اعتقلت إحدى الجهات الأمنية في مدينة القامشلي، ومن مقر عمله في مركز تل زيوان للحبوب، عضوَ اللجنة النقابية لعمال التنمية الغذائية، العامل (جان رسول)، بعد يومين من اجتماع المحاسبة السنوي لمكتب النقابة، إثر مداخلة ألقاها في الاجتماع المذكور.
الطريق البرية إلى مدينة القامشلي طويلة وشاقة إلى درجة تتساءل فيها: كيف لسائق الحافلة تحمّل كلّ هذا العناء؟
كان الوقت ليلاً، وكان الليل وقتاً مفتوحاً لا تستطيع فيه إغماض عينيك، فمرة أخرى يتأكد لي أنني ما أزال غرّاً في الترحال وشؤونه، ومن الصعب عليّ التوقف عن النقّ والتذمر لاعناً الساعة التي وافقت فيها على خوض هكذا تجربة.
والطريق الليلة لا تنبي عن خبر، سوادٌ بسوادٍ كانت سورية، حتى خامرني إحساسُ يونان المحبوس في بطن الحوت، وياللمنكوب بمحنة الظلمات!!
بعد قيام قاسيون بنشر عدد من المتابعات الصحفية الملتزمة بكامل أعراف العمل الصحفي وأخلاقياته استناداً إلى الوثائق والتحقيقات الاستقصائية لكشف الحقائق ووضعها في سياقها السليم فيما يخص مأمون الحلاق وما يدعوه بمؤسسة المأمون الدولية وجامعة المأمون الخاصة للعلوم والتكنولوجيا، حيث بينت في الجزء الأخير منها حقيقة إدعاء مأمون الحلاق بحصوله على (درجة أستاذ بروفسور في فلسفة الثقافة من جامعة كندا - مونتريال) حين تبين أن الجامعة غير موجودة أصلاً في كندا، وأنها فقط موجودة في الذهنية الاستغلالية لمخترعها، بهدف استخدام تلك الألقاب والدرجات الخلبية للإيقاع والتغرير بالطلاب البسطاء وإيهامهم بالكثير من المزاعم الذي تبين أنها محض دعاية غير أخلاقية وأكاذيب ملفقة.
وردت إلى «قاسيون» رسالة من عاملة في مطحنة القامشلي، خاب ظنُّها في ديمقراطية الانتخابات النقابية، ونزاهتها. نشكر للعاملة ثقتها بالصحيفة، وننشر رسالتها التي جاء فيها:
الرفيق المحترم أبو زويا، كيف أصبحت شيوعياً؟
أنا من مواليد القامشلي عام 1943، استشهد والدي في فلسطين في عام 1948, وتلقينا (بعد استشهاده) عدة أوسمة. لم استطع إكمال تحصيلي الدراسي بسبب ظروفنا الصعبة، حيث وصلتُ للصف الثالث, بعدها تركتُ الدراسة, لكنني حصلتُ على شهادة الصف السادس دراسة حرة عام 1962، وكان أخي الأكبر شيوعيا معروفا, وقد سجن لمدة ثلاثة أشهر في سجن القامشلي, وبعد خروجه ظل يعاني، نتيجة عذابات سجنه، وضعا صحيا سيئا حتى وفاته عام 1977, وأتذكر من أيام الوحدة أن بيتنا أصبح معروفاً كبيت شيوعي, يتردد عليه الرفاق, ويجتمعون عند أخي, وكنت وقتها أتساءل: ماذا يفعلون؟ ولماذا يغلقون الباب وراءهم؟ وأذكر أنهم كانوا يحشدون الناس للمظاهرات, وفي إحدى تلك المظاهرات وكانت بمناسبة الأول من أيار, ألقى الرفيق عربو سليمان كلمة, وأتذكر أيضا أنه حدث اشتباك مع القوميين السوريين بالأيادي والعصي, وجرح لنا رفيق, وقد فرق الأمن العام المتظاهرين, وكان ضابطهم متعاطفاً مع رفاقنا.
ما إن تم اعتماد السعر الجديد لمادة المازوت، حتى اتصل العشرات من المواطنين بمراسلي صحيفة «قاسيون» في المحافظات السورية كافة، لعرض همومهم وآرائهم فيما يتعلق بـ«كارثة» رفع الدعم، ومن جملة هذه الاتصالات، كان هناك اتصال هاتفي من فلاح بائس من ريف القامشلي، قال غاضباً مستاءً:
زوراب شاب أرمني يشتغل في معمل سكب حديد في القامشلي، انتسب إلى الحزب الشيوعي مطلع الخمسينات، وناضل في صفوفه بإنكار ذات حتى وصل إلى عضوية لجنة محلية القامشلي، التي تشرف على جميع فرعيات المدينة.
باتساع رقعة المدن المتزامن مع تزايد عدد السكان في كل أنحاء العالم، اتسعت رقعة الصحراء والأرض البوار إلى جوار المدن، وهذا يلزم الجهات المعنية بشؤون المدن في العالم، بإنشاء حدائق، يلتجئ إليها المواطنون ليفرّجوا عن همومهم، ومدينة القامشلي، عروس الجزيرة، وباريس الصغرى كما يطلق عليها، هي أيضاً تمتلك حديقة رئيسية، تعد أقدم وأعرق حديقة في هذه المدينة، إلى جانب حدائق صغيرة متنوعة، منتشرة في أكثر أحيائها، وإن كان يراد لها أن تكون من طراز مختلف!
جرائم القتل، الاغتصاب، السرقات، الدعارة، وتعاطي المخدرات، وغيرها من الانحرافات القيميّة ومظاهر الشذوذ الاجتماعي، باتت قضايا شبه يومية في مدينة القامشلي، وهذا التهتك الأخلاقي، وبهذا المستوى كمّاً ونوعاً في أية بلدة أو قرية، ذو دلالات خطيرة بلا شك، ولكن هذه الدلالات في مدينة كالقامشلي تحديداً تنطوي على معنى خاص، وهذه الخصوصية تنبع من مكونات البنية الأخلاقية، التي يغلب عليها الطابع الريفي حيث تلعب قوة الردع الاجتماعية دورا كبيرا في تكون نسق القيم الأخلاقية، يضاف إلى ذلك أن هذه المدينة معروف عنها أنها إحدى المراكز البارزة للنشاط السياسي والثقافي على مستوى البلاد، ومن هنا كان القول إن الانحدار الملفت للنظر في سلم القيم الاجتماعية، مؤشر على تكوّن بنية أخلاقية جديدة تزيح شيئا فشيئا العناصر الإيجابية في المنظومة الأخلاقية المتوارثة تعكسها حوادث وسلوكيات باتت شبه يومية..