افتتاحية قاسيون 1254: أهم أداة للتدمير الشامل: الطائفية!
ارتفع خلال الأسابيع الماضية، صخبُ الخطابات الطائفية بأشكالها «السلمية» والعنيفة. وترافق ذلك مع ارتفاع حدة تقسيم السوريين بين شوارع متقابلة متضادة، عبر المظاهرات والمسيرات، في تكرار للمشهد البائس الذي عاشته البلاد خلال حقبة الأسد. وذلك بالتوازي مع تصاعد التدخلات والاعتداءات الخارجية على سورية، وعلى رأسها الاعتداءات «الإسرائيلية»، وآخرها في بيت جن في ريف دمشق، حيث تصدى ثلة من الشبان للتغوّل الصهيوني معيدين التأكيد على أن عجرفة «الإسرائيلي» وبطشه، لن تثني السوريين عن الدفاع عن أرضهم وكرامتهم، وأن خيار الشعب السوري أولاً وأخيراً هو التصدي للمحتل، بغض النظر عن ضرورات الأنظمة، أو عن أوهامها.
إنّ ما تثبته أحداث الأسابيع الأخيرة في البلاد هو التالي:
أولاً: الطرح الطائفي هو طرح غير وطني بالضرورة، سواء استعان بالعدو الخارجي بشكل علني أو غير علني، وسواء قدم نفسه معادياً للتدخل الخارجي أم مؤيداً له؛ فالطائفية هي سلاح الدمار الشامل الذي يفتت الأوطان ويخدم الأعداء الخارجيين بشكل مباشر وملموس، وعلى رأسهم «الإسرائيلي» الذي يقول علناً: إنه يعمل على تقسيم سورية على أسس طائفية ودينية وقومية؛ بكلام أوضح، لا يمكنك أن تكون طائفياً ووطنياً في الوقت نفسه حتى ولو بُحّ صوتك في توجيه الشتائم للصهيوني؛ فما دمت تشتم أبناء وطنك على أسس طائفية فإنك تخدم «الإسرائيلي» مباشرة، سواء وعيت ذلك أم لم تعِه.
ثانياً: إن الطرح الطائفي، والسياسة الطائفية، هي المعادل المناسب لليبرالية الاقتصادية المتوحشة؛ فحين يصب البرنامج الاقتصادي الاجتماعي ضد مصلحة الغالبية الساحقة من السوريين، فإن أصحاب هذا البرنامج يعملون على تقسيم السوريين على أسس طائفية ودينية وقومية، لأن توحيد السوريين على أساس مصالحهم الاقتصادية الاجتماعية المباشرة، يعني توحيدهم ضد برامج النهب الليبرالية المرتبطة في نهاية المطاف بصندوق النقد والبنك الدوليين، والتي تصب في مصلحة قلة ناهبة عابرة للأديان والقوميات والطوائف، وتصب بالضد من مصلحة الأغلبية الساحقة من السوريين، ضد مصلحة أكثر من 90% من السوريين، المنتمين إلى كل القوميات والأديان والطوائف.
ثالثاً: الطرح الطائفي يتطلب مستويات حريات سياسية منخفضة، ويتطلب منع الناس من التجمع على أسس سياسية، ودفعها للتجمع على أسس طائفية ودينية وقومية؛ ولذا فإن من الطبيعي تماماً أن يتم ضرب الإعلان الدستوري بعرض الحائط عبر محاولة السيطرة على أي نشاط سياسي في البلاد، وإخضاعه مجدداً إلى «الموافقات الأمنية» على طريقة السلطة الساقطة، والتي نرى اليوم تكراراً لها عبر تعميم وزارة السياحة التي تلزم أي نشاط سياسي بالحصول على موافقة مسبقة من الهيئة السياسية.
رابعاً: إن توحيد السوريين على أساس مصالحهم الوطنية والاقتصادية الاجتماعية الحقيقية، يتطلب إشراكهم بشكل حقيقي في تقرير مصيرهم، وفي تحديد مستقبل دولتهم وشكلها، عبر مؤتمر وطني عام جامع وشامل، وعبر حل سياسي حقيقي يحقق الهدف الأساسي من القرار 2254، أي اشتراك السوريين الفاعل في تقرير مصيرهم بأنفسهم، عبر جسم حكم انتقالي، ودستور دائم، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.
خامساً: الاعتماد على الخارج في نيل الشرعية، سواء تعلق الأمر بالسلطات المركزية أو بغيرها من السلطات والقوى على امتداد الوطن، هو إضعاف لتلك السلطات والقوى، وهو تهديد إضافي لوحدة البلاد ووحدة الشعب... مصدر الشرعية الوحيد المضمون هو اجتماع السوريين، كل السوريين، ووحدتهم، وبغض النظر عن الدين أو القومية أو الطائفة...
إن المعيار الأساسي للوطنية السورية اليوم، هو العمل ضد الطائفية وضد تقسيم السوريين على أسس ما قبل وطنية، والعمل الجاد والصادق من أجل توحيد السوريين عبر الحل السياسي الشامل، الذي يصب بالضرورة في مصلحة الغالبية الساحقة من السوريين، وضد مصالح تجار الحروب والطوائف...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254