أزمة مضيق هرمز تخنق البحث العلمي في أوروبا وأمريكا

أزمة مضيق هرمز تخنق البحث العلمي في أوروبا وأمريكا

امتد تأثير ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته الناجم عن أزمة مضيق هرمز ليطال واحدة من أهم الركائز التنموية في الغرب: البحث العلمي والتطوير. ففي أوروبا وأمريكا، تحولت تكاليف الطاقة إلى قيد خانق على المختبرات والمراكز البحثية، مما أدى إلى إعادة توجيه التمويل، ووقف التوظيف، وتراجع الروح المعنوية للباحثين، وهو ما ينذر بتبعات استراتيجية طويلة الأمد على ابتكارهم وقدرتهم التنافسية العالمية، ويزيد بتسارع الفجوة العلمية بينهم وبين الصين التي كانت تسبقهم أصلاً حتى قبل حربَي أوكرانيا وإيران.

وفقاً لاستبيان «مقياس الحالة المزاجية» لعام 2026 الصادر عن شركة Starlab International، والذي شمل 368 موظفاً في مختبراتٍ في 6 دول أوروبية (ألمانيا وبريطانيا وسويسرا وإيطاليا وفرنسا والنمسا)، برزت أزمة حقيقية، يتصدّرها تحدّي التمويل.
فنقص الميزانية يتصدر لأول مرة قائمة التحديات التي تواجه المختبرات الأوروبية. حيث أشار 44% من الباحثين إلى أن نقص التمويل هو المشكلة الرئيسية. وهذا تحول جذري عن عام 2025، عندما كانت أسعار المواد الاستهلاكية المرتفعة هي الشاغل الأكبر.


مختبرات تطفئ الأضواء بحثاً عن التوفير


كشفت نتائج الاستبيان أن 57% من المختبرات طبقت تدابير صارمة لخفض التكاليف. لكن المشكلة الأعمق هي «نوعية» هذه التخفيضات: أظهرت 74% من المختبرات أنها توقف أو تقلل من الإنفاق على المعدات والبنية التحتية، أي المقومات الأساسية للبحث المستقبلي.
ويواجه الباحثون مشكلةً ثلاثية الأبعاد: معاناة الميزانيات المحدودة، وضغوط أسعار الطاقة التي ترفع تكلفة تشغيل الأجهزة الكثيفة الاستهلاك للكهرباء (مثل أجهزة الطيف الضخمة أو الحاضنات)، وإجراءات التقشف التي تؤدي إلى توقف مشاريع كاملة.


تأثير تضرر سلسلة التوريد العالمية


ليس تأثير أسعار الطاقة مباشراً فقط من خلال فواتير الكهرباء فقط، بل يتعلق الخطر بسلسلة التوريد العالمية لمواد أخرى أيضاً حساسة للبحث العلمي، مثل منتوجات البتروكيماويات التي ارتفعت أسعارها، حيث تعتمد المختبرات بشكل كبير على المنتجات البلاستيكية (أنابيب الاختبار، أطراف الماصات، أطباق بتري).
كما ارتفعت تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية، حيث كشف مؤشر أسعار الشحن حدوث قفزات في تكاليف الحاويات بين كانون الأول 2025 وكانون الثاني 2026 بنسبة وصلت إلى 30% على طرق آسيا-أوروبا وآسيا-أمريكا.
في الولايات المتحدة، أظهرت دراسة أجريت في كانون الثاني 2026 من قبل مختبر أرغون Argonne الوطني أن تكاليف تشغيل الشاحنات الثقيلة (التي تنقل المواد والمعدات العلمية) لا تزال تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد. بينما تشير أبحاث من جامعة كاليفورنيا (بركلي) في «مداولات مجلة الطبيعة» إلى أن التحول إلى الشاحنات الكهربائية قد يخفض التكاليف المجتمعية بحلول 2035، إلا أن التكاليف الخاصة الأولية حالياً تفوق تلك الخاصة بالديزل بنسبة تصل إلى 46%. هذا التضخم في النقل ينعكس حتماً على أسعار المعدات النهائية للمختبرات الجامعية.


