عرض العناصر حسب علامة : افتتاحية قاسيون

خطوة أخرى إلى الأمام

شهدت مدينة جنيف، خلال الأيام الماضية، تحركات دولية وسورية واسعة، لتشكيل لجنة الإصلاح الدستوري، والشروع بعملها، وتشير النتائج الأولية إلى تقدم ملموس في هذا السياق، مع تأكيد الأطراف الضامنة، على استمرار السير بالعملية حتى إنجازها الكلي. ولدى الوقوف عند المواقف المختلفة التي ظهرت، تجاه هذا الحراك السياسي والدبلوماسي، ينبغي التأكيد على جملة مسائل:

ليست حرباً تجارية

كان اجتماع السبعة الكبار والخلافات حول البيان الختامي، ومن ثمّ تراجع الرئيس الأمريكي سريعاً عمّا تم الاتفاق عليه، فالتلميحات الأوروبية والكندية، عن إمكانية الاستغناء عن الوجود الأمريكي في المجموعة. شكلت هذه الأحداث كلّها محطة جديدة لتأكيد انقسام العالم الغربي، ودليلاً آخر على أن ما يجري ليس مجرد حرب تجارية تحت عنوان الصلب والألمنيوم، كما يروّج لها، أو تبايناً في وجهات النظر حول هذه القضية أو تلك كما يشاع! إنما هي تعبير عن أزمة بنيوية عميقة في المركز الرأسمالي الغربي برمته، تطال أهم مفاصله وبناه الاقتصادية والسياسية. ليأتي سلوك الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية «النأي بالنفس» عن تبعات هذه الأزمة. وهي التي تعرف أكثر من غيرها عمق الأزمة، لكونها مركزها.

التوافق والإصلاح الدستوري

شاءت تطورات الأزمة السورية، وجملة التفاعلات والتأثيرات التي واكبتها خلال السنوات السبع، وموازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية، أن يكون الحل السياسي للأزمة السورية حلاً توافقياً بالضرورة، فالإقرار بهذا الحل أصلاً يعني عدم إمكانية أي طرف حسم الموقف عسكرياً، كما أقرت به جميع الأطراف، خصوصاً بعد أن اعتمد القرار 2254 كخريطة طريق للحل، أي، أن التوافق هنا، هو شرط الوصول إلى الحل، وأحد أسسه الموضوعية، وأن شرط التوافق هو قبول تنازلات متبادلة، وعدم وضع شروط مسبقة.

أوروبا و«الشقيق الأكبر»

تظهر يوماً بعد يوم مؤشرات جديدة في العلاقات الدولية، لتؤكد بأن الوضع الدولي، وضمن الأفق المنظور، مقبل على تحولات نوعية كبرى، آخر هذه المظاهر، وأكثرها تأثيراً هي الخلافات المتصاعدة مؤخراً بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حول الكثير من الملفات، بما فيها العديد من البنى الاقتصادية والسياسية الأساسية المشتركة، التي تعتبر أعمدة المركز الرأسمالي الغربي، وأدواته في الهيمنة.

«الشرق الأوسط» الآخر

يترسخ عالم التعددية القطبية بتسارع لافت، ويترك تأثيراً ملموساً على مجمل العمليات الجارية في عالم اليوم، حيث بات بالإمكان الحديث في هذا الإطار عن وقائع يومية ملموسة في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وفي مختلف مناطق العالم، ومن الطبيعي أن تكون ما اصطلح عليه بمنطقة «الشرق الاوسط» - وكما كان الأمر عبر التاريخ – إحدى خطوط التماس الأساسية في الصراع بين القديم والجديد، وإحدى ساحات تمظهر ميزان القوى الدولي الجديد.

الافتتاحية: حول الإصلاح الدستوري

كانت وما زالت،  مهمة الإصلاح الدستوري، مهمة وطنية تفرض نفسها بإلحاح على جدول الأعمال، في سياق العمل من أجل الحل السياسي التوافقي والشامل، وفق قرار مجلس الأمن 2254، ومن هنا، فإن الإسراع بتشكيل اللجنة الدستورية، وفق المخرجات المتوافق عليها، في مؤتمر الحوار الوطني في «سوتشي»، ضرورة قصوى، كونها الضمانة لعملية التغيير المنشودة التي لابد منها، لحل جميع المهام الماثلة أمام البلاد، من إنهاء الكارثة الإنسانية، إلى القضاء التام  والنهائي على الإرهاب.. 

