المناهضة «اليهودية» للصهيونية
تحت عنوان «المناهضة اليهودية للصهيونية» صدر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب للباحث ياكوف م. رابكن المؤرخ وأستاذ تاريخ العلوم في جامعة مونتريال.
تحت عنوان «المناهضة اليهودية للصهيونية» صدر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب للباحث ياكوف م. رابكن المؤرخ وأستاذ تاريخ العلوم في جامعة مونتريال.
منذ أن كانت فلسطين تحت الانتداب الاستعماري البريطاني، كان الشعب الفلسطيني يقاتل ويقاوم سلطات الانتداب. ورغم الفارق الهائل في ميزان القوى تنامت المقاومة الشعبية الفلسطينية سواء على شكل انتفاضات شعبية شاملة أو عبر العمليات العسكرية ضد العدو المزدوج. وهناك دراسات جادة تؤكد أن الاحتلال البريطاني خرج من فلسطين يوم 14 أيار 1948 بعد أن أوكل للنظام الرسمي العربي صنيعته الذي يأتمر بأمره الدخول إلى فلسطين لا ليقاتل ضد العصابات الصهيونية المسلحة، بل ليخدع فصائل المقاومة الفلسطينية ويخرجها من القتال ويحتل مواقعها ليسلمها لاحقاً ودون قتال إلى قوات الاحتلال الصهيوني، وهذا ما حدث فعلاً ما بين إعلان الحرب في 1948 وتوقيع اتفاقات الهدنة في «رودس» 1949.
مازالت كرة النار التي ألقتها قيادة سلطة رام الله المحتلة في حضن المجتمع الفلسطيني والعربي والدولي من خلال فعلتها النكراء الجديدة في جنيف، تتفاعل بسرعة. وإن كانت صفة الارتباك والتلعثم قد ارتبطت بأسماء كل من تنطح لتبرير التأجيل أولاً، أو تخطئته بعد ردة الفعل المجتمعية، فإن مستجدات الأيام الأخيرة، شهدت إعادة انتاج للخطاب السياسي/ الإعلامي الصاخب الذي ارتبط بسيطرة حماس، خلال حسمها العسكري على قطاع غزة منتصف يونيو/ حزيران 2007، والذي جاء خطاب عباس بفضائية السلطة، وكلماته في الحفل الذي شهدته الجامعة الأمريكية في مدينة «جنين»، ليدشن مرحلة «رسمية» في شرعنة هذا الخطاب وفتح آفاقه نحو اللاحدود، وليكشف بالوقت ذاته عن نبرة استعلائية/ إقصائية، تعمل على تبرير الخطايا المتتالية بلغة ملتبسة في مضمونها السياسي- تأجيل تقرير غولدستون...نموذجاً، وعلى استخدام وتعميم عبارات واضحة وفاقعة عند الحديث عن حماس. عشرة أشهر تقريباً، هي عمر جولات الحوار الفلسطينية المكوكية، خفتت فيها تلك التوصيفات التي أنتجتها معارك «الإخوة الأعداء» في غزة والضفة. لكن ماأحدثته ردود الفعل الفلسطينية والعربية ومنظمات حقوق الانسان الدولية على «جريمة» جنيف، لم تدفع بـ«السيد الرئيس»- كما يعتقد البعض واهماً- إلى الاعتذار عما حصل، أو كما يتمنى قطاع واسع من الشعب والأمة استقالته وحاشيته، كما يحصل في تجارب الدول والحكومات الديمقراطية. ولهذا فإن الخطاب المتلفز وماتتالى بعده من كلام يقطر سماً، على لسان أكثر من مسؤول بالسلطة والحركة، كما جاء في تصريحات «حسين الشيخ»، عرى بعض المواقف المتخفية خلف كلمات «المصالحة والوحدة»، لكن ما أفصح عنه ياسر عبد ربه بـ(إعلان إجراء الانتخابات من جانب واحد في موعدها الدستوري في كانون الثاني المقبل في حال تعثر جهود المصالحة)، مضيفاً بعبارات لاتخلو من الابتزاز والتهديد (إما أن نتفق على موعد الانتخابات والتوقيع على الوثيقة المصرية وتكون الانتخابات في الموعد الذي حدده الأشقاء المصريون، وإما سنقوم بخطوة من طرف واحد وهي الخطوة الشرعية بإصدار مرسوم بتحديد موعد الانتخابات في كانون الثاني)، يفضح حقيقة التوجه نحو تكريس سلطتهم على «محمية الضفة» عبر الذهاب للانتخابات المنفردة.
ما فعله محمود عباس بالنسبة لتقرير «غولدستون» لم يمثل مفاجأة. إذ تمت جريمة الخيانة هذه في إطار سياق ما آل إليه حال الصراع العربي– الإسرائيلي من تردٍ. مشهد التردي واضح لكل عين. الجديد فيه أن عباس ضبط متلبساً بالجريمة «الكاملة» تحت سمع وبصر شهود من أركان الدنيا الأربعة، رغم أنها ليست الجريمة الأولى ولن تكون الأخيرة طالما استمر على وضعه الراهن.