تكيّف مؤلم استراتيجياً


تشير البيانات إلى أن المختبرات بدأت تتكيف مع الوضع الجديد، لكن هذا التكيف قد يكون «مؤلماً» استراتيجياً واجتماعياً، حيث قامت 54% من المختبرات الأوروبية بإيقاف قبول موظفين جدد، رغم معاناتها من نقص حاد في الكوادر البشرية، وهذا سيترجم فعلياً زيادةً في البطالة وخاصة بشريحة اجتماعية هامة من ذوي المؤهّلات العلمية العالية.
كذلك شهد قطاع التدريب والتطوير المهني تراجعاً كبيراً، حيث خصصت 22% من المختبرات ميزانية أقل للسفر والمؤتمرات، مما يعزل الباحثين عن شبكات المعرفة العالمية ويحد من نقل الخبرات.
في المقابل، تحوّلت الأزمة إلى حافز للرَّقمنة واستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يستخدم 46% من المختبرات الذكاء الاصطناعي أحياناً لتقليل الهدر وتحسين كفاءة الطاقة. كما أظهر 78% من المختبرات التزاماً ببرامج إعادة التدوير لتقليل التكاليف.
ما تمر به أوروبا وأمريكا تأكيد على أن أزمة الطاقة تحولت إلى أزمة ابتكار. وغياب الدعم الحكومي العاجل والمستدام قد يعني أن الأبحاث الرائدة في مجالات السرطان والطاقة المتجددة والأمن الغذائي ستتأخر لسنوات بسبب نقص البلاستيك لأنبوب الاختبار أو غلاء تشغيل جهاز الطيف، وغيرها من المعدّات والأدوات.


حصانة البحث العلمي في الصين


على النقيض لما تعانيه أوروبا وأمريكا، تقدم الصين نموذجاً مختلفاً جذرياً. فبينما تتخبط المختبرات الغربية بسبب ارتفاع فواتير الطاقة وتجميد التوظيف، تمارس الصين حالة شبه محصنة من هذه الأزمة، ليس لأنها تعيش في معزل عن تقلبات السوق العالمية، ولكن لأنها تتعامل مع أمن الطاقة كمسألة وجودية واستراتيجية وليس كمتغير تشغيلي ثانوي.
فالصين لم تنتظر الأزمة لتتفاعل معها، بل بنت على مدى سنوات جداراً متيناً من الحماية يقوم على ثلاث ركائز أساسية، وهو ما يفسر لماذا لا تشلّ تكاليف الطاقة مختبراتها:
أولاً - تأمين إمدادات كبيرة: تعلن الصين وفقاً لتوجيهات 2026 عن خطة وطنية لـ«زيادة الاحتياطيات والإنتاج المحلي» بصفته خط الدفاع الأول. فبدلاً من الاعتماد على أسعار السوق المتقلبة، قامت شركات عملاقة مثل CNPC (الصين الوطنية للبترول) بتكثيف عمليات التنقيب في أحواض أساسية (مثل سيتشوان وبوهاي) لضمان إمداد ثابت ومخطط له، مما يعزل القطاعات الحيوية (كالبحث العلمي) عن صدمات الأسعار.
ثانياً - هندسة عكسية لسلاسل التوريد: المشكلة التي تعاني منها المختبرات الغربية (غلاء الأجهزة المستوردة والمواد البتروكيماوية) تم حلها في الصين عبر الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. فالصين منذ زمن لم تعد مجرد سوق للمعدات، بل أصبحت مصنعاً لها. التوجيهات الحكومية الأخيرة تؤكد على إنشاء «نظام صناعي حديث ومرن» قادر على إنتاج احتياجاته محلياً، بدءاً من الإلكترونيات الدقيقة وصولاً إلى المواد الكيميائية الأساسية، مما يقلل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية المضطربة.
ثالثاً - التحول الأخضر كأداة وليس عبئاً: في الغرب، يُنظر أحياناً للتحول الطاقي على أنه تكلفة إضافية على المختبرات. أما في الصين، فهو يُستخدم لتخفيف الضغط. فالاستثمارات الضخمة في الطاقة المتجددة (الشمس والرياح) والبطاريات فائقة التحمل - والتي خصصت لها الدولة مئات الملايين في صناديق العلوم الطبيعية لعام 2026 لتصميم بطاريات «آمنة وطويلة الأمد ومنخفضة التكلفة» - وفرت طاقة مستقرة ومنخفضة السعر للمختبرات، خاصة في المدن التكنولوجية الكبرى.


خلاصة مقارنة


تعامل الغرب مع الطاقة كسلعة رأسمالية للسوق والمضاربة والربح، وعندما ارتفع السعر تناقص الاستهلاك وتجمدت الأنشطة غير المدرة للربح فوراً (وهذا يشمل البحث الأساسي في الجامعات).
أما الصين، فتعاملت مع الطاقة كسلاح استراتيجي، وهذا جزء من «حزمة النهضة الوطنية» في الصين. وكانت أوروبا التي تورطت في استعداء روسيا قد أعلنت متأخرة عن مشروع «REPowerEU» طامحة لتحقيق هدف غير منطقي وهو إلغاء الاعتماد على الطاقة الروسية. بينما أنهت الصين بالفعل تطوير جيلها القادم من تقنيات الفحم النظيف والطاقة النووية من الجيل الرابع، مما يضمن لها طاقة أساسية رخيصة ومستقرة تدعم بها مصانعها ومختبراتها على حد سواء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1277