استحقاقات التراجع

تتضح يوماً بعد يوم، عملية الاستقطاب الدولي الجديدة بين القوى الصاعدة، والقوى المتراجعة، وتتعمق أكثر فأكثر مسألة التراجع الامريكي، بدءاً من الازمة الكورية، إلى بحر الصين، إلى التخبط في موضوع الملف النووي الايراني..
لا تكمن أهمية التراجع الأمريكي، فقط في الخسائر المتلاحقة التي منيت بها الاستراتيجية الأمريكية، بل تتجسد أيضاً في أن هذا التراجع يفتح الطريق على الخيارات البديلة، حسب خصائص وظروف كل بلد من بلدان العالم.
إن فشل العدوان الثلاثي في تحقيق أهدافه، وتراجع دور العمل المسلح، بعد عمليات الغوطة الشرقية، وعموم محيط العاصمة، وشمالي حمص، لا يعني تغييراً في الأولويات التي يجب التصدي لها، ولا العناوين الأساسية في الوضع السوري، فالتغيير الوطني الديمقراطي، كان وما زال ضرورة تاريخية يفرضها الوضع السوري نفسه، وهو حاجة داخلية سورية موضوعية، وليس مجرد رغبة لهذا التيار السياسي أو ذاك، ولا يتعلق بظرف آني، بل عملية تاريخية قائمة منذ ما قبل 2011 وتفجر الأزمة بالطريقة التي كانت، ومستمرة حتى تحقيق هذه الضرورة، وهو من جهة حق مشروع للشعب السوري، ومن جهة أخرى، ضرورة وطنية تتعلق بتأمين أدوات استعادة سيادة الدولة السورية، والحفاظ على وحدتها، حيث تأكد بالملموس خلال سنوات الأزمة، استحالة إدارة شؤون البلاد بالطريقة السابقة، لا من ناحية بنية النظام السياسي، وهيكليته، ولا من جهة طرائق وآليات توزيع الثروة، أي أنه ضرورة سياسية واقتصادية اجتماعية في آن واحد، وهو ليس مسألة شكلية، يمكن ان تحل ببعض الإجراءات، بل عملية عميقة، وجذرية، جوهرها أن يقرر الشعب السوري، مصيره بنفسه، دون أي شكل من أشكال الوصاية عليه.

واشنطن كانت أقوى..!

بعد التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي عن انسحاب وشيك للقوات الأمريكية، تصاعد الحديث عن قدوم قوات عربية وأوربية، بديلة عن القوات الأمريكية المتمركزة في الشمال السوري، لابل أشارت تقارير إعلامية إلى وصول قوات فرنسية بالفعل الى بعض المواقع.
إن ردود الأفعال الأولية على المحاولة الأمريكية، بما فيها مواقف محميات الخليج العربي، المرتبكة، والقلقة، يشير بأن مغامرة واشنطن الجديدة، ولدت ميته، فهذه الدول منهكة أصلاً بأزماتها الداخلية و البينية، ومآزقها الإقليمية من حرب اليمن، إلى ملف العلاقات مع إيران، إلى دورها المفضوح في الازمة السورية، وحدها «فرنسا ماكرون» تبدو متلهفة إلى التورط في الرمال السورية المتحركة.

المسارات الثلاثة = 2254

لم يكد يمر أسبوع واحد على العدوان الغربي الفاشل ضد سورية، حتى عادت الأمور لتنتظم ضمن مسارها الموضوعي باتجاه تفعيل ثلاثية (جنيف، أستانا، سوتشي)؛ وهو ما ظهر جلياً في اجتماع لافروف مع دي مستورا يوم 20 نيسان الجاري.
الجديد في المسألة هو أن الاعتراف بهذه الثلاثية قد اتخذ شكلاً جديداً مع الاجتماع آنف الذكر؛ فالحديث لم يعد ضمن حدود «مسارات موازية لا مانع من وجودها في حال أثبتت أنها داعمة للمسار الأساسي في جنيف»، كما كان ممكناً أن يُفهم من تصريحات دي مستورا والغربيين على السواء، بل انتقلت الأمور للحديث عن مسارات متوازية ومتكاملة وينبغي تفعيلها جميعها، وبحسب كلمات دي مستورا نفسه فإن: «المفاوضات بشأن التسوية السورية في سوتشي يجب أن تصبح أكثر أهمية بالنسبة للمجتمع الدولي، والمحادثات في أستانا من الأفضل أن تعقد بشكل أكثر انتظاماً»، كما أن هنالك ضرورة لـ«دعم مسارات التسوية السورية الثلاثة».

العدوان بين الدوافع والنتائج

تعددت دوافع العدوان الغربي على سورية، بعضها تتعلق بالوضع في البلاد، وما حولها، واتجاه تطور الأحداث فيها، وبعضها تتجاوز الأزمة السورية، وتدخل ضمن قضايا الصراع الدولي الراهن بين القوى الدولية الصاعدة، والقوى المتراجعة.
إن التراجع المستمر لدور العمل المسلح في البلاد، منذ معركة حلب، وصولاً إلى حل عقدة الغوطة، وثبات خيار الحل السياسي، واستمرار مساراته في جنيف، وسوتشي، وأستانا رغم محاولات العرقلة من هنا وهناك، والحلول المبتكرة التي يوفرها الطرف الروسي، أمام كل تلكؤ جديد، وتزايد وزن ودور قوى المعارضة الوطنية الجدية، وثبات إمكانية دفع العملية السياسية إلى الأمام، والخروج من استراتيجية «استدامة الاشتباك» الأمريكية، إن كل هذه التطورات أدت إلى إمكانية وضع اللاعب الأمريكي والغربي عموماً، خارج الميدان السوري، فلجأت واشنطن إلى التدخل بثقلها العسكري المباشر، لخلط الأوراق مجدداً، ضمن محاولات إعادة التحكم بالوضع.