في تفسير العربدة الأمريكية
رمزي السالم رمزي السالم

في تفسير العربدة الأمريكية

لماذا يبدو العالم اليوم وكأنه «مشفى مجانين» كبير؟ حروب متدحرجة، بؤر توتر تشتعل في كل زاوية، والحديث عن استخدام السلاح النووي بات يتردد ببرود مرعب، وكأن البشرية أصيبت بـ «فقدان ذاكرة» جماعي. ألم تكفِ 100 مليون ضحية في حربين كونيتين ليتعظ الكوكب؟ أم أن العقل البشري قد أعلن استقالته تماماً أمام غريزة الهدم؟

لتحليل هذا الجنون، علينا الكف عن قراءة السياسة بطريقة «البصّارات» أو الاكتفاء برصد التصريحات الدبلوماسية المتناقضة، والغوص بدلاً من ذلك في عمق «الاقتصاد الحقيقي». إن الأساس التكنولوجي والاقتصادي الذي سمح للولايات المتحدة بالاستفراد بالقرار الدولي يشهد تراجعاً مضطرداً؛ ومن هنا تبدأ حكاية الهروب نحو الحرب كأداة وحيدة للإنقاذ.


سُقوط «الأقنعة»: فضيلة القوة العارية


لعل من أبرز «فضائل» لجوء الولايات المتحدة إلى «القوة العارية» في العقد الأخير، أنها أنهت عملياً حقبة البروباغندا الناعمة. لقد سقطت أقنعة «نشر الديمقراطية»، و»حقوق الإنسان»، وقيم «العالم الحر» التي صدعت بها رؤوسنا لعقود. اليوم، بات الحديث عن «المصالح الأمريكية المجردة» هو لسان حال النخبة في واشنطن، دون مواربة أو خجل.

هذا التحوّل الجذري سحب البساط من تحت أقدام «الأصوات المتلبرلة» في منطقتنا، تلك التي طالما بررت الارتهان للخارج بوصفه «منقذاً» أو «جسراً للديمقراطية». لقد سقطت الثنائية التضليلية التي ظهرت قبيل احتلال العراق، والتي اشترطت في العمل المعارض أن يكون «متأمركاً» ليكون مشروعاً. اليوم، تظهر الحقيقة عارية: الولايات المتحدة لا تحمل ديمقراطية في جعبتها، بل تحمل صواريخ لحماية تفوقها الاقتصادي المترنح.


التوسع الإمبراطوري: قاعدة «المعكوس» الأمريكي


تاريخياً، كان التوسع الإمبراطوري نتيجة طبيعية لتطور هائل في القوى المنتجة، وبحثاً عن أسواق جديدة لفيض الإنتاج، وكان التفوق العسكري «تحصيل حاصل» لهذا الزخم الاقتصادي. أما في الحالة الأمريكية الراهنة، فنحن نشهد العكس تماماً.

يعاني الاقتصاد الأمريكي اليوم من «نمو صفري» في قطاعات الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة)، مقابل تضخم مرعب في «القطاع المالي» الذي بات يلتهم أكثر من 80% من الناتج الإجمالي المحلي، نحن أمام إمبراطورية تعيش على «الديون الفلكية» التي تبلغ فوائدها الشهرية وسطياً 90 مليار دولار، وتواجه خللاً غير مسبوق في ميزانها التجاري، وتراجعاً مستمراً لوزن الدولار في التجارة الدولية. وبما أن هذه المآزق لا تجد حلولاً «تقليدية» في قواميس الاقتصاد، لجأت واشنطن إلى «إدارة أزمتها» عبر الابتزاز العسكري. فكلما ازدادت العدوانية الأمريكية، كان ذلك إقراراً ضمنياً بأن المنافسين (التكتلات الناشئة) يسجلون صعوداً جديداً يعجز الاقتصاد الأمريكي عن كبحه بالوسائل السلمية، لا شك أن القوة العسكرية كانت تساهم في التوسع الامبراطوري، ولكنها في ظروف التوازن النووي، ودرجة التناقضات، باتت عاجزة لوحدها عن حماية هذا التوسع.


