نحن وطواحين الهواء
«لم يبق سوانا يا سانشو... نحن الفرسانْ... بمتاعبنا وهزائمنا وجراح معاركنا... بالعُرج المضحكِ في ساق جوادي...والبطء المرهق في سير حمارك... نحن الفرسانْ... يكفينا أن نفعل ما يمليه علينا الوجدانْ... يكفينا أنّا لا نصمت عند إهانة إنسانْ»
بهذه الكلمات يلخص الكاتب ممدوح عدوان «رحلة دون كيشوت الأخيرة»، كما يراها، ويعبر عنها مسقطاً الكثير من المعاني التي أراد مؤلفها ميغويل دي ثيربانتس من كتابه «دون كيشوت» ورحلته العبثية على الواقع الذي يعيشه السوريون. لم يدر في خلد الراحل عدوان أن تستمر كلمات قصيدته بتوصيف حال السوريين إلى اليوم، كما لم يدر في خلد ثيربانتس أن خصوبة روايته (المؤلفة في أوائل القرن السابع عشر) ستجعلها عابرة للزمان والمكان، وأنها ستصبح مصدراً لإلهام كثيرين بعده.
تكمن مأساة شخصية «دون كيشوت» بأنها تعيش حالة من التناقض بين الحلم والواقع، حلم في العدالة وطموح ورغبة عارمة في تحقيقها وواقع قاس وعبثي، لا يراه كما هو، بل كما «يريد أن يراه»، ولأن هذه الشخصية تعاني من عدم قدرتها على فهم الواقع وتحليل المواقف بشكل صحيح، فيجعلها مضحكة ومحزنة في آن واحد، غارقة في عوالم الخيال الممزوج بالمرارة.
وهم متجدد حول «الآخر»
في التظاهرات التي حدثت في الآونة الأخيرة في مناطق مختلفة من البلاد، صدم الكثير من السوريين تداول شعارات وهتافات طائفية فيها تحقير للآخر وتخوين له، وجعلتهم يتساءلون من أين جاء كل هذا؟
ليست هذه المشاهد والممارسات المعبرة عن ظاهرة غريبة وطارئة على مجمل التاريخ السوري الممتد لآلاف السنين سوى فعل رمزي شديد الخطورة لما أنتجته سياسات السلطات المتعاقبة خلال العقود الماضية، من القمع والفساد، وما أضافته إليها الحرب وأمراؤها من ثقافة مبنية على الكراهية والتهشيم المتبادل. تكمن الخطورة في محاولات تحويل الاحتجاجات المحقة إلى ساحات للصراع بين السوريين أنفسهم، وتصويرهم كأعداء لا يمكن جمعهم تحت سقف وطني واحد وجامع.
ثمة من يعمل على ترسيخ حالة الانقسام داخل الشارع السوري وتعميقه، ويحاول إعادة تدوير ممارسات السلطة السابقة، واستخدام الناس الذين جرى تهميشهم لسنوات وقوداً لهذه الممارسات.
تكشف هذه الممارسات حجم المأزق الذي تعيشه البلاد، وتعلن أن الأزمة السورية لا تزال مستمرة وتتعمق لأن جذورها لا تزال قائمة. وما زالت التشوهات التي أنتجتها السلطة السابقة، وأنساقها المعرفية المنتجة لأفكار وسلوكيات مريضة ومصطلحات بغيضة مستمرة، ويبدو أنها لن تنتهي ما لم يجرِ إحداث قطيعة معرفية شاملة معها، وقطيعة مع كل ما كان سبباً في إنتاجها، سياساً واقتصادياً واجتماعياً... إلخ. وهو ما لم يحدث بعد.
