أسأل سؤالاً محدداً، وربما يكون حساساً قليلاً بالنسبة لكم. نعلم أنه يوجد في «إسرائيل» ما بين ثلاثة ملايين وأربعة ملايين يهودي روسي، ذهبوا إلى «إسرائيل» بعد عام 1991. أولئك اليهود القادمون من روسيا، تلقوا تعليماً عالياً، ولديهم قدرة كبيرة في التكنولوجيا والبحث وغيرهما. لقد رفعوا المستوى التكنولوجي في «إسرائيل» من مستوى منخفض إلى مستوى عالٍ، وقد حققوا ذلك فعلاً، وجعلوا «إسرائيل» تسلك ما يسمى طريق التطور عالي التكنولوجيا. انظروا إلى تل أبيب، هناك أكثر من 500 مختبر، وتقريباً كل شركات التكنولوجيا العالية الكبرى، مثل: إنتل وأمازون أو غوغل، لديها مؤسسات بحث وتطوير هناك.
إضافة إلى ذلك، أولئك اليهود من أصل روسي يمينيون جداً ومحافظون جداً سياسياً. كانت هناك دائماً علاقة دقيقة، وخاصة بين روسيا و«إسرائيل». بالنظر إلى التأثير الخاص الذي يملكه الوطن الأم على هؤلاء اليهود الروس، هل تعتقدون أن روسيا تستطيع أن تلعب دوراً أعمق في هذه المسألة؟ لأنهم نشأوا في روسيا، وتعلموا في العصر السوفييتي، وكلهم أشخاص قادرون جداً.
كورتونوف: هنا المشكلة تحديداً. إذا نظرت إلى وضع من يسمون اليهود الروس في «إسرائيل»، أو الأمريكيين من أصل روسي في أمريكا، فمعظم هؤلاء يدعمون المحافظين، بل حتى قوى اليمين الراديكالي. هؤلاء الناس عادة يختارون الوقوف في معسكر اليمين ضمن الصراع السياسي. بلا شك، لا يمكنكم التعويل على هذه الجاليات للمساعدة في تليين السياسة الخارجية «الإسرائيلية»، على الأقل في المرحلة الراهنة.
أنا حالياً قلق على «إسرائيل». لا أريد أن أبدو معادياً للسامية، لكنني أعتقد أن دولة «إسرائيل» قد تنتهي في النهاية إلى تدمير نفسها. من الواضح جداً أنهم توسعوا أكثر من اللازم. إنهم يخوضون عدة حروب في الوقت نفسه، ومعظمها حروب بلا نهاية. انظروا إلى قطاع غزة، الهدف هو نزع سلاح حماس وحتى القضاء عليها، لكن ذلك لم يتحقق. انظروا إلى لبنان، حزب الله لم يُقضَ عليه أيضاً، بل في الواقع أصبح أقوى. انظروا إلى سورية، لقد عدت للتو من أنقرة، وهم قلقون جداً من وقوع صراع مباشر بين الجيش التركي والجيش «الإسرائيلي»، لأن الجيش «الإسرائيلي» دخل ضواحي دمشق، وهم يريدون توسيع المنطقة العازلة.
إذا أصبحت «إسرائيل» قوة مهيمنة إقليمياً، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى رد فعل قوي مضاد. اسمحوا لي أن أقول بصراحة، إن حجم دولة «إسرائيل» صغير جداً فعلاً، ومن الصعب أن تهيمن على المنطقة بأكملها.
جينغ: أتفق معك. أعتقد أنه إذا استمر الوضع في التطور بهذا الشكل، فقد تتجه «إسرائيل» نحو تدمير ذاتي. أريد فقط أن أؤكد أنه عند نقطة ما، سيعتمد بقاء إسرائيل الآمن إلى حد كبير على البيئة الأمنية. بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة، أصبحت كل دول الخليج بالفعل حلفاء لأمريكا، ووقفت إلى حد ما إلى جانب «إسرائيل».
لكن الآن تعرضت كل دول الخليج لضربة، ومن الواضح أنه بعد هذه الحرب، اختفت شبكة الأمان التي توفرها أمريكا، وأدركت دول الخليج أن أمريكا لا تستطيع أن تحميهم فعلاً. لقد أصبح لديهم سوابق: السعودية وقعت للتو اتفاق تحالف مع باكستان، وستحذو دول أخرى حذوها. وزير خارجية الإمارات زار الصين للتو، ووقّع أيضاً اتفاقات مع الصين. من دون هذه البيئة الأمنية، ستقع «إسرائيل» فعلاً في عزلة بلا سند، وهذا خطر جداً عليهم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277