افتتاحية قاسيون 1269: لماذا حكومة الوحدة الوطنية؟

افتتاحية قاسيون 1269: لماذا حكومة الوحدة الوطنية؟

أشارت افتتاحية قاسيون الماضية، إلى ضرورة التعامل بشكل طارئ وإنقاذي مع الأوضاع المتراكمة والمستجدة التي تشكل الوضع السوري الراهن، داخلياً وإقليمياً ودولياً، مع تعاظم الأزمات المختلفة واحتمال انفجارها، في ظل حرب مستمرة ليس من الواضح متى ستنتهي، ولكن الواضح أن آثارها ستكون كبيرة على العالم والمنطقة وبلدنا ضمناً، أياً تكن تلك النتائج، وأياً تكن الآجال التي ستنتهي ضمنها.

 

المؤكد ضمن نتائج هذه الحرب، وبما يتعلق بنا مباشرة، هو التالي:

أولاً: ينبغي أن ننسى نهائياً، أي إمكانية دعم اقتصادي (مالي أو استثماري) من دول الخليج العربي، التي ستكون منشغلة بمعالجة أزماتها الداخلية الاقتصادية وغير الاقتصادية، ولن تكون في وضع يسمح لها بتقديم أي مساعدة حقيقية لسورية، ليس الآن فقط، بل ولسنوات عديدة قادمة.

ثانياً: الأزمات الاقتصادية والمعيشية القائمة، ستتعمق وتزداد خطورة، بغياب وتدمير دور جهاز الدولة الاجتماعي من جهة (عبر اللبرلة المتصاعدة)، وبغياب إمكانيات الدعم الخارجي وتآكلها، وخاصة من الخليج العربي.

ثالثاً: سيزداد التوتر الاجتماعي مع ظهور غياب العدالة الاجتماعية بشكل فاضح، خاصة مظاهر البطر لدى قلة قليلة تعيش منفصلة عن واقع السوريين وآلامهم ومعاناتهم. وسيؤدي التوتر الاجتماعي المتزايد إلى توتر سياسي إضافي، وأمني ضمناً.

رابعاً: «الإسرائيلي» سواء انتصر (وهو احتمال شبه صفري) أو هزم، فإن سورية كخاصرة ضعيفة، ستكون مسرحاً أولاً لتنفيذ «الشرق الأوسط الكبير/إسرائيل الكبرى»، أو للتعويض عبر مزيد من التخريب والتوسع والدفع باتجاه الاقتتال الداخلي، وتنشيط داعش وأشباهها. ومن يقرأ الصحافة «الإسرائيلية» ويتابع تصريحات المسؤولين «الإسرائيليين» والدراسات التي تنتجها مراكز الأبحاث الصهيونية، إضافة لمتابع السلوك الملموس على الأرض، يتيقن من أن الصهيوني سيعمل على البطش بسورية والسوريين أياً تكن نتيجة الحرب الجارية مع إيران.

هذه الإحداثيات مجتمعة، تعني أن المهدد اليوم ليس وحدة البلاد الجغرافية السياسية فحسب، بل ووجودها من الأساس، علماً أن الأفق المتوسط والبعيد يصب في صالح سورية والسوريين مع التراجع الأمريكي والصهيوني، ولكن في الأمد القريب إلى المتوسط، سنواجه أخطاراً وجودية كبرى.

أمام هذا الحجم من الأخطار، فإن أداة الدفاع الأساسية هي توحيد الشعب السوري، وإغلاق الثغرات الكبرى التي استند ويستند إليها الصهيوني والأمريكي، بما في ذلك ذات الطابع الطائفي والقومي والاقتصادي الاجتماعي.

ولتأمين الداخل وتوحيده، ينبغي أن يشعر كل سوري أن البلد بلده، وأنها تعمل من أجله ومن أجل مستقبله ومستقبل أولاده، وتعمل لصالحه، وليس لصالح فئات ضيقة من المنتفعين.

المدخل لذلك هو حكومة وحدة وطنية حقيقية تلعب دور المنقذ والموحد للشعب السوري، عبر تركيبة تشمل القوى السياسية الأساسية والقوى الاجتماعية الأساسية في البلاد، وتكون النقطة الأولى في برنامجها، هي التحضير للمؤتمر الوطني العام الشامل وكامل الصلاحيات، الذي توضع على طاولته كل المشكلات والأزمات العالقة، ليتوافق السوريون على طريقة معالجتها، وليكون المؤتمر نفسه هو أداة في إنفاذ حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، على قاعدة: أن السلطة يجب أن تكون للشعب السوري، والثروة يجب أن توزع توزيعاً عادلاً، والكرامة ينبغي أن تصان لكل سوري بغض النظر عن أي انتماء فرعي يحمله.

ضمن أولويات برنامج حكومة الوحدة الوطنية، صياغة علاقات سورية الخارجية انطلاقاً من الوقائع الحقيقية لميزان القوى الدولي، واستناداً لمصالح الشعب السوري الحقيقية؛ ما يعني صياغة علاقات متوازنة، اتجاهها العام هو الشرق الصاعد بإمكاناته الاقتصادية الضخمة، دون القطع مع الغرب بطبيعة الحال، ولكن مع إنهاء أي أوهام في الاعتماد عليه، وخاصة في الاعتماد على واشنطن التي قدمت للعالم أجمع مثالاً مهماً على مصير من يعتمد عليها ضمن الحرب الجارية، وكانت قد قدمت قبل ذلك عشرات الأمثلة ضمن سورية نفسها وحول العالم.

الوصول إلى حكومة وحدة وطنية تصيغ علاقات خارجية متوازنة من جهة، وتتجه لتوحيد الشعب السوري على أساس مصالحه الاقتصادية الاجتماعية بالدرجة الأولى، وعلى أساس الاعتماد على الذات قبل أي أحد آخر، هو الطريق الوحيد لمجابهة الأخطار الكبرى المحدقة بالبلاد بمختلف قواها وتكويناتها، وهو طريق مشروط زمنياً بآجال قصيرة، لأن سرعة اقتراب الأخطار ما تزال أعلى بكثير من سرعة تحرك القوى السياسية والاجتماعية السورية بمختلف مواقعها...

لماذا حكومة الوحدة الوطنية؟ لأن الأداة الأولى والأساسية في الدفاع عن الوطن اليوم، هي حكومة الوحدة الوطنية!

 

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269
آخر تعديل على الأحد, 15 آذار/مارس 2026 18:04