التعرفة الجديدة في سيمالكا... ضربة جديدة للأسواق والمعيشة
في خطوة جديدة تعكس تعمّق النهج الجبائي في السياسات الاقتصادية، أقدمت الحكومة السورية على رفع التعرفة الجمركية في معبر سيمالكا الحدودي الرابط بين محافظة الحسكة إقليم كردستان العراق، ضمن آلية جديدة دخلت حيّز التنفيذ في الآونة الأخيرة، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الاعتراضات في الأوساط التجارية والشعبية، وسط تحذيرات من تداعيات كارثية على الأسعار وحركة السوق.
المعبر، الذي يُعد أحد أبرز الشرايين الاقتصادية في محافظة الحسكة، شهد تطبيق ما سُمّي بنظام «المنسّق»، والذي تضمّن زيادات كبيرة وغير مسبوقة على الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الواردة بالمقارنة مع ما كانت عليه.
ووفق مصادر تجارية، فقد شملت هذه الزيادات مواد أساسية تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، حيث ارتفعت رسوم إدخال الزيت النباتي، والسكر، والطحين، إضافة إلى الخضار والفواكه، بنسب وصلت في بعض الحالات إلى أضعاف مضاعفة، ما أدى إلى قفزة فورية في التكاليف.
ولتوضيح حجم الاختلال الذي تسببه هذه الرسوم، يورد تجار مثالاً على مادة الإسمنت، حيث يبلغ سعر الطن من المصدر نحو 60 دولاراً، تُضاف إليه ضريبة جمركية بقيمة 25 دولاراً، ليصل إلى 85 دولاراً عند المعبر، إلا أنه يُباع في أسواق القامشلي بسعر يتراوح بين 140 و145 دولاراً للطن. هذا الفارق الكبير لا يعكس كلفة النقل أو الربح فقط، بل يكشف عن سلسلة من الرسوم والهوامش التي تتراكم على حساب المستهلك، ما يؤدي إلى تضخم أسعار مواد البناء ويؤثر مباشرة على قطاع الإسكان ويزيد من كلفة الإعمار.
أما في قطاع الألبسة، فتبدو الصورة أكثر حدّة، إذ كانت الضريبة الجمركية المفروضة على كل طن تقارب 100 دولار قبل القرار، لترتفع بعده بشكل صادم إلى نحو 4000 دولار. هذه الزيادة الهائلة دفعت العديد من التجار إلى العزوف عن الاستيراد، أو تقليص كمياتهم إلى الحد الأدنى، ما ينذر بارتفاع كبير في أسعار الألبسة وتراجع قدرتها على المنافسة، إضافة إلى احتمال ازدهار التهريب كبديل أقل كلفة، بكل ما يحمله ذلك من آثار سلبية على السوق النظامية.
هذه الزيادات لم تبقَ حبيسة الأرقام، بل انعكست بشكل مباشر على الأسواق، حيث بدأت الأسعار بالارتفاع التدريجي، مع توقعات بموجة غلاء أوسع خلال الفترة المقبلة. كما أن الكلفة الإضافية التي فرضتها الرسوم الجديدة تُحمَّل بالكامل على المستهلك، في ظل غياب أي سياسات داعمة أو رقابية تحدّ من جشع الوسطاء أو تحمي القدرة الشرائية المتدهورة أصلاً.
في هذا السياق، شهد المعبر حالة من الشلل النسبي، مع تراجع ملحوظ في حركة الشاحنات والبضائع. وأفاد عدد من التجار بأنهم اضطروا إلى تعليق نشاطهم أو تقليصه، نتيجة عدم قدرتهم على تحمّل الرسوم الجديدة، فيما أعلن
آخرون الدخول في إضراب مفتوح احتجاجاً على القرار، مطالبين بإلغائه أو إعادة النظر فيه بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي المتردي. ويشير هؤلاء إلى أن الاستمرار في هذه السياسة سيدفع المزيد من التجار إلى الانسحاب من السوق أو البحث عن طرق بديلة، ما يهدد بتفاقم أزمة توفر المواد.
الإضراب الذي نفذه عدد من التجار شكّل مؤشراً واضحاً على حجم الغضب داخل الأوساط الاقتصادية، حيث تم إغلاق بعض مكاتب التخليص الجمركي، وتوقفت عمليات الاستيراد بشكل جزئي، في خطوة احتجاجية تهدف إلى الضغط على الجهات المعنية للتراجع عن القرار. ويؤكد مشاركون في الإضراب أن الهدف ليس تخفيف الأعباء فقط عن التجار، بل حماية السوق المحلية من الانهيار، ومنع انتقال آثار هذه السياسات إلى عموم المواطنين.
وتشير بعض المصادر أيضاً إلى أن «الإدارة الذاتية» تفرض بدورها أشكالاً من الضرائب أو الرسوم غير المباشرة على البضائع، ما يؤدي إلى ازدواجية في الجباية وتراكم إضافي في التكاليف. هذه الازدواجية تعمّق من أزمة الأسعار، وتضع التاجر والمستهلك في مواجهة أعباء مركّبة، دون وجود تنسيق اقتصادي واضح بين الجهات المختلفة.
من جهة أخرى، فإن هذه الإجراءات تأتي في سياق محاولة لتعويض النقص في الإيرادات عبر تحميل الأعباء للقطاعات الإنتاجية والتجارية، بدلاً من البحث عن حلول اقتصادية حقيقية تعالج جذور الأزمة. كما أن رفع الرسوم في ظل تراجع النشاط الاقتصادي لا يؤدي إلى زيادة الإيرادات، بل إلى نتيجة عكسية تتمثل في تقلص حجم التجارة، وتراجع التحصيل الجمركي على المدى المتوسط.
إضافة إلى ذلك فإن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى تعميق حالة الركود، وزيادة معدلات التضخم، في وقت يعاني فيه السكان من مستويات غير مسبوقة من الفقر والبطالة. كما أن غياب التخطيط الاقتصادي المتكامل، والاعتماد على القرارات المفاجئة، يفاقم من حالة عدم الاستقرار في الأسواق، ويدفع برؤوس الأموال إلى الهروب.
في المحصلة، يبدو أن قرار رفع التعرفة الجمركية في معبر سيمالكا لا يمكن فصله عن النهج العام للسياسات الاقتصادية، التي تضع الجباية في مقدمة الأولويات، دون الأخذ بعين الاعتبار انعكاساتها الاجتماعية والمعيشية. وبينما تتصاعد أصوات الاحتجاج والإضراب، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استعداد الجهات المعنية للتراجع عن هذه الإجراءات، أو الاستمرار في مسار يهدد بمزيد من التدهور الاقتصادي والمعيشي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277