الحرب كـ «مُعادل بضاعي»


يواجه الاقتصاد الأمريكي مأزق «تلال» الدولار السائل التي تفوق حاجة السوق العالمي. هذا الضخ الهائل للسيولة- خصوصاً بعد سياسات «التيسير الكمي» منذ أزمة 2008 وتداعيات جائحة كورونا- خلق فائضاً نقدياً يبحث عن طلب دائم ليحافظ على قيمته كعملة احتياط أولى.
هنا تظهر الحرب كـ «معادل بضاعي غير تقليدي». فالحرب تعني:
خلق طلب اصطناعي: عبر عقود دفاعية بمليارات الدولارات تنعش مصانع السلاح الأمريكية.
تنشيط سلاسل الإنتاج: من المعادن الخام، وصولاً إلى التكنولوجيا الدقيقة المرتبطة بالأمن.
إعادة تدوير الدولار: بدلاً من تآكله خارجياً، يتم سحبه للداخل عبر تمويل النزاعات وتسليح الحلفاء.
حماية «البترودولار»: استخدام القوة لمنع دخول أي عملة بديلة إلى سوق الطاقة، وهو الخط الأحمر الذي دونه الحروب الكبرى.


جغرافيا النزاع


وفقاً لإحصائيات المراكز الدولية، يشهد العالم اليوم أكثر من 62 نزاعاً مسلحاً، وهو الرقم الأعلى منذ عام 1946. ومن الملفت أن عدد النزاعات قفز من متوسط 35 نزاعاً سنوياً (بين 2000-2013) إلى أكثر من 60 نزاعاً اليوم.
تشير خارطة هذه النزاعات، وفق تقارير «خدمة أبحاث الكونغرس» (CRS)، إلى أن واشنطن استخدمت قواتها خارج حدودها أكثر من 251 مرة منذ عام 1991. تتركز هذه التدخلات في المناطق الاستراتيجية للطاقة والممرات المائية، وتحديداً في النقاط التي تشهد فاعلية صينية متزايدة. لقد انتقلت الإدارة الأمريكية من «الحروب المباشرة» المكلفة بشرياً وسياسياً، إلى استراتيجية «إدارة الصراعات عن بُعد» عبر الوكلاء والتحالفات الإقليمية.


إدارة الصراع لا حله


إن القاسم المشترك في الدور الأمريكي عبر هذه النزاعات، هو أنها تعمل على «إدارة الصراع» وليس حله. فالحل يعني الاستقرار، والاستقرار يعني عودة المنافسين الاقتصاديين للنمو الطبيعي، وهو ما لا تريده واشنطن.
إن «العربدة العسكرية» التي نراها اليوم ليست دليل قوة، بل هي اعتراف بـ «الإفلاس الإبداعي» للمنظومة. لقد استنفدت «القوة الناعمة» والتلاعب بالوعي أغراضها، ولم يتبقَّ في جعبة الإمبراطورية سوى «القوة العارية» لإبطاء لحظة السقوط. العالم اليوم ليس «مشفى مجانين» بمحض الصدفة، بل هو ضحية لمنظومة قررت أن تحرق الغابة بأكملها لتدفئة قصرها المتهاوي.


هوامش المناورة


هذه الحقائق لا تنفي أن واشنطن ما زالت تمتلك هوامش مناورة تكتيكية عديدة، وأهمها: الاستثمار في نقاط ضعف الخصوم، والقدرة على افتعال الصراعات البينية من خلال الاختراقات، والاحتقانات المزمنة، والهيمنة الإعلامية، والتناقضات بين المتضررين من سياساتها.. وبالتالي يمكن القول: إن تغير الصفائح التكتونية للجغرافيا السياسية حسب توصيف كريستين لاغارد، من الطبيعي ألا يكون وفق خط مستقيم، وقابلاً للمد والجزر، وللهزات الارتدادية.. وهنا تبرز أهمية قوى التغيير كل في ساحاته وظروفه الملموسة، وقدرة هذه القوى على التقاط اللحظة التاريخية، وتأمين الأدوات الضرورية لتأمين التراكم المطلوب، وإعادة فاعلية القاع الاجتماعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269