«المهمة المقدسة» في أرض الخوف!

«المهمة المقدسة» في أرض الخوف!

يدخل يحيى «أرض الخوف» في مهمة نبيلة تتلخص بالبحث عن الشر واكتشافه ومعرفة الحقيقة بهدف الوصول إلى أدلة تدينه وتسمح بـ«الحكم عليه» ومحاسبته، ولكن بمرور الوقت ومعايشة المجرمين والتورط بعالمهم وصراعاتهم وجرائمهم يمر بأزمة وجودية عنيفة تجعله يشك في كل شيء حوله، ابتداء بالناس والواقع الذي يعيشه ومروراً بنفسه، التي في طريق بحثها عن الشر، غرقت فيه. 

يلبس يحيى، ضابط الشرطة النظيف والشريف والمكلف «بمهمة وطنية» عنوانها «أرض الخوف» للتسلل إلى عالم تجارة المخدرات، قناع الشخصية التي يلعبها لدرجة ينسى فيها وجهه الحقيقي، «لكن حقيقة انتمائي بدأت تقلقني…هل أنا حقاً ضابط شرطة أم تاجر مخدرات» يقولها في لحظة شك عميق، والتباس تام في الهوية، لأن دخوله التدريجي إلى هذا العالم، وتوطيد أقدامه فيه كواحد من التجار العتاة استلزما منه أن يلوث يده بالدم، والقتل، وكل ما يتلو ذلك من موبقات وشرور، أفعال تدفعه إلى الشك بنفسه وتجعله محاصراً بالأسئلة: هل ما زال يمثّل دوراً وسط المجرمين أم إنه تحول فعلاً إلى مجرم، هل ما زال بطل القصة «الخيّر» أم إنه شريرها، أم إنه الاثنان معاً؟ تساؤلات وجودية عميقة، لا يجد لها إجابة، فيتوه مع أوهامه باحثاً عن الحقيقة في أرض الخوف وسبب وجوده فيها دون أن يجده.


الوطنية و«القمع المضمر»


ثمة الكثير من التكثيف والرمزية فيما يطرحه المخرج المصري داوود عبد السيد، الذي رحل عن عالمنا في 27 كانون الأول 2025، في رائعته «أرض الخوف». تتناول فكرة «التكليف»، تلك المساحة ذات الأبعاد الخطرة في الوعي البشري، ماذا يحدث حين تطلب الدولة/ السلطة من الفرد أن يتخلى عن بوصلته الأخلاقية باسم «مهمة وطنية»، ومتى تنتهي هذه المهمة، وهل تنتهي، فعلاً، وهل يستطيع أن يعود كما كان حين تنتهي؟ أسئلة عديدة تكشفها معاناة يحيى، بطل الفيلم، وإحساسه المستمر بالازدواجية والتمزق، تكشف فيها حالة التناقض بين ما يؤمن به الفرد وبين ما يقوم به على الأرض رضوخاً لقوى قاهرة.
ثمة شيء من التماهي بين مفهوم الدولة والسلطة التي تحكمها هنا، فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى عنف مباشر كي تخضع الفرد. تعتمد السلطة على أساليب أخرى لتؤثر على وجدان الإنسان، تكمن خطورة «القمع المضمر» هذا في كونه يعمل ببطء ودون ضجة على تفريغ الإنسان من صوته الداخلي. يؤكد المخرج الراحل في حديث له عن الفيلم: «كنت مهتما بسؤال: هل الإنسان يظل هو نفسه حين يعيش طويلاً داخل الدور المطلوب منه؟ أم إن هذا الدور يأكله من الداخل؟».
تتعدد أشكال القمع وتتداخل. وغالباً ما يجري الفصل بين القمع السياسي ومصادرة حرية التعبير والعمل السياسي مثلاً وبين القمع الاجتماعي والنفسي... إلخ. ولكن عندما يُمنع الإنسان من التعبير عن أفكاره علانية، غالباً ما تؤدي به إلى تطوير نوع من رقابة ذاتية داخلية تحاكي الرقابة الخارجية تدريجياً، وقد تصل به إلى درجة التشكيك في شرعية أفكاره ومشاعره الخاصة فقدان الثقة في حدسه وحكمه الذاتي.
لا يمحو القمع صوت المقموع الداخلي دفعة واحدة، بل على مراحل، يبدأ بنوع من التناقض المعرفي حيث تتعارض معتقداته الداخلية مع سلوكه الخارجي، مروراً بالتطبيع فيصبح الصمت والامتثال هو الحالة الطبيعية، وصولاً إلى تجريده من الذات وفقدان الاتصال بالهوية الحقيقية. وهو ما حصل مع يحيى، بطل الفيلم، ويحصل مع كثيرين اليوم. يعزز العالم الافتراضي ومنصاته المختلفة والمتعددة من هذه الحالة، يعيش فيها كثيرون مع أوهام «مهمة مقدسة»، يكرسون لها وقتهم على وسائل التواصل، معتقدين أنفسهم أبطالاً داخل حكاية، يغوصون في بطولة خلبية يعيشونها في خيالهم، لدرجة يغفلون فيها عن الواقع الحقيقي، في حال أحسنّا النية. أو كما يقول يحيى في الفيلم: «الأحلام اختلطت مع الأوهام مع الحقائق».


