افتتاحية قاسيون 1258: «حرامية... حرامية!» stars
يوم 17 شباط 2011، في سوق الحريقة الدمشقي، وقبل أيّ تدخلات خارجية، وقبل أي تدفق لمالٍ أو سلاح، وكنتيجة طبيعية وعفوية لتراكم القهر والظلم والغضب، هتفت جموع من السوريين في وجه السلطة وممثليها:
يوم 17 شباط 2011، في سوق الحريقة الدمشقي، وقبل أيّ تدخلات خارجية، وقبل أي تدفق لمالٍ أو سلاح، وكنتيجة طبيعية وعفوية لتراكم القهر والظلم والغضب، هتفت جموع من السوريين في وجه السلطة وممثليها:
يوم الخميس الماضي، 19 كانون الأول، وخلال احتفاله بعيد «حانوكا» اليهودي في البيت الأبيض، أطلق ترامب جملة من التصريحات بما يخص الجولان السوري المحتل، متفاخراً بأنه «منحه لإسرائيل»، وأنه أرض غنية تساوي ترليونات الدولارات، مذكراً بذلك بالقرار الذي اتخذه في ولايته الأولى، وتحديداً يوم 25 آذار 2019، بالتوقيع على مرسوم رئاسي أمريكي يعترف بـ«السيادة الإسرائيلية الكاملة على مرتفعات الجولان السوري».
رغم الجهود الكبيرة التي يجري بذلها لإضفاء أجواء احتفالية على الوضع السوري الراهن، إلا أن الأمر يبدو– وفقاً للمثل الشعبي- كمن «يرش على الموت سكراً»؛ فالوقائع واضحة وصارخة بعمق المأساة المتراكمة والمتفاقمة... بدءاً من الوضع السياسي العام الذي ما تزال سورية بموجبه عبارة عن مجموعة من المناطق التي تحكمها سلطات مختلفة، وتسود فيها فضاءات اقتصادية متعددة، ومروراً بالأوضاع الاقتصادية الكارثية والإجراءات والتوجهات الليبرالية المعادية لمصالح أكثر من 90% من السوريين، والمتوافقة مع وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، وليس انتهاءً بالأوضاع الأمنية التي تزداد خطراً يوماً بعد يوم، بفعل التدخلات الخارجية المدمرة، وخاصة «الإسرائيلية»، وبفعل ارتفاع مستوى التحريض الطائفي وغياب المشاركة السياسية الحقيقية، بل والسعي الواضح من أجل تطويق الحراك السياسي للناس مجدداً.
«طُويتْ اليوم صفحة سوداء في تاريخ سورية والشعب السوري؛ صفحةٌ كان شعبٌ بأكمله محشوراً في هامشها الضيق، يعاني شتى صنوف العذاب والقهر والحرمان والآلام والتهجير والفقر والمعتقلات، بينما كان يحتل متنها بأكمله، الاستبداد والفساد والنهب والتغول على حقوق الناس وكراماتهم.
ارتفع خلال الأسابيع الماضية، صخبُ الخطابات الطائفية بأشكالها «السلمية» والعنيفة. وترافق ذلك مع ارتفاع حدة تقسيم السوريين بين شوارع متقابلة متضادة، عبر المظاهرات والمسيرات، في تكرار للمشهد البائس الذي عاشته البلاد خلال حقبة الأسد. وذلك بالتوازي مع تصاعد التدخلات والاعتداءات الخارجية على سورية، وعلى رأسها الاعتداءات «الإسرائيلية»، وآخرها في بيت جن في ريف دمشق، حيث تصدى ثلة من الشبان للتغوّل الصهيوني معيدين التأكيد على أن عجرفة «الإسرائيلي» وبطشه، لن تثني السوريين عن الدفاع عن أرضهم وكرامتهم، وأن خيار الشعب السوري أولاً وأخيراً هو التصدي للمحتل، بغض النظر عن ضرورات الأنظمة، أو عن أوهامها.
كانت التصريحات الرسمية التي خرجت في شهر تموز الماضي، وعلى رأسها ما قاله حاكم مصرف سورية المركزي الذي أكد أنه، وفقاً لتوجيهات رئاسة الجمهورية، فإن البلاد لن تلجأ إلى الديون الخارجية ولن تستدين من صندوق النقد أو البنك الدوليين، مطمئنةً للسوريين الذين خبروا جيداً وصفات هاتين المؤسستين، وعرفوا أثمانها الباهظة جيداً. فالسياسات التي جُربت في سورية سابقاً، تحت مظلة «الإصلاح» و«الانفتاح»، لم تنتج سوى تدمير ممنهج لمعيشة الفقراء، وتراجع متسارع لدور الدولة، وانفجار اجتماعي هائل ما زالت البلاد تدفع فواتيره حتى اليوم.
خلال الأسابيع الماضية، ظهرت تصريحات ومؤشرات جديدة حول طباعة العملة الجديدة وطرحها للتداول ابتداءً من أوائل العام المقبل. وهي المسألة التي يمكن اعتبارها قنبلة اقتصادية واجتماعية ذات أثر مباشر على حياة السوريين، وتتطلب تداركاً سريعاً قبل أن تتحول إلى كارثة اجتماعية لا يمكن لأحد أن يتوقع نهايتها.
اعتمد مجلس الأمن الدولي يوم الخميس الماضي، 6 تشرين الثاني 2025، قراراً جديداً حول سورية حمل الرقم 2799 لعام 2025، تم بموجبه رفع اسم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قوائم الإرهاب، ووضْعُ سورية تحت الفصل السابع بنص صريح لأول مرة.
لم يكن قرار رفع أسعار الكهرباء الذي أعلنته وزارة الطاقة مؤخراً سوى إعلان صريح عن السير في الطريق المعاكس تماماً لمصالح السوريين، وعن الاستمرار في المنهجية التي أثبتت الوقائع مراراً وتكراراً أنها لا تقود إلا إلى الخراب: رفع الأسعار قبل رفع الأجور بشكلٍ حقيقي، وتحميل الفقراء كلفة ما دمرته السياسات الخاطئة التي تراكمت عبر عقود ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
الشعب السوري وحدة سياسية تاريخية متكاملة، ولا يمكن تعريفه بكونه جمعاً حسابياً لقوميات وأديان وطوائف وعشائر. هذه الوحدة المتكاملة تتضمن تناقضاً بين الناهبين والمنهوبين؛ الناهبون الذين لا يتجاوزون 10% من السكان، وينتمون إلى كل القوميات والأديان والطوائف، والمنهوبون الذين يزيدون على 90% من السكان، وينتمون أيضاً إلى كل القوميات والأديان والطوائف.