في منتصف الشهر الماضي كتب د. جول دوفور رئيس الجمعية الكندية للأمم المتحدة، عضو الحلقة الكونية لسفراء السلام، والحرس الوطني في كيبيك مقالة استشرفت ما كان يمكن أن يقدّمه الرئيس الأمريكي من مشروع قانونٍ خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع والعشرين من أيلول، متضمناً دعوة لكل الدول إلى «الانخراط بحسن نيةٍ في مفاوضاتٍ حول إجراءاتٍ فعالة لتقليص الترسانات النووية ونزع التسلح» وإلى العمل على وضع «معاهدة للنزع الشامل والكامل للأسلحة بسيطرةٍ دوليةٍ صارمة» واحترام «معاهدة منع الانتشار النووي بهدف جعلها كونيةً في أقرب وقتٍ ممكن»، علماً بأنّ "عدد الدول الموقّعة على هذه المعاهدة يبلغ 189 بلداً، باستثناء إسرائيل المدججة نووياً. وأورد الكاتب خمسة عناوين فرعية:
1. سابقة كاشفة
لئن كان هذا الابتكار الذي تقدّم به الرئيس أوباما جدياً، فمن حقنا التساؤل إن كانت الإمبراطورية ترى منذ الآن سقوطها الوشيك. يمكن أن نعتقد بأنّ إحدى وسائل ضمان بقاء العم سام هي الطلب من كل الدول التخلّص من القوات التي ربما تهددها. ربما يقول: «أختزل هنا، لكنني أطلب منكم أن تفعلوا بالمثل بهدف السماح لي بإعادة تشكيل أسس قوتي». يبدو أنّ الأمر يتعلّق هنا بخديعةٍ أو بإستراتيجية تراجعٍ مؤقّتٍ وأنّه ليس لديها أيّة نيّةٍ حقيقيةٍ في التخلي عن قوتها النووية للأبد.
2. ضغطٌ هائلٌ لمواصلة أعمال نشر الدرع الصاروخي
يبدو أنّه من غير الوارد التخلي عن هذا البرنامج الذي ينشر الصواريخ في وسط أوربا. كما أنّ تصريحات هيلاري كلينتون بصدد مظلة الحماية في الشرق الأوسط والتي ذكرتها لمواجهة التهديد الإيراني المحتمل لا تطمئن أحداً. وفي الواقع، فإنّ كلّ شيءٍ يسهم في الحفاظ على السياسة الأمريكية السائدة في مواصلة تطوير أنظمتها الدفاعية المضادة للصواريخ في أوروبا وذلك ضمن منظور هجومٍ روسي محتمل. علماً بأن الكلف فلكية للحفاظ على القواعد الميدانية لنشر الأسلحة النووية (المخزونات والحوامل) في أمريكا وأوروبا، حيث يتم تخصيص أكثر من 60 مليار دولار سنوياً (بالنسبة لواشنطن وموسكو) للحفاظ على هذا النظام ويصبح هذا الرقم 100 مليار دولار مع احتساب كل الدول النووية. وبوجود هذه الكلفة فإنه من غير المرجح التخلي عن البرنامج.
3. الدافع الحقيقي لنزع التسلح النووي المقترح
من المنطقي أن نعدّ هذا الاقتراح رداً أمريكياً مبطناً على الإيرانيين في إطار المفاوضات بين الجانبين، حيث يمكن الافتراض أنّ الولايات المتحدة، وبعد أن تنال من الإيرانيين اتفاقاً على التوقف عن نشاطات اليورانيوم المخصب، ستترك مقترحاتها لنزع التسلح الشامل موضع انتظار. وهل من المعقول أن تتمكّن هذه القوّة من التخلي فجأةً عن السيطرة التي تمارسها على مجمل المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، وهي سيطرةٌ تنبع إلى حدٍّ كبيرٍ من قدراتها في الردع النووي ومن وضعها كعضوٍ دائمٍ (يتمتع بحق النقض) في مجلس الأمن؟
4. ما هي التنازلات التي يمكن مطالبة إيران بها؟
لن يكون وقف البرنامج النووي الإيراني، حسب مطالب الغرب والقوى النووية، الرهان الرئيسي للمفاوضات بين طهران والقوى العظمى. ما تواصله هذه الأخيرة بلا هوادةٍ هو محاولة استعادة السيطرة على إيران ونفطها، وهو أحد عناصر سيطرةٍ كليةٍ وناجزة على الشرق الأوسط بأكمله. وهذا هو السبب وراء الحذر الإيراني من المطالب الغربية حيث قال محمود أحمدي نجاد بوضوح: «التكنولوجيا النووية حقٌ شرعي ونهائي للأمة الإيرانية ولن تتفاوض إيران مع أحدٍ حول حقوقها التي لا تقبل الجدل».
