Skip to main content

اقتصاد (3537)

الاقتصاد العالمي مزعزع بالمشاكل، مضروب من قبل عواصف الحرب والوباء والحمائية، الأمر الذي سمح لنسيج التضخم والركود المتجذر في الرأسمالية أن يصعد إلى السطح. بقيت أسعار الأسهم تنخفض لأسابيع، حيث يسيطر الخوف على الأسواق، ويتفشى التضخم، والتهديد بحدوث ركود جديد.

اعتاد الناس منذ النصف الثاني من القرن الماضي النظر إلى الدولار الأمريكي بوصفه العملة الأكثر استقراراً وثقة في العالم. وخلال هذه المدة الطويلة، ركنت بعض «النخب» فيما يسمى بالعالم الثالث إلى فكرة التفوق المطلق لأدوات الهيمنة الأمريكية - والدولار ضمناً- حتى بدا لها أن فكرة تراجع الوزن الأمريكي بمثابة كسر للمسلمات التي نشأت عليها. وظل ذلك سارياً حتى تبيّن للعيان اليوم أن «البديهيات» التي اعتادوا عليها تتحطّم أمام صخرة الواقع الجديد.

بعض التوترات الاجتماعية لها خسائر فاجعة، ما علينا سوى إلقاء نظرة على ١٩ طفلاً ومعلّماً تمّ قتلهم بوحشية ليكونوا ضحايا اللا استقرار الاجتماعي الأمريكي. لكن بالنسبة للسياسيين، يمكن لهذه الحوادث التي يتمّ إدراجها ضمن الحروب الثقافية أن تلهي الناس بسهولة عن الحقائق الاقتصادية. بهذا المعنى، فما يسمّى بالحروب الثقافية مجرّد هراء، فالرجعيون والفاشيون هم مجرّد صنيعة قاعدة يمينية فاسدة مكنت الشركات من سرقة ترليونات الدولارات من الطبقة العاملة.

يُعبر النظام المالي العالمي عن الطريقة التي يتم وفقها ترتيب التبادلات الاقتصادية الدولية وآليات التسعير والتبادل بين العملات وتسوية المدفوعات المالية… إلخ. وكما هو الحال في كل الظواهر التاريخية، فإن النظام المالي الدولي ليس نظاماً أبدياً، بل هو ظاهرة تتطور تبعاً لتغيّر الظروف والتوازنات.

كانت وول ستريت تتساقط منذ أن وصلت المؤشرات إلى مستويات قياسية في بداية العام، حيث أثّرت أسعار الفائدة المتزايدة على شركات التكنولوجيا، التي كانت تتغذى على تدفق الأموال المجانية تقريباً من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. لكن الاحتياطي الفيدرالي قرر رفع أسعار الفائدة استجابة إلى أعلى معدل تضخم منذ ٤٠ عاماً، وذلك كي يُضيّق الخناق على مطالب أجور العمال. نتيجة لذلك، انخفض مؤشر نازداك بأكثر من ٢٥٪ هذا العام وسط علامات على أن فقاعة المضاربة تتقلص، مما يزيد من مخاطر حدوث أزمة كبيرة في النظام المالي.

طالت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للأزمة السورية المجتمع بشكلٍ عام، إلا أنها أثّرت بشكلٍ أكثر عمقاً بوضع الأطفال السوريين، مرسخة إياهم بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة وضعفاً في البلاد، والتي تمّ دفع جزءاً منها قسراً لسوق العمل من أجل المساهمة مع عوائلها في محاولة سد الفارق المهول بين الحد الأدنى لتكاليف غذاء الأسرة والحد الأدنى للأجور، بينما يعيش غالبية هؤلاء الأطفال في ظل ظروف تُهددهم بآثارٍ ستطال حياتهم اللاحقة كلها.

في الآونة الأخيرة، نشرت بعض وسائل الإعلام الغربية الكثير من التقارير حول «مغادرة رأس المال الأجنبي للصين» و«تراجع نيّة الشركات الأجنبية للاستثمار في الصين»، وهو ما يشكّل جولة جديدة من الإساءة للاقتصاد الصيني. تُظهر أحدث البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الصينية بأنّ الاستخدام الفعلي لرأس المال الأجنبي في الصين قد ارتفع بنسبة ٢٠,٥٪ على أساس سنوي، ليصل إلى ٤٧٨,٦١ مليار يوان في الربع الأول من عام ٢٠٢٢.

مع كل يومٍ يمضي، ومع كل تعقّدٍ إضافي وضربات يتلقاها الاقتصاد العالمي، تتضحّ أكثر فأكثر حقيقة أن وحدها الدول التي حافظت وطوّرت منظومات الإنتاج لديها- وتحديداً منه الإنتاج الحقيقي من صناعة وزراعة وغيرها- هي القادرة على الصمود وضمان ظروف معيشة شعوبها بشكلٍ جديّ بعيداً عن الاستهلاك المبتذل لشعارات الصمود.

إنّ صعود الصين هو حقيقة لا جدال فيها. لهذا تشكّل خطراً وجودياً على الإيديولوجيا الرأسمالية- النيوليبرالية، رغم أنّ الصينيين أنفسهم لم يبذلوا سوى القليل من الجهد لتعريف تجربتهم، ولم يبذلوا جهداً على الإطلاق لتصديرها للعالم بوصفها نموذجاً اقتصادياً منافساً. رغم ذلك، تبقى الصين تمثّل تحدّياً لا يمكن للرأسمالية النيوليبرالية احتمال وجوده.

رغم أنّ خطر المواجهة الاستراتيجية الأمريكية مع الصين وروسيا في وقت واحد هو كابوس جيوسياسي لواشنطن، تحاول جاهدة جذب حلفائها إلى الصراع، لا سيما في آسيا. لهذا السبب ركز البيت الأبيض اهتمامه مؤخراً على «الرباعية» أو ما يسمّى بالناتو الآسيوي. لكنّ شعوب بعض هؤلاء الحلفاء ورواد أعمالها يجدون أنّ ما يجري لا يخدم مصالحهم ويدفعهم نحو الأزمة دفعاً.

الصفحة 33 من 253