إضراب عمال زنوبيا اليوم امتدادٌ من الأمس ونموذجٌ لمستقبلٍ نضاليٍّ واعٍ
عاد عمال شركة زنوبيا للسيراميك في ريف دمشق إلى الإضراب مجدداً، رافعين مطالب تتعلق بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل والتأمين الصحي واحترام الحقوق العمالية الأساسية. ورغم أن هذا الإضراب يأتي في ظروف سياسية مختلفة عن تلك التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، إلا أن المتابع لتاريخ الحركة العمالية في الشركة، وخصوصاً من خلال التغطيات المتواصلة التي نشرتها جريدة قاسيون على مدار أكثر من عقد، يلاحظ حقيقة جوهرية: مطالب العمال اليوم هي إلى حد كبير ذاتها مطالب الأمس، لأن الأسباب التي أنتجتها ما زالت قائمة، بل وتزداد حدة كل يوم.
لقد أعلن عمال زنوبيا في الثامن من حزيران الجاري (2026) إضراباً مفتوحاً للمطالبة بأجور تتناسب مع تكاليف المعيشة وتحسين ظروف العمل والتأمين الصحي، وغيرها من المطالب الأخرى، مؤكدين أن الوعود السابقة لم تُنفَّذ وأن أوضاعهم المعيشية لم تعد تَحتمل المزيد من التدهور. كما أكدوا استمرار الإضراب حتى تحقيق مطالبهم المشروعة.
عقدً من الإضرابات
لكن هذا المشهد ليس جديداً على عمال الشركة، فمنذ 2016-2017 خاض العمال في زنوبيا أشكالاً متعددة من الاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات للمطالبة بتحسين الأجور والتعويضات وشروط العمل، والدفاع عن حقوقهم في مواجهة الضغوط المعيشية المتزايدة. وخلال كل محطة من تلك المحطات كانت بعض المطالب تتحقق جزئياً أو كلياً، وكانت تُنتزع حلولٌ إسعافية أو مؤقتة تخفف من حدة المشكلة، لكنها لم تكن تمس الأسباب العميقة التي تعيد إنتاج الأزمة مرة بعد أخرى.
إن القراءة المتأنية لمسار الإضرابات السابقة والحالية تظهر بوضوح أن نضال عمال زنوبيا لم يكن مرتبطاً بمرحلة سياسية بعينها، ولم يكن نتاج ظرف استثنائي أو تبدل في السلطة أو الإدارة، بل كان تعبيراً متواصلاً عن واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط يعيشه أصحاب الأجور عموماً، وعمال القطاع الخاص خصوصاً، له أسبابه الجذرية العميقة التي لا بد من اقتلاعها.
فحين نقارن بين المطالب التي رفعها العمال في محطات مختلفة، نجد أنها تدور دائماً حول الأجور التي لا تواكب تكاليف المعيشة، والتعويضات غير الكافية، والتأمينات الاجتماعية والصحية، وظروف العمل، واحترام الحقوق القانونية والنقابية. هذا التشابه اللافت في المطالب ليس مصادفة، بل يعكس تشابهاً في الواقع الذي ينتجها.
السياسات الحكومية جزء أساسي من المشكلة
لقد شهدت سوريا خلال العقود الماضية استمراراً للسياسات الاقتصادية الليبرالية بما فيها من اقتصاد النفوذ والاحتكار، والتي حملت أصحاب الأجور الجزء الأكبر من أعباء الأزمات الاقتصادية، فيما مالت التشريعات القانونية والمالية بصورة متزايدة نحو حماية أصحاب الأرباح أكثر من حماية المنتجين الحقيقيين للثروة. وكانت النتيجة تآكلاً مستمراً في القوة الشرائية للأجور، وتحول الدخل العمالي إلى دخل عاجز عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
والقطبة المخفية في كل ذلك تكمن في نهج التراجع المستمر للدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بصورة متدرجة ثم متسارعة، والتي سلبت الأجر غير المباشر، سواء عبر تقليص الدعم أو إزالته عن الاحتياجات الأساسية، من غذاء ومحروقات وكهرباء ونقل وخدمات. وهذه العناصر لم تكن مجرد خدمات عامة، بل كانت تشكل جزءاً أساسياً مما يمكن وصفه بالأجر غير المباشر الذي تستفيد منه غالبية الأسر السورية، وخاصة الأسر العمالية.
