التراجع الأمريكي وملء الفراغ
بات التراجع الأمريكي التدريجي أمراً واضحاً وملموساً، خارج دائرة الجدل، والأهم أنه بات ثابتاً ومستمراً، واتجاهاً إجبارياً لا بديل عنه.
بات التراجع الأمريكي التدريجي أمراً واضحاً وملموساً، خارج دائرة الجدل، والأهم أنه بات ثابتاً ومستمراً، واتجاهاً إجبارياً لا بديل عنه.
أعوام انقضت من عمر الأزمة الوطنية السورية، توضح فيها عمق الأزمة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والديمقراطية، التي دعمتها السياسات الليبرالية عبر حزمة واسعة من الإجراءات والتشريعات، حيث انقسم المجتمع تقريباً إلى طبقتين أساسيتين من حيث نصيب كل منهما من الدخل الوطني «أجور_ أرباح»، وهذا يعني من الناحية السياسية والاقتصادية، أن الأغنياء ازدادوا ثراءً ونفوذاً، والفقراء ازدادوا فقراً، وتقيدت حريتهم في الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.
تأثير الأزمة كان وما زال كبيراً على الفقراء ومنهم العمال، وهم من دفعوا فاتورة الفقر والبطالة والتشرد والتهجير من مناطقهم التي دمرتها الحرب الظالمة، وسيبقون يدفعون الفواتير الناتجة عنها لعشرات من السنين، إذا لم يحدث تعديل حقيقي في موازين القوى لمصلحة أغلبية الشعب السوري، ليمارس سلطته الحقيقية، ويمنع إعادة إنتاج الأزمة مرةً ثانية.
رغم التركيز الإعلامي مؤخراً على الجانب العسكري الميداني من الأزمة السورية، ولا سيما مستجدات الأوضاع في كلّ من الغوطة الشرقية لدمشق ومدينة عفرين السورية، إلّا أنّ تطورات عدة كانت قد حدثت خلال الأسبوع الماضي، على صعيد الدفع والتقدم باتجاه عملية الحل السياسي في البلاد. فيما يلي نستعرض أبرز ما حمله هذا الأسبوع من مستجدات في هذا السياق.
أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي في أوهايو حول الانسحاب من سورية، صدمة في الكثير من الأوساط السياسية والدبلوماسية، الدولية والإقليمية والسورية، بما فيها الأمريكية، كل من موقعه ولغاياته.
مع انفجار الأزمة السورية، وتحولها إلى نزاع مسلح، ذي طابع محلي وإقليمي ودولي، شمل أغلب الأراضي السورية، ومع عدم التوصل إلى حل سياسي حتى الآن، ومع كل ما نتج عن ذلك من دمار في البنية التحتية، وغيرها من التداعيات السلبية الكثيرة، فقد أدى أيضاً إلى نزوح وهجرة ملايين السوريين من ديارهم.
بدأ الخطر على وحدة سورية فعلياً، مع بدء الصراع المسلح في البلاد، على أساس ثنائية «الحسم والاسقاط»، وتفاقمت هذه المخاطر طرداً مع تعمق الصراع، فكلما توسع الصراع البيني تهيأت البيئة المناسبة أكثر فأكثر، لظهور عناصر طارئة في الميدان السوري كالإرهاب التكفيري الذي كان يعتبر أحد أهم أدوات التقسيم، من حيث بنيته، وتموضعه، ومشغليه من جهة، ومن حيث كونه أصبح فزاعة أدت إلى إحياء كل البنى التقليدية في ظل القلق الوجودي الذي انتاب الجميع، وانفلات ظاهرة السلاح إثر ذلك، خصوصاً مع تراجع سلطة الدولة، ودورها على مساحات واسعة من الأراضي السورية، وتحول الصراع بين السوريين، على آفاق تطور سورية، ونظامها السياسي، إلى صراع دولي وإقليمي على الأرض السورية، وإلى ما يشبه تقاسم النفوذ بين تلك الدول، بغض النظر عن نوايا واستراتيجيات كل واحدة منها.
هل يمكن أن ينجح خيار الحل السياسي في سورية، بعد إعلان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي «الجديدة»، وفي ظل التوتر المضطرد في العلاقات الدولية، وبدء سباق تسلح جديد؟.. فاحتدام وتفاقم الصراع بين الكبار، يطرح على بساط البحث موضوعياً، مسألة مصير بلدان الأطراف عموماً، وبؤر التوتر منها بشكل خاص، وسورية بالدرجة الأولى كونها إحدى أكثر بؤر التوتر سخونة، وأحد خطوط التماس في ظل الوجود العسكري المباشر للدول الكبرى.
(القضاء على النصرة) هو واحد من العناوين التي وضعتها الأطراف الجدية في محاربة الإرهاب والوصول إلى حل في سورية، وجاء هذا مطلع العام الحالي، على لسان وزير الخارجية الروسي لافروف... وكان على الأمريكيين أن يختاروا مع إعلان هذه المعركة: إما تفكيك النصرة سياسياً وإنهاءها، أو إحراقها وإدامة الاشتباك...
انخفضت معدلات نزوح أهلنا من بلدات الغوطة الشرقية بشكل لافت، نتيجة الاتفاقات التي تم التوصل إليها برعاية الجانب الروسي مؤخراً، بعد أن اشتدت العمليات العسكرية في المنطقة خلال الفترة القريبة الماضية، والتي كانت سبباً في نزوح عشرات الآلاف من الأهالي في المنطقة.
ما زالت الأخبار المؤسفة تصل تباعاً، عما آلت إليه حال أهلنا النازحين من مدينة عفرين، وقراها المحيطة، من بؤس وكارثة إنسانية، على إثر العدوان التركي الهمجي، الذي احتل المدينة واجتاح العديد من قراها.