إعادة تسعير الحياة... وقود يرتفع مرتين ومعيشة تنزلق إلى الحافة
منذ مطلع عام 2026 وحتى النشرة الأخيرة في 7 أيار، لم يعد ما يحدث في سوق المشتقات النفطية في سورية مجرد «تعديل أسعار»، بل تحول إلى مسار ضغط متواصل يُعاد فيه تشكيل الحياة اليومية ببطء قاس، لكنه ثابت الاتجاه؛ إلى الأعلى فقط. فالبنزين الذي كان عند حدود 0,85–0,91 من الدولار للتر في بداية العام، أصبح اليوم بين 1,10 و1,15 دولار. المازوت ارتفع من نحو 0,75 إلى قرابة 0,88 من الدولار، والغاز المنزلي من 10,5 إلى 12,5 دولاراً للأسطوانة، فيما وصل الغاز الصناعي إلى نحو 20 دولاراً. أرقام تبدو «مألوفة» على الورق، لكنها في الواقع تعني شيئاً واحداً في الشارع؛ حياة تُصبح أكثر كلفة كل شهر دون أي زيادة مقابلة في القدرة على الاحتمال.
لكن الأخطر لم يكن ارتفاع السعر فقط، بل الطريقة التي جرى بها هذا الارتفاع. ففي بداية العام، كان التسعير يعتمد على سعر صرف منخفض نسبياً للمحروقات (نحو 116,5 ليرة للدولار)، ما كان يعطي انطباعاً شكلياً بأن هناك سقفاً يمكن توقعه. ثم بدأ هذا السقف بالتآكل بصمت، حتى وصلنا إلى مرحلة جرى فيها استخدام «سعر صرف محروقات» مرتفع بشكل كبير خلال منتصف العام، قبل أن يُعاد ضبطه لاحقاً في النشرة الأخيرة ضمن صيغة جديدة وبعتبة سعرية 13,300 ليرة للدولار، والنتيجة لم تكن مجرد تغيير رقم، بل تغيير قواعد اللعبة بالكامل، فلم يعد السعر يرتفع مرة واحدة، بل يرتفع مرتين في الوقت نفسه، مرة عبر رفع سعر المادة بالدولار، ومرة عبر رفع أو تعديل سعر الصرف الذي تُحسب عليه هذه المادة.
في هذا السياق، جاء تصريح مدير العلاقات العامة في وزارة الطاقة أحمد السليمان ليقدم التفسير الرسمي المعتاد؛ ارتفاع الأسعار «مرتبط بارتفاع أسعار النفط عالمياً»، وأن الزيادة «طفيفة مقارنة بدول أخرى»، وأن الهدف هو «تأمين الاستيراد واستدامة التوريد». على الورق، يبدو الخطاب منطقياً وهادئاً. لكن في الواقع المعيشي، هذا النوع من التبرير يتجاوز المشكلة بدل أن يواجهها. لأن السؤال الحقيقي ليس كم سعر النفط عالمياً؟ بل: كيف يُطلب من مواطن يتقاضى راتبه بالليرة السورية، راتباً هزيلاً وثابتاً ومتآكلاً، أن يتعامل مع اقتصاد يُسعّر بالكامل تقريباً بالدولار؟
هنا تحديداً تنكشف الفجوة القاتلة. أن يتم الحديث عن «سوق عالمي» وكأن المواطن جزء منه، بينما هو في الحقيقة خارج هذه المعادلة تماماً. يُحاسب بالدولار عند تعبئة البنزين وشراء الغاز، لكن يُدفع له بالليرة. هذا ليس تفصيلاً اقتصادياً، بل اختلال بنيوي يجعل كل زيادة في السعر ليست مجرد رقم إضافي، بل اقتطاع مباشر من القدرة على العيش.
ومع كل نشرة جديدة، تتوسع الدائرة بشكل لا يرحم.
فالنقل لم يحتج وقتاً طويلاً ليحول هذه الزيادات إلى أجور أعلى؛ السرافيس، سيارات الأجرة، النقل بين المحافظات، كلها دخلت في موجة تسعير متصاعدة لا تنتظر قراراً رسمياً لتطبيقه.
والفلاح وجد نفسه أمام معادلة مستحيلة، فكيف يزرع أرضه إذا كان تشغيل مضخة المياه أو الجرار يلتهم جزءاً كبيراً من كلفة الإنتاج؟
والصناعة، خصوصاً الصغيرة منها، بدأت تتقلص بهدوء، لأن كل منتج أصبح يحمل داخله كلفة طاقة ونقل لا يمكن التحكم بها.
حتى الخدمات اليومية البسيطة أصبحت مرتبطة مباشرة بسعر الوقود، من التوصيل إلى التدفئة إلى حتى كلفة تشغيل المولدات.
أما المواطن، فهو الحلقة التي لا تملك حتى خيار الاعتراض العملي. فأسطوانة الغاز التي ارتفعت من 10,5 إلى 12,5 دولاراً لم تعد مجرد رقم في نشرة، بل أصبحت قراراً يومياً داخل كل بيت، فهل تُستخدم الآن أم تُؤجل؟ وهل تكفي للشهر أم يجب تقنينها منذ اليوم الأول؟
والبنزين لم يعد مجرد وسيلة تنقل، بل أصبح حساباً قاسياً بين الذهاب إلى العمل أو تقليص الحركة إلى الحد الأدنى. كل شيء يُختصر، يُؤجل، يُقلص، لإبقاء الحياة ضمن حدودها الدنيا فقط.
والأشد قسوة أن هذا كله لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر «جرعات» متتالية من الرفع، كل واحدة منها تُقدّم كأنها صغيرة أو ضرورية أو «طفيفة»، بينما أثرها التراكمي يُحوّل المعيشة إلى حالة استنزاف دائم. لأن المشكلة ليست في ارتفاع واحد كبير يمكن مواجهته، بل في ارتفاعات متكررة تُعيد تشكيل كل شيء قبل أن يتكيف الناس مع ما قبلها أصلاً.
فما تكشفه سلسلة نشرات 2026 ليس مجرد سياسة تسعير للمشتقات النفطية، بل نظام ضغط اقتصادي متراكم، حيث لا يُرفع السعر مرة واحدة فقط، بل يُعاد بناء طريقة احتسابه بشكل يجعل كل زيادة لاحقة أكثر قسوة من السابقة، يُعاد فيها تحميل الكلفة كاملة على المواطن، دون أي توازن حقيقي بين الدخل والأسعار، ولتتشكل معادلة واحدة واضحة؛ اقتصاد يُدار بتحميل الكلفة الكاملة على المواطن، حتى آخر حدود الاحتمال.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277