اقتصاد التطبيقات: هل خلقت التكنولوجيا فرص عمل أم شكلاً جديداً من الاستغلال؟
في السنوات الأخيرة، تغيّر شكل العمل حول العالم بصورة جذرية. لم تعد الوظيفة التقليدية القائمة على عقد ثابت ودوام محدد هي النموذج الوحيد للعمل، بل ظهرت أنماط جديدة فرضتها التكنولوجيا والتطبيقات الرقمية، خصوصاً في مجالات التوصيل والنقل والخدمات الإلكترونية والعمل الحر عبر الإنترنت. وبالنسبة لكثيرين، بدت هذه التطبيقات وكأنها فرصة ذهبية للهروب من البطالة والفقر، خاصة في الدول التي تعاني أزمات اقتصادية خانقة. لكن مع مرور الوقت، بدأ سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل خلقت هذه التطبيقات فرص عمل حقيقية، أم أنها ابتكرت شكلاً جديداً وأكثر تعقيداً من استغلال العمال؟
لقد استطاعت تطبيقات التوصيل والعمل الرقمي أن تستقطب آلاف الشباب بسبب سهولة الدخول إليها. لا حاجة لشهادات جامعية أو خبرات طويلة، يكفي امتلاك دراجة نارية أو سيارة وهاتف ذكي حتى يصبح الشخص «شريكاً» في التطبيق. هذا الوصف يبدو جذاباً؛ فالشركات تتجنب استخدام كلمة «عامل» أو «موظف»، وتفضل وصف العامل بأنه «شريك مستقل»، بما يمنح انطباعاً بالحرية والاستقلالية. لكن خلف هذه المصطلحات الحديثة، تكمن حقيقة مختلفة تماماً.
فالعامل في اقتصاد التطبيقات غالباً لا يمتلك أيّاً من الحقوق التقليدية التي يحصل عليها الموظف العادي. لا عقدَ عملٍ واضح، لا تأمين صحي، لا ضمان اجتماعي، لا إجازات مدفوعة، ولا حتى حد أدنى مضمون للدخل. التطبيق يحدد قواعد العمل والأسعار ونسب العمولة وساعات الذروة، بينما يتحمل العامل وحده تكاليف الوقود والصيانة والهاتف والإنترنت والحوادث. وفي حال توقف حسابه أو تم حظره بسبب تقييم منخفض أو شكوى من زبون، فإنه قد يخسر مصدر رزقه بالكامل خلال لحظات، دون أي حماية قانونية حقيقية.
تكمن المشكلة الأساسية في أن هذه الشركات نجحت في الجمع بين أسوأ ما في النظامين القديم والجديد. فهي تتعامل مع العامل كموظف عندما يتعلق الأمر بالالتزام والانضباط وساعات العمل والتقييم، لكنها تعتبره «مستقلاً» عندما يتعلق الأمر بالحقوق والتعويضات والمسؤوليات القانونية. وهكذا يجد العامل نفسه تحت رقابة صارمة من التطبيق والخوارزميات، دون أن يتمتع بأي ضمانات حقيقية.
وفي قطاع التوصيل تحديداً، تظهر قسوة هذا النموذج بشكل واضح. فالكثير من عمال التوصيل يعملون لساعات طويلة قد تتجاوز اثنتي عشرة ساعة يومياً من أجل تحقيق دخل يكفي لتغطية احتياجاتهم الأساسية. وكلما ارتفعت تكاليف المعيشة، اضطر العامل إلى زيادة ساعات العمل أكثر فأكثر. وبسبب طبيعة المنافسة داخل التطبيقات، يصبح العامل تحت ضغط دائم للقبول بأكبر عدد ممكن من الطلبات بسرعة كبيرة، ما يدفع كثيرين إلى القيادة المتهورة أو تجاهل قواعد السلامة لتجنب العقوبات أو التقييمات السلبية.