«عقلية الحصن»


ليس الصراخ على وسائل التواصل الاجتماعي مجرد ضجيج، بل هو عرض لمرض اجتماعي عميق الجذور، ويمكن تفكيك كثير من دوافعها. حيث تؤدي عقود من الخوف إلى تكوّن لدى الإنسان، وهي حالة ذهنية تتسم بالانغلاق، والعزلة، والخوف من الآخرين أو العالم الخارجي، والرغبة في بناء حواجز نفسية ومادية للحماية، وتحد من التكيف والمرونة، وتعتمد على الانعزال والتحصن ضد التهديدات «المتصورة» بدلاً من الانفتاح حتى عندما يزول الخطر الحقيقي، تبقى البنية النفسية القائمة على الشك والهجوم الوقائي. وغالباً ما يتبنى الشخص الذي عاش طويلاً تحت وطأة «التجريم» لأي رأي- الآلية نفسها- فيجرم من يخالفه، معتقدًا أنه يحمي المساحة الجديدة من الاختراق. كما أن شعور الفرد بالعجز يدفعه إلى البحث عن مصدر سريع للقوة، والتعويض عن عجزه بالصوت، فيصبح «الصوت العالي» و«الهجوم اللاذع» و«عدد المتابعين» في الفضاء الافتراضي عملات متداولة جديدة للقوة والنفوذ.


«الهوية المستندة إلى المظلومية»


عندما تُسلَب هوية الفرد الوطنية أو السياسية، تتحول مظلوميته أياً كان نوعها، الطائفية، الإثنية، القومية...إلخ، إلى هوية بديلة. يدافع عنها بروح انفعالية، ولكونها تحتاج باستمرار إلى «عدو» لتأكيد ذاتها. يصبح البحث عن «الخائن» أو «الآخر» ضرورة وجودية لخطابه، مبتعداً عن النقاش الموضوعي. كما تؤثر الأمية السياسية المزمنة وغياب العمل السياسي الحقيقي الذي يحتاج للكثير كبناء تحالفات، وتقديم تنازلات، وصياغة برامج، والتواصل مع شرائح مختلفة...إلخ. يختزل مفهوم «السياسة»، كمفهوم علمي له أسسه، في الخيال العام إلى خطاب وشعار وموقف أخلاقي صارخ، ويصبح «التحريض» بديلاً عن «التنظيم»، و«التخوين» بديلاً عن «المحاسبة».
لم تخرج هذه الظاهرة وغيرها وتفعل فعلها من فراغ، بل كانت محصلة لتفاعلات متعددة، وتحتاج لمعالجات سياسية شاملة ومركبة ومتعددة الأوجه منها، إنجاز «عدالة انتقالية حقيقية» وفعلية ضمن عملية سياسية شاملة ومتكاملة تقطع دورة الانتقام وتكشف عن الحقيقة وتجبر الضرر وتؤسس لمصالحة وطنية على مستوى البلاد. وبذلك توقف لعبة «المأجورين» و«المرتهنين» في استثمار الخطاب الانفعالي الطائفي والمظلومي، وتقطع الطريق على القوى الخارجية التي تمول هؤلاء. وتنهي حالة الخوف الوجودي من عودة النظام السابق، بحيث يصبح الرهان على الناس والقوى السياسية والوطنية والمجتمعية التي تستمد شرعيتها من برامجها وكفاءتها


إرث من الأسئلة


لم يكن داوود عبد السيد الذي رحل عن عمر ناهز 79 عاماً، بهدوء ودون ضجة إعلامية، بعد معاناة مع المرض استمرت لسنوات، يبحث عن حكايات ليقدمها في أفلام، بقدر ما كان يطرح أسئلة تخرج من الحكايات، حتى وإن لم تؤد إلى إجابات قاطعة، ولم يترك مخرج «الكيت كات، ورسائل البحر، والصعاليك، والبحث عن سيد مرزوق، ومواطن وخبر وحرامي، وسارق الفرح وقدرات غير عادية...» وصفة محددة لأفلام «واقعية وفلسفية» كما وصفتها الصحافة بعد وفاته، بل صاغ أسئلته السينمائية والفلسفية والحياتية بإبداع وشكل ملامحها بموهبة فريدة. وترك احتراماً من الجمهور الذي تابع أفلامه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259