قرار جديد... وجوع قديم

قرار جديد... وجوع قديم

تخفيض وزن ربطة الخبز ليس «إجراءً تنظيمياً»، بل صفعة جديدة للمواطن الذي لم يعد يحتمل المزيد من تقليص الدعم والتضييق على أساسيات الحياة. فحين تُخفض ربطة الخبز من 1200 غرام إلى 1050 غراماً مع الإبقاء على السعر نفسه وعدد الأرغفة نفسه، فهذا يعني ببساطة أن الحكومة رفعت سعر الخبز بشكل غير مباشر، حتى لو حاولت تغليف القرار بعبارات مثل «تحسين الجودة» أو «ضبط الهدر».

الخبز في سورية ليس سلعة كمالية، بل هو آخر ما تبقى لغالبية العائلات التي التهم التضخم رواتبها ومدخراتها وأحلامها. فالمواطن الذي يقف ساعات في الطوابير للحصول على ربطة خبز بالكاد تكفي أسرته يجد نفسه اليوم أمام كمية أقل مقابل السعر نفسه، في وقت ترتفع فيه أسعار كل شيء (الكهرباء- النقل- المحروقات- الإيجارات- والمواد الغذائية الأساسية).
القرار يعكس بوضوح استمرار سياسة تحميل المواطن وحده فاتورة الانهيار الاقتصادي، التي عملت بها السلطة الساقطة والمستمرة حتى الآن. فبدلاً من البحث عن حلول حقيقية لأزمة الطحين والإنتاج والفساد والهدر في مؤسسات الدعم، يتم اللجوء إلى الحل الأسهل دائماً «تقليص ما يصل إلى الناس». إنها سياسة «الاقتطاع من لقمة الفقير» تحت ذرائع تقنية وإدارية لم تعد تقنع أحداً.

الأخطر من القرار نفسه هو ما يمثله من مؤشر خطِر على اتجاهات المرحلة المقبلة. فكل تخفيض جديد في وزن الربطة أو عدد الأرغفة أو مخصصات الطحين هو خطوة إضافية نحو رفع الدعم تدريجياً عن أهم مادة غذائية في البلاد. ومع كل خطوة يزداد يقين الناس بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة الجوع والفقر والعجز.

فكيف يمكن لعائلة محدودة الدخل أن تتأقلم مع هذا التقليص بينما الرواتب لا تكفي أياماً قليلة؟
وكيف يمكن الحديث عن «تحسين معيشة» فيما يتم تقليص أبسط مقومات الأمن الغذائي؟
الواقع أن المواطن السوري لم يعد يطالب بالرفاهية، بل بالحفاظ على الحد الأدنى فقط من القدرة على العيش بكرامة.
بلغة الأرقام فإن القرار الجديد يعني عملياً اقتطاع نحو 500 ليرة قديمة من قيمة كل ربطة خبز عبر تخفيض الوزن مع تثبيت السعر، على ذلك فإن الوفر الحقيقي لا يأتي من تحسين الإنتاج أو مكافحة الهدر، بل يسحب مباشرة من جيوب المواطنين وعلى حساب لقمتهم اليومية. وبالاستناد إلى تقارير تتحدث عن إنتاج يقارب 4,4 ملايين ربطة خبز يومياً، فإن الحكومة تحقق وفراً يقدر بنحو 2,2 مليار ليرة قديمة يومياً، بينما يصل سنوياً إلى أكثر من 800 مليار ليرة قديمة. هذه الأرقام الضخمة تكشف أن ما يقدم كإجراء إداري أو تقني ليس سوى تخفيض واسع للدعم تموله الأسر المفقرة ومحدودة الدخل، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أقسى الأزمات المعيشية والاقتصادية في تاريخها.

إن هذا القرار لن يقرأ شعبياً كإجراء اقتصادي عابر، بل كرسالة رسمية قاسية تقول للناس إن الضغوط المعيشية ستزداد، وإن الدعم يتآكل تدريجياً، وإن لقمة الخبز نفسها لم تعد بمنأى عن التقليص. وفي بلد يعيش ملايين سكانه تحت خط الفقر، فإن المساس بالخبز ليس مجرد قرار إداري، بل قضية تمس الكرامة والأمان الاجتماعي والاستقرار اليومي لكل بيت.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1277