لكن السؤال الأخطر يتعلق بمن يتحمل نتائج الحوادث والإصابات. فعندما يتعرض عامل التوصيل لحادث سير أثناء العمل، غالباً ما يجد نفسه وحيداً في مواجهة التكاليف الطبية والخسائر المادية. فالشركة تعتبره «متعاوناً مستقلاً» وليس موظفاً لديها، وبالتالي تتنصل من المسؤولية المباشرة. وقد يتحول حادث واحد إلى كارثة اقتصادية تدفع العامل وعائلته نحو الفقر الكامل، خاصة في غياب التأمين الصحي أو التعويضات.
ولا يقتصر الأمر على عمال التوصيل فقط، بل يمتد أيضاً إلى العاملين في الاقتصاد الرقمي والعمل الحر عبر الإنترنت. فالكثير من المصممين والمبرمجين والمترجمين وصناع المحتوى يعيشون في حالة عدم استقرار دائم. الدخل غير ثابت، المنافسة عالمية، والأسعار تتجه للانخفاض باستمرار بسبب فائض اليد العاملة الرقمية. كما أن المنصات الإلكترونية تمتلك سلطة هائلة على العاملين فيها، إذ يمكنها إغلاق الحسابات أو تجميد الأرباح أو تغيير السياسات دون أي قدرة حقيقية للعامل على الاعتراض.
ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن اقتصاد التطبيقات خلق بالفعل فرص عمل لم تكن موجودة سابقاً. فبالنسبة لشباب كثيرين، خاصة في الدول التي تعاني بطالة مرتفعة وانهياراً اقتصادياً، أصبحت هذه التطبيقات وسيلة للبقاء وتأمين الحد الأدنى من الدخل. كما أن مرونة العمل تمنح بعض الأشخاص قدرة على تنظيم وقتهم أو الجمع بين أكثر من عمل. لكن المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه التطبيقات بحد ذاتها، بل في غياب القوانين التي تنظم العلاقة بينها وبين العمال.
فالتكنولوجيا ليست عدواً بطبيعتها، بل إن طريقة استخدامها هي التي تحدد ما إذا كانت تخدم الإنسان أم تستغله. وفي ظل غياب التشريعات الحديثة، تحولت التكنولوجيا في كثير من الأحيان إلى أداة لنقل المخاطر كاملةً إلى العامل، بينما تحتفظ الشركات بالأرباح والسلطة. فبدلاً من أن تؤدي التكنولوجيا إلى تخفيف أعباء العمل وتحسين ظروفه، أصبحت في بعض الحالات وسيلة لزيادة الضغط والمراقبة وتحويل الإنسان إلى رقم داخل خوارزمية.
إن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في قدرة الدول والمجتمعات على مواكبة هذا التحول الكبير في سوق العمل. فالقوانين التقليدية لم تعد كافية للتعامل مع اقتصاد المنصات الرقمية. وهناك حاجة ملحة لتشريعات جديدة تضمن الحد الأدنى من الحقوق للعاملين في هذه التطبيقات، مثل التأمين ضد الحوادث، والضمان الصحي، والشفافية في تحديد الأجور والعمولات، وآليات الاعتراض على العقوبات أو إغلاق الحسابات.
كما أن النقابات العمالية مطالبة بإعادة تعريف دورها في عصر الاقتصاد الرقمي. فمن غير المنطقي أن يبقى ملايين العاملين في التطبيقات والعمل الحر خارج أي تمثيل نقابي أو حماية جماعية. وإذا استمر هذا الفراغ القانوني، فقد يتحول اقتصاد التطبيقات مستقبلاً إلى أكبر سوق عمل غير مستقر في العالم.
في النهاية، يبدو أن التكنولوجيا قد فتحت أبواباً واسعة للرزق والعمل، لكنها في الوقت نفسه أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة: من يملك السلطة؟ ومن يتحمل المخاطر؟ ومن يجني الأرباح الحقيقية؟ وبينما تُقدَّم التطبيقات على أنها رمز للحداثة والحرية، يبقى الواقع أكثر تعقيداً؛ فالكثير من العاملين فيها لا يشعرون بأنهم «شركاء» بقدر ما يشعرون بأنهم عمال بلا حقوق، يعملون داخل نظام رقمي متطور، لكنه يعيد إنتاج أشكال قديمة من الاستغلال بوسائل أكثر حداثة وذكاءً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277