إيمان الذياب
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مثلت تلك الغصة التي شعر بها السوريين إثر مشاهدتهم لمقاطع فيديو توثق انتهاكات جيش الاحتلال الصهيوني للأراضي السورية- والتي وصلت لدرجة التعدي والإساءة المباشرة لنساء سوريات في درعا جنوب سورية- واحدة من تلك اللحظات التي يقف فيها المرء أمام الحقائق المرة وجهاً لوجه، وتنكأ فيها الجروح القديمة، وتتكشف فيها الصدمات المضاعفة، صدمة الاحتلال نفسه، وصدمة الوعي بالهشاشة التي تعصف بالداخل.
في الوقت الذي تعصف فيه أزمات متراكمة بكل شارع وبيت سوري، من انهيار معيشي، وتدهور اقتصادي وأمني، وغياب للعدالة والخدمات الأساسية للناس... الخ، يحاول البعض إغراق السوريين في مستنقع من الجدالات العقيمة على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة فيس بوك. هذا المشهد ليس نتاجاً عفوياً لطباع الناس، بل هو انعكاس دقيق لآلية منطقية معروفة، تسمى بـ «مغالطة الرنجة الحمراء» (Red Herring)، يجري استخدامها لصرف الأنظار عن جوهر الأزمة، وإفقاد النقاش العام أي فاعلية حقيقية.
بعد غياب طال، أيام وأشهر وأعوام، لم يتغير شيء. تقول شوارع المدينة المتعبة وأبنيتها ووجوه أهلها كل شيء. شمس هذي البلاد ذاتها تشرق كل يوم، تشهد بؤس حال أهلها، وجوههم المتعبة وقلوبهم الطيبة أيضاً لم يتغير فيها شيء.
لا تنتقل المجتمعات فجأة من الاقتناع بسردية ما إلى نقيضها، وينطبق هذا الحال على الأفراد أيضاً، ولا تكفي التحولات الثقافية لتغيير القناعات وللانتقال من الرفض المطلق إلى القبول النسبي، إذ تسبقها تحولات جيوسياسية واقتصادية وفكرية عميقة.
لا يختلف اثنان حول وصول السياسات التي يمارسها الكيان الصهيوني إلى أقصى درجات البربرية والوحشية، وهذا مفهوم نوعاً ما لدى كثير من الناس الذين يتعاطون الشأن السياسي من وجهة نظر علمية، حيث يمثل هذا الكيان رأس المال المالي العالمي والإمبريالية في أقصى درجات توحشها.
في كل مرة تهدأ فيها الأمور إلى حد ما، وتبحث فيها نفوس السوريين عن بعض الهدوء، تعود الزوابع ثانية لتشعلها، ثمة ما هو أصعب من الحزن، في المعاناة التي تشاركها أغلبية السوريين، وهو بالضبط ما يحمّل هذه الأغلبية مسؤولية كبيرة وعميقة أمام أنفسهم وأمام البلاد، حتى لا يتكرر ما حدث ويعاد إنتاج المأساة ثانية.
ثمة لحظة يصبح فيها فائض القوة مجرد قناع ضروري لإخفاء أزمة أعمق، لحظة يعلو فيها صخب شديد ولكنه يائس، يحاول تأجيل الاعتراف بحقيقة حدوث التغير وحدوده، وعلى إيقاع التغيير في العالم أجمع، لم يعد المركز الذي فرض شروطه طويلاً قادر على احتكار الإيقاع وضبطه.
يدخل يحيى «أرض الخوف» في مهمة نبيلة تتلخص بالبحث عن الشر واكتشافه ومعرفة الحقيقة بهدف الوصول إلى أدلة تدينه وتسمح بـ«الحكم عليه» ومحاسبته، ولكن بمرور الوقت ومعايشة المجرمين والتورط بعالمهم وصراعاتهم وجرائمهم يمر بأزمة وجودية عنيفة تجعله يشك في كل شيء حوله، ابتداء بالناس والواقع الذي يعيشه ومروراً بنفسه، التي في طريق بحثها عن الشر، غرقت فيه.
يدعو موقف بعض الكتاب التونسيين من «مهرجان القراءة» الذي تنظمه «منظمة روزا لوكسمبورغ» للتفكير والتأمل.
«لم يبق سوانا يا سانشو... نحن الفرسانْ... بمتاعبنا وهزائمنا وجراح معاركنا... بالعُرج المضحكِ في ساق جوادي...والبطء المرهق في سير حمارك... نحن الفرسانْ... يكفينا أن نفعل ما يمليه علينا الوجدانْ... يكفينا أنّا لا نصمت عند إهانة إنسانْ»