5. الخلاصة
تخفي ضراوة البلدان الغربية في مواجهة البرامج النووية لإيران وكوريا الشمالية الدوافع الحقيقية وراءها. عبر إدانة سلوك هذين البلدين دون هوادة، تخفي تلك البلدان سلوكها غير المقبول بصدد تطبيق معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية التي وقّعت عليها. وعلى سبيل المثال، أثناء مراجعة تلك المعاهدة في العام 2000، لقد نزعت القوى النووية باستثناء الصين أسلحتها كمياً، لكن لم يقم أيٌّ منها بفعل ذلك نوعياً، بل إنّها جميعاً حدّثت تسلّحها واتخذت الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على قدرتها النووية إلى ما لا نهاية.
يمكن وصف هذا السلوك بأنّه منافق، ومن المفاجئ حقاً أن يتغير مع وصول إدارة أوباما إلى السلطة.
أعلنت البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة أنها «ستعمل مع المجموعة العربية وكل المجموعات السياسية الأخرى داخل مجلس الأمن وخارجه» من أجل أن يجتمع ويناقش تقرير القاضي ريتشارد غولدستون بشأن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بداية هذا العام، حيث من المقرر أن يبحث المجلس في جلسة مغلقة مساء يوم إغلاق تحرير هذا العدد طلباً لعقد جلسة طارئة من أجل مناقشة التقرير وهو طلب تقدمت به ليبيا وأصدرت البعثة الفلسطينية بياناً تعلن فيه «مساندتها المطلقة له»..!
تحت عنوان «شريط أبو مازن، وتقرير غولدستون، والابتزاز الإسرائيلي» أبرزت صحيفة «معاريف» الصادرة الاثنين الماضي، أن إسرائيل هددت محمود بالكشف عن شريط يظهر فيه عباس وهو يحاول إقناع إيهود باراك، بمواصلة الحرب على قطاع غزة، وذلك في حال رفض عباس تأجيل البحث في تقرير غولدستون. وأشارت الصحيفة إلى أن القرار المفاجئ للسلطة الفلسطينية بتأجيل البحث في التقرير في مجلس حقوق الإنسان في جنيف يعود إلى التهديد الإسرائيلي بالكشف عن محتويات هذا الشريط لوسائل الإعلام وللجنة الأمم المتحدة.
لم يكن موقف سلطة الحكم الذاتي في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان الدولي (يوم الجمعة 2/10/ 2009)، الذي ناقش وعلى مدى عدة أيام التقرير الذي أعده القاضي «ريتشارد غولدستون» مفاجئاً للعديد من أبناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية «المكتوين» بنيران الإذعان والتفريط لتلك السلطة تجاه القضايا الوطنية للشعب الفلسطيني. لكن اللافت لنظر المراقبين المتابعين للعديد من المحطات الهامة التي أدارت فيها السلطة ظهرها للمبادرات العربية والدولية المساندة لنضال الشعب الفلسطيني ودورها في تبديد كل المحاولات التي تدين وتفضح عدوانية الممارسات الوحشية لجيش الاحتلال وحكومته، يؤكد تجاوز وظيفة قيادة مقاطعة رام الله المحتلة لدورها البوليسي المحلي الذي يحافظ على «سلامة واستقرار» كيان العدو، وتمدد مستعمراته، وحرية حركة قطعانه السائبة، وانتقال مهماتها للصعيد الدبلوماسي في المحافل الدولية، من أجل تبييض صفحة العدو، وغسل يديه من دماء أبناء شعبنا وأمتنا.
من على منبر الأمم المتحدة وقف «نتنياهو» ليوبخ ويؤنب الحضور ومن بينهم رؤساء دول وحكومات. وكرر الحديث الممجوج عن المحرقة في إطار هجوم بذيء على إيران والرئيس نجاد. والأنكى هو تأكيده بأن العصابات الصهيونية التي اغتصبت فلسطين ليسوا «غزاة أجانب لأن أجدادهم سكنوا هذه الأرض». ووضع تصوره للمستقبل بأن أية دولة فلسطينية يجب أن «تكون منزوعة السلاح بشكل فعال». ثم أكد على مطلبه الأساسي الذي يمثل منطلق المشروع الصهيوني وهو ضرورة أن يقبل الفلسطينيون «دولة يهودية في إسرائيل».
ليس مستغرباً ما أقدم عليه محمود عباس وتوابعه في السلطة الفلسطينية من قبول أوامر القنصل الأمريكي في رام الله- الذي زاره يوم 1/10/2009- بتأجيل التصويت على تقرير ريتشارد غولدستون في الاجتماع الدوري لمجلس حقوق الإنسان، والمتعلق بجرائم الحرب الموصوفة التي ارتكبها جيش الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني أثناء العدوان على غزة.