قانون العمل المتوازن لا يطرد الاستثمار... بل يصنع بيئته
تتبنى حكومات كثيرة- خصوصاً في البلدان التي تبحث عن جذب الاستثمارات الخارجية- فكرة تبدو للوهلة الأولى منطقية: كلما خفّضنا كلفة العمل على أصحاب المشاريع، وقلّصنا القيود المفروضة على أرباب العمل، وجعلنا تسريح العمال أسهل، وأضعفنا دور النقابات والمفاوضة الجماعية، أصبح الاقتصاد أكثر جاذبية للمستثمرين. وغالباً ما تجد هذه الرؤية سنداً لها في بعض وصفات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها: البنك الدولي، حين يجري التركيز على «مرونة سوق العمل» وتحسين بيئة الأعمال باعتبارهما عاملين في تشجيع الاستثمار.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول «مرونة سوق العمل