عصام حوج
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لم يعد الخطاب الطائفي مجرد عارض جانبي للأزمة السورية، بل يتم العمل على تحويله إلى أداة تدمير ممنهجة تقوض ما تبقى من أسس الدولة، وعائقاً أمام تبلور أي مشروع مستقبلي لإنقاذ البلاد.
من هنا، يبرز تجريم الخطاب الطائفي ليس كترفٍ فكري أو خيار سياسي مؤجل، بل ضرورة وجودية، ومدخل إلزامي لإعادة بناء جهاز الدولة وفق استحقاقات الظرف السوري الراهن، وموقع سورية في العالم المعاصر.. لماذا؟
تتعدد جوانب التراجيديا السورية، اذ تتداخل فيها الأبعاد التاريخية بالمعطيات الراهنة، ويتكامل فيها العامل الداخلي مع التدخلات الخارجية العابرة للحدود. ونشهد تخادماً غير معلن بين السلطة ومن يعتبر نفسه معارضة، وتشوهاً حاداً في العلاقة بين الثقافي - السياسي والاقتصادي-الاجتماعي وانزياحاً خطِراً للهوية الوطنية العامة لصالح الهويات الفرعية والخاصة، حيث بات اليومي والعابر والهامشي يطغى على ما هو استراتيجي ووجودي، مما أدى في المحصلة إلى غياب، بل وتغييب، أي (فكرة جامعة) قادرة على لم شتات الجغرافيا والديمغرافيا.
كشفت ملامح وجوه الفلاحين المحتجين على تسعيرة القمح الأخيرة، ونبرة القهر الكامنة في صيحاتهم، ودلالات التحدي في قبضاتهم المرفوعة، والوعي العميق المبثوث في لافتاتهم وشعاراتهم، عن طبيعة هذه الشريحة الاجتماعية العريضة ومركزيتها في الجغرافيا السورية.
يُعدّ حقّ تقرير المصير واحداً من أكثر المفاهيم السياسية التي شهدت تحولات جوهرية عبر التاريخ، إذ تغيّرت مضامينه بتغير الظروف الدولية وتطور بنية الدولة الحديثة. فمنذ أن برز المفهوم في صورته الأولية إبّان الثورتين الفرنسية والأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر، مروراً بصياغاته القومية في أوروبا القرن التاسع عشر، وصولًا إلى تكريسه في القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ظلّ حقّ تقرير المصير محوراً صراعياً يحدد مصائر شعوب ودول، ويعيد رسم الخرائط السياسية عالميًّا.
بات الحديث عن تقسيم سورية مادة متداولة تحتل حيّزاً متزايداً من النقاش والجدل، سواء داخل البلاد أو خارجها. لكن هذا الحديث يُطرح عادةً من زاويتين أساسيتين:
في مشهد رمزي لافت، أقدم عشرات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، قبل أسابيع، على إحراق أسلحتهم، في إشارة إلى انطلاق مرحلة تاريخية جديدة بين الدولة التركية والأكراد، عنوانها الأبرز هو السلام. تأتي هذه الخطوة ترجمةً لمبادرة زعيم الحزب التاريخي، عبد الله أوجلان، التي تحوّلت إلى قرار نافذ خلال المؤتمر الثاني عشر للحزب.
يتكوّن الوعي الاجتماعي من خلال التراكم، إذ مرت البشرية في تاريخها الطويل بسلسلة من التجارب التي أغنت على الدوام وعي الإنسان لذاته، وارتقت به إلى مستوى أعلى من القدرة على التفاعل مع الوسط الطبيعي والاجتماعي، على طريق الحفاظ على النوع، وتأمين حاجاته التي تزداد طرداً مع تطور الوعي.
التعدد القومي والديني والطائفي أحد خصائص سورية كدولة وشعب، فرضه مسار التطور التاريخي على هذه الجغرافيا خلال قرون، جرى الاشتغال على هذا التعدد بأكثر من اتجاه إشكالي منذ تشكل الدولة السورية الحديثة:
يختلف تعريف الشعبوية، تبعاً لمدارس الفكر السياسي وموقفها من دور العامّة في حركة التاريخ، وانخراطها في النشاط السياسي، بين من يستند على المزاج الشعبي العابر، وردود الأفعال، ويركب كل موجة صاعدة، ويسير في ذيل الحركة العفوية للجماهير الساخطة، وبين من يحلل الواقع وفق رؤية علمية، ويستنتج على أساسها المهمات الملموسة، أمام الحركة الشعبية.
ما يحدث في الساحل السوري هي ضربة استباقية للحركة الجماهيرية الصاعدة بعد انهيار السلطة الساقطة، تتخادم فيه نفايات سلطة الأسد، مع قوى مشبوهة ضمن السلطة الجديدة، أو على أطرافها، تتوافق مصالح الطرفين موضوعياً على الأقل، في منع تحويل الصراع الملوث العبثي الدائر منذ سنوات، إلى صراع سياسي حضاري على أساس برنامج الخروج من الأزمة، ولما كان الطرفان قوى منبوذة في البنية الاجتماعية السورية، كان لا بد من إطار أيديولوجي قادر على الاستقطاب والتجييش من خلال محاكاة هواجس بنية نفسية قلقة، مثقلة بالخوف والقهر تكونت خلال سنوات الحرب، فوجد هؤلاء ضالتهم في الطائفية كبضاعة جاهزة يمكن ترويجها وتسويقها بعد سنوات من الحرب الإعلامية النفسية التي تقصف الوعي الاجتماعي.