كما تعرض الإنتاج الوطني والصناعة الوطنية لضغوط متزايدة نتيجة السياسات التي أضعفت الحماية المطلوبة للمنتج المحلي، ورفعت تكاليف الإنتاج، وخاصة في مجالات الطاقة والمحروقات، في وقت لم تُقدَّم فيه الحوافز الكافية التي تمكن الصناعة الوطنية من المنافسة في سوق مفتوحة وغير محمية بالشكل المطلوب. وقد انعكس ذلك على أوضاع المنشآت الصناعية وعلى العمال العاملين فيها في الوقت نفسه.
الإرادة العمالية تفرض نفسها
إلى جانب ذلك، ما زالت منظومة الحماية القانونية والاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص تعاني من ثغرات كبيرة. فقانون العمل والتأمينات الاجتماعية لم ينجحا حتى الآن في توفير الضمانات الكافية التي تمكّن العمال من الدفاع الفعال عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وفي الوقت ذاته، بقي الدور النقابي ضعيفاً ومحدوداً نتيجة عقود طويلة من مصادرة استقلالية الحركة النقابية وإخضاعها للسلطات المتعاقبة، الأمر الذي أفقدها الكثير من قدرتها على تمثيل مصالح العمال والدفاع عنهم بصورة فعلية.
من هنا يمكن فهم لماذا يعود عمال زنوبيا إلى الإضراب مرة بعد أخرى. فالإضرابات السابقة نجحت في انتزاع بعض المكاسب الجزئية، وأثبتت أن العمل الجماعي المنظم قادر على فرض التراجع عن بعض الإجراءات المجحفة أو تحسين بعض الشروط. كما أنها راكمت لدى العمال خبرة نضالية مهمة، ورسخت لديهم قناعة بأن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالنضال المنظم والتضامن الجماعي.
لقد شكلت كل تجربة احتجاجية سابقة مدرسة عملية للعمال، تعلموا خلالها أساليب التنظيم والتواصل وصياغة المطالب وتوحيد الصفوف والدفاع عن مصالحهم. ولذلك فإن إضراب اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثاً منفصلاً، بل هو امتداد طبيعي لتجربة طويلة من النضال العمالي المتراكم. وهذا برز بشكل واضح من خلال البيانات التي أصدرتها اللجان التنظيمية للإضراب، والسلوك التفاوضي، والوعي الكبير لمفهوم التحرك العمالي وقواعده الأساسية. وإن غابت بعض القضايا عن الإضراب كقضية الدعم الحكومي الشامل للعاملين بأجر ومن في حكمهم، إلا أنه غياب مؤقت لا يفتأ أن يظهر لاحقاً.
عمال زنوبيا ورفاقهم على الطريق الصحيح
إن ما يميز تجربة عمال زنوبيا أنها تقدم مثالاً واضحاً على أن القضية الأساسية ليست في هذا المطلب أو ذاك، ولا في هذه الإدارة أو تلك، بل في استمرار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تدفع العمال في كل مرة إلى العودة للمطالبة بالحقوق ذاتها. ولذلك فإن أي معالجة جدية ودائمة لا يمكن أن تكتفي بحلول إسعافية أو تنازلات مؤقتة، بل يجب أن تتجه نحو معالجة الأسباب الجذرية التي أنتجت الأزمة وتعيد إنتاجها باستمرار.
بعد أكثر من عقد من الإضرابات والتحركات العمالية في زنوبيا، تبدو الرسالة واضحة: ما دام الواقع الذي يولد هذه المطالب قائماً، فإن الحركة العمالية ستستمر في التعبير عن نفسها بأشكال مختلفة. أما الإنجاز الأهم الذي حققه عمال زنوبيا خلال هذه السنوات، فهو أنهم راكموا خبرة نضالية ثمينة وأثبتوا أن الدفاع عن الحقوق والمصالح ليس حدثاً عابراً، بل مسارٌ طويلٌ من العمل الجماعي والصبر والتنظيم، وأنه سيؤدي بالضرورة إلى الوصول لغاياته الكبرى. وخير دليل على ذلك تحول الإضراب الواعي الذي قام به عمال زنوبيا إلى نموذج طليعي امتد إلى تجمعات عمالية أخرى، وألهم عشرات الآلاف من العمال للانخراط في التحرك العمالي المدافع عن الحقوق المسلوبة. وهذا ما يؤكد على أهمية ما تشهده تلك المعامل من تحركات عمالية طبقية قادرة على تلمس طريقها نحو انتزاع حقوقها كوحدة متكاملة غير قابلة للتفتيت والتشويه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1282
إلياس زيتون