كل (أكيتو) وأنتم بخير  

كل (أكيتو) وأنتم بخير  

يشكل عيد أكيتو إحدى مقاربات الإنسان في تفسير علاقته بالطبيعة، وسعيه الأبدي إلى العدل والطمأنينة ونزوعه الدائم إلى الفرح، ويمكن القول إنه عميد الأعياد الإنسانية ضارباً جذوره في عمق التاريخ السومري والبابلي والآشوري لأكثر من ستة آلاف عام. إنه ليس مجرد «احتفال بالربيع»، بل هو البيان الأول الذي صاغه الإنسان في وادي الرافدين ليعلن فيه انتصار «الحضارة» على «الفوضى»، و«الزراعة» على «القحط». 

تعود مفردة «أكيتو» إلى اللفظة السومرية وهي تسمية مركبة تعني «قوة بذار الأرض». ومن هنا نفهم أن العيد في جوهره هو «احتفاء بالإنتاج»؛ فدورة السنة لا تكتمل إلا بقدرة الإنسان على ترويض التربة واستنبات الحياة. كان السومريون الأوائل يحتفلون به مرتين (عند البذار وعند الحصاد)، قبل أن يستقر كعيد لرأس السنة الآشورية - البابلية في الأول من نيسان (نيسانو). 
وكأي عيد قديم أضافت عليه الشعوب الكثير في سياق تطورها التاريخي، حسب الأسئلة التي كانت تفرضها الحياة، ومستوى وعي الانسان ومداركه في كل مرحلة، وتفاعله مع الثقافات الأخرى لتكون بالمحصلة نسيجاً حضارياً واحداً.  
من طقوس الاحتفال  ملحمة «إينوما إيليش» (عندما في العلى). هذه الملحمة التي كانت تُتلى في اليوم الرابع من العيد، تروي صراع الإله «مردوك» مع تنين العماء «تيامات». إن إعادة قراءة هذه الملحمة اليوم تكشف عن بُعدٍ سياسي مبكر؛ فالانتصار على «تيامات» هو انتصار الدولة والمؤسسات وقوانين الريّ والزراعة على حالة التوحش الطبيعي. «أكيتو» هو اللحظة التي يجدد فيها العالم «عَقده التنظيمي» لضمان استمرار الحياة. 
من أكثر طقوس هذا العيد إثارةً للدهشة، هو ما كان يحدث في اليوم الخامس. حيث يُساق الملك إلى المعبد، ويقوم الكاهن الأعلى بنزع تاجه وصولجانه وصفعه بقوة على وجهه حتى تدمع عيناه. هذا الطقس لم يكن عبثياً، بل كان «محاكمة علنية للسلطة»؛ فعلى الملك أن يثبت تواضعه أمام الإله (الشعب والعدالة) وأنه لم يقصر في حماية الفقراء والأيتام. دموع الملك كانت «صك الغفران» الذي يعيد له شرعية الحكم لعامٍ جديد.  
يرتبط «أكيتو» أيضاً بأسماء إناثٍ خلدها التاريخ، مثل عشتار، وبيلتيا. هؤلاء النسوة كنَّ يمثلن «المحرك الحيوي» للاقتصاد القديم. طقس «الزواج المقدس» كان يرمز لاتحاد السماء بالأرض لضمان وفرة المحاصيل والنسل. لم تكن الأنثى في «أكيتو» مجرد زينة للاحتفال، بل كانت الضمانة الروحية والمادية لاستمرار النوع البشري، لتكون دلالة على مركزية دور النساء في حضارات الشرق القديمة. 
اليوم، ومع احتفالات السوريين (خاصة الآشوريين والكلدان والسريان) بهذا العيد، في الأول من نيسان يثبت «أكيتو» أنه عيد متأصل في جغرافيا الشرق وثقافته، إننا في موقع «قاسيون» إذ نهنىء المحتفلين به، لا نرى فيه مجرد تذكير بالبعد الحضاري فقط، بل استكمالٌ لرسالة العيد في العالم المعاصر، واعتباره مناسبة لبناء سوريا الجديدة، سوريا التعددية الموحدة أرضاً وشعباً. 
كل أكيتو وشعوب الشرق بخير 
كل أكيتو والآشوريون - السريان - الكلدان بخير 
كل أكيتو وسوريا والسوريون بخير

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
0000