افتتاحية قاسيون 1149: لا مفر من هزيمتهم!

افتتاحية قاسيون 1149: لا مفر من هزيمتهم!

أواسط التسعينيات من القرن الماضي، وبينما كان كثيرون يبكون على أطلال الاتحاد السوفييتي، ويخضعون لمقولات نهاية التاريخ، والانتصار النهائي للغرب وللرأسمالية، قلنا: إنّ هذا الانهيار بالذات، سيفتح الطريق نحو انكشاف كاملٍ للأزمة الرأسمالية العالمية، التي ستقود نحو تراجع سريع للمنظومة الغربية، وصولاً إلى انهيارها. وهو ما جرى ويجري، رغم أننا اتهمنا في حينه بالجنون.

 

 

  • مطلع هذا القرن، قلنا: إنّ الأفق التاريخي الذي انغلق مؤقتاً في وجه الشعوب قد عاد للانفتاح واسعاً، وإنّ الجماهير ستعود إلى الشارع بعد انقطاعها لعقود طويلة عن العمل السياسي. وهو ما جرى ويجري وسيستمر حتى تحقيق التغييرات المطلوبة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

  • عام 2005، وفي وثائقنا، قلنا: إنّ كلاً من روسيا والصين تصعدان، وستصعدان أكثر، وستكسران الأحادية القطبية الأمريكية، وأنهما مجبرتان على الاستدارة ضد الرأسمالية في الداخل الروسي والصيني، في إطار المعركة الوجودية مع المركز الإمبريالي. وكان هذا الكلام في خضم البلطجة الأمريكية الشاملة على الكوكب من أفغانستان إلى العراق إلى غيرهما، أقرب إلى الهرطقة بالنسبة لكثيرين. ولكن الواقع أثبت أن ما قلناه صحيح، وصحته باتت ملموسة بالنسبة للجميع.

  • مع انفجار الأزمة السورية عام 2011، قلنا: إنّ المخرج هو الحوار، والحل السياسي، وإنّه لن يكون هنالك حسمٌ ولا إسقاط، وإنّ كل تأخير هو خسائر إضافية لسورية وللسوريين، وللأطراف التي تحلم بالانتصار الساحق الماحق. لم يشاركنا هذا الرأي في حينه إلا قلة قليلة، ولكن الواقع أثبت صحته، ولم يعد بمقدور حتى أعداء الحل السياسي أن يقولوا: إنهم ضده علناً. والأمر نفسه جرى بما يخص موقفنا من القرار 2254 الذي أيدناه منذ البداية، وعارضته كل الأطراف المتشددة، والآن تضطر للاعتراف به، بل وبدأ بالتحول إلى شعارٍ ملموس حتى على المستوى الشعبي.

  • قلنا منذ عدة سنوات: إنّ الحل السوري سيكون عبر أستانا وتعاونها مع الصين ومع دول عربية أساسية، وأنّ الغرب لا يريد الحل، ولن نصل للحل إلا بإقصائه عنه. وهو ما تثبت صحته يوماً وراء الآخر.

هذه «التوقعات» وغيرها الكثير ليست نبوءات، بل هي قراءة علمية للوقائع على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، وبمركباتها المختلفة، وفي القلب منها المركب الاقتصادي- الاجتماعي.


واليوم نقول: إنّه لا مفر من هزيمة الأمريكان و«الإسرائيليين» ومعهم كل حلفائهم، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً.

إنّ ما جرى ويجري في فلسطين المحتلة، هو من جهة أحد التعبيرات عن تراكم التغييرات على المستوى الدولي والإقليمي، وعلى المستوى النوعي الخاص بتطور قدرات ومهارات وكفاءات المقاومة الفلسطينية، وهو من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه، نقطة انعطاف تُسرع بشكل هائل عملية تغير ميزان القوى على المستوى الدولي، وعملية تفكك المنظومة الإقليمية التي «استقرت» على أساس التوازنات الدولية السابقة.

الجنون الذي يسود العقل الأمريكي/ الصهيوني، والذي يدفعه نحو الإيغال في الإجرام مع وضوح عدم إمكانية تحقيق أيِ من الأهداف المعلنة، يعني شيئاً واحداً؛ عقلية المقامر الخاسر هي التي تحكم الآن السلوك الأمريكي الصهيوني؛ ففي محاولته للهرب من دفع أثمان الخسارة، والاعتراف بها، ولخوفه من هذه الخسارة وما سيترتب عليه من تداعيات متسلسلة، يقوم الأمريكي بتمديد الجولة. ولتمديدها عليه أن يرفع الرهان، وخلال عملية رفع الرهان يحاول إيهام خصومه بأنّه يخبئ أوراقاً قوية، ولكن الحقيقة هي أنّ أوراقه خاسرة، وأنّ خصمه لا يخاف. ويضطر تالياً لرفع رهانه أكثر وصولاً ربما إلى حرق المراكب والرهان بكل شيء... والرهان الوحيد المتبقي، هو محاولة إشعال كامل الإقليم ليس بحرب مع الكيان، بل بحروب داخلية تحوله إلى كرة نارٍ مشتعلة، يأمل أن تتدحرج في كل الاتجاهات، ولكن ليس باتجاهه، ولا باتجاه الكيان الصهيوني... ولكن هذه المعادلة نفسها، أو هذا الأمل، هو أمل أخرق ليست هنالك أية ضمانة لتحقيقه؛ فتوسيع الجبهة دائماً ممكن، ودائماً ممكن بأشكال مختلفة وطرائق متعددة.

بالمحصلة، ورغم كل محاولاتهم، ورغم كل الألعاب الإعلامية التي تسعى لتحويل النصر الفلسطيني إلى مناحةٍ ومجلس عزاء، فهزيمة الأمريكي والصهيوني أمر لا مفر منه، ومع هزيمته، فإنّ التغيير الشامل في كامل المنظومات الإقليمية، هو الآخر أمرٌ لا راد له.

(English version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1149
آخر تعديل على الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2023 19:17