إما معاً... أو معاً
تعاملت السلطات السابقة والحالية مع المجتمع السوري «كمكونات مختلفة» وليس «كمواطنين متساوين» بهوية واحدة فعلاً، ومع تكرار حالة القمع والتهميش، جرى ويجري ترسيخ حواجز وخرافات ثقافية ونفسية، تعرّف الذات على أنها نقيض الآخر، بينما تؤكد الوقائع أن ما يجمع الذات مع الآخر (باختلاف هذا الآخر) هو الجوهري والأساسي من رغبة في العيش الكريم والحفاظ على الكرامة الوطنية والمشروطة بالكرامة الإنسانية والشعور بالأمان والاطمئنان في وطن يساوي بين الجميع، دون استثناء. يتمثل أسوأ أنواع اليقين بإرث ثقيل لحكم استبدادي يرسخ في اللاوعي تصورات خاطئة ومغلوطة حول (الآخر) مبعثها جهل متعمد أرسته سلطة عمدت إلى تقسيم الناس عبر مظلوميّات مختلفة ومتعددة، وتأليبهم ضد بعضهم ليتصارع السوري مع السوري، ووقفت تتأمل استنزاف قواهم «بصراع الطواحين» هذا، صراع لم يؤدِّ إلا إلى إضعافهم وأكملت إحكام إغلاق الدائرة عليهم، وواجهتهم بأسوأ أنواع العنف. ثمة ضرورة اليوم لفهم هذه المعادلة، إذ لا يوجد في سورية كلها فئة لم تدفع ثمنا غالياً، وما زالت المعادلة الوحيدة التي يمكن أن تنقذ البلاد كلها... إما أن ننجو معاً، أو نهلك معاً.
في مسلسل الزير سالم لمؤلفه ممدوح عدوان، يؤكد الحارث بن عباد، الشخصية التي رسمها المؤلف لتلعب دور العقلانية والباحثة عن حلول صحيحة لما آلت إليه حال الناس بعد مقتل كليب: «إنك لن تجدع بحرب بني قومك إلا أنفك، ولن تقطع إلا كفك». إذ تصر هذه الشخصية على أن القتال بين الأهل لن يعيد القتيل، وأن الثأر، والثأر المعاكس سيؤدي إلى مزيد من سفك الدماء، وهي دماء ثمينة، وليست بأقل أهمية من دماء كليب.
متلازمة دون كيشوت
في علم النفس، ثمة مصطلح يطلق على المصابين بما يسمى عقدة «دون كيشوت»، يعاني صاحبها من الانفصال عن الواقع، ويبني سيناريوهات تجعله يعتقد أنه «بطل» في معركة لإصلاح العالم، دون أن يدرك أن هذه المعركة قد تكون مجرد انعكاس لمخاوفه الداخلية. استوحيت تسمية هذه الحالة من شخصية دون كيشوت دي لا مانتشا في رواية ميغيل دي ثيربانتس، وهي تعكس مأساة الإنسان الذي يصرّ على رؤية العالم من منظور معركة غير واقعية، ويستنزف نفسه في صراعات لا طائل منها. في بعض الحالات، قد تتحول عقدة دون كيشوت إلى نشاط اجتماعي سلبي، فيصبح الشخص مهووساً بقضايا لا تعكس الواقع، كنظريات المؤامرة أو محاربة أفكار غير موجودة إلا في ذهنه.
تعتبر هذه المتلازمة، مأساة ذات طابع كوميدي في المنظور الأدبي، قدم ثيربانتس، في روايته، شخصية دون كيشوت بمزيج من التعاطف والسخرية، ليكشف كيف يمكن للفكر المثالي «بالمعنى الفلسفي» أن يصبح أداة تدمير ذاتي لأنه لا ينطلق من الواقع في تعامله مع حقائقه.
الصراخ الواعي
كما أنها تعكس تجربة سرفانتس الشخصية، فبلده إسبانيا الإمبراطورية في حينه، كانت تعيش حلم المغامرات واستكشاف عالم جديد، ولكنها كانت تدفع ثمن ذلك المجد من جيوب الناس، جوعاً وفقراً سببته الحروب واستهلاكها للموارد، وسلطة همها تكديس الثروة من خلال فرض الضرائب الباهظة وتعميق الفساد والرشوة والمحسوبية وغيرها، فكانت كتابته للرواية تعبيراً عن صرخة اعتراض على ما يجري في البلاد التي حارب وأُسر، وكان مستعداً لهذه التضحية، من أجلها، صرخة أعلن من خلالها أن إسبانيا أصبحت مسخاً انتهكها فيه الفساد والبؤس... ولذلك كله تملكه حنين لزمن آخر لم تكن الحياة فيه على هذه الدرجة من القسوة، ولكنه كان واعياً أن الماضي لا يمكن أن يعود، لذلك استطاع أن يأخذ مسافة من حنينه، ويرسم شخصية استثنائية في عالم الأدب، تتجسد فيها المزاوجة بين الألم والعبث لأقصى درجة، وقد تركت الرواية أثراً في تاريخ الأدب، جعلت ميلان كونديرا يقول: «في اللحظة التي خرج فيها دون كيشوت من منزله، وُلد فن الرواية».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254