احتجاجات اللغة الكردية وإعادة هندسة غضب الشارع
تشهد الجزيرة السورية وكوباني في ريف حلب تصاعداً لافتاً في وتيرة الاحتجاجات المرتبطة بقضية اللغة الكردية، في مشهد يبدو للوهلة الأولى تعبيراً مشروعاً عن الدفاع عن الهوية الثقافية. غير أن هذا التصاعد لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه الأوسع، حيث يتزامن بشكل مريب مع تفاقم غير مسبوق في الأزمات المعيشية، ما يطرح تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام حراك عفوي، أم أمام إعادة توجيه مدروسة لأولويات الشارع؟
قرار حصر لافتات المؤسسات الرسمية باللغة العربية في الحسكة وريف كوباني، دون إدراج اللغة الكردية، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل شرارة أشعلت موجة احتجاجات شبه يومية سرعان ما اتخذت طابعاً هوياتياً حاداً. ورغم أن الدفاع عن اللغة حق مشروع لا جدال فيه، فإن توقيت القرار يضعه في قلب لحظة اقتصادية خانقة، تعيش فيها المنطقة واحدة من أشد مراحلها قسوة منذ سنوات.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن سياق أوسع، حيث يُعتقد أن بعض الجهات تقوم عمداً بتغذية النزعات القومية في لحظات حساسة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور ما يُعرف «بالذباب الإلكتروني»، سواء باللغة العربية أو الكردية، بوصفه عاملاً مؤثراً في تضخيم هذا النوع من القضايا. فهذه الحسابات ومنصات التواصل، تعمل غالباً بتوجيهات غير معلنة على إعادة نشر القرارات المستفزة، مرفقة بتعليقات تحريضية تسهم في تأجيج الصراع الهوياتي، مقابل تهميش الأصوات التي تدعو للتركيز على الأزمات المعيشية.
وبذلك، لا يقتصر دور هذه الشبكات على نقل الحدث، بل يتعداه إلى التهييج المتعمد وإعادة تشكيل أولويات النقاش العام، بما يصرف الانتباه عن القضايا الأكثر إلحاحاً كالكهرباء والغلاء وانهيار الخدمات.
فالجزيرة السورية، كغيرها من المناطق، ترزح تحت وطأة واقع معيشي متدهور، فالفقر يتصاعد، والقدرة الشرائية تنهار، والخدمات الأساسية تتآكل يوماً بعد يوم. وفي صدارة هذه الأزمات، يبرز ملف الكهرباء بوصفه العنوان الأكثر إلحاحاً في حياة الناس، حيث لم تعد الطاقة خدمة عامة بقدر ما أصبحت امتيازاً مكلفاً.
ولعل ما كرس هذا التحول هو قرارات بلدية القامشلي الأخيرة، التي أقرت تسعيرات جديدة لأمبيرات المولدات، أبرزها تحديد سعر الاشتراك على مدار 24 ساعة عند 16 دولاراً شهرياً. هذه الأرقام، في بيئة تتآكل فيها الأجور (بالليرة) وتُدفع فيها الكلفة بالدولار، لا تعكس تنظيماً بقدر ما تجسد نقل عبء الأزمة بشكل مباشر إلى كاهل المواطن. فالمعادلة باتت قاسية وواضحة؛ إما كهرباء بأسعار مرتفعة، أو عيش في الظلام.
في هذا السياق، يبرز بوضوح نمط مقلق في سلوك مختلف الأطراف الفاعلة. فبعض الجهات ضمن «الإدارة الذاتية»، كما أطراف في الحكومة، تبدو منخرطة بدرجات متفاوتة في تغذية النزعات القومية وإبرازها في لحظة شديدة الحساسية. لا يتعلق الأمر هنا بخلاف سياسي تقليدي، بل بآلية شبه متكررة لإعادة توجيه الغضب الشعبي؛ فبدلاً من أن يتجه نحو جذور الأزمة الاقتصادية، يُدفع نحو ساحات أكثر قابلية للاحتواء، حيث يمكن امتصاصه أو تفريغه من دون كلفة حقيقية.
بهذا المعنى، لا تبدو الاحتجاجات منفصلة عن السياق العام، بل جزء من دورة سياسية مألوفة؛ قرار مستفز، احتجاجات واسعة، ثم تراجع جزئي يمنح انطباعاً بالاستجابة، فيما تبقى الأزمات الجوهرية على حالها. إنها معادلة تُعيد إنتاج نفسها، وفي كل مرة يدفع المواطن الثمن مضاعفاً، مرة في معيشته، ومرة في استنزاف غضبه في معارك لا تمس جوهر معاناته اليومية.
المفارقة الصارخة أن قضايا الهوية، على أهميتها، تتحول في مثل هذه اللحظات إلى أداة لتهميش السؤال الأكثر إلحاحاً؛ كيف يعيش الناس؟ فبينما تتسع فجوة الفقر وتتراجع الخدمات، يُعاد تشكيل وعي الشارع ليخوض معارك ثانوية، في وقت تمر فيه القرارات الأكثر تأثيراً على حياته اليومية بهدوء شبه تام.
ليست المشكلة في الاحتجاجات بحد ذاتها، ولا في الدفاع عن اللغة الكردية، بل في التوقيت والسياق وكيفية توظيفهما. فحين تتقاطع معركة الهوية مع ذروة الانهيار المعيشي، يصبح من المشروع التساؤل؛ من المستفيد من هذا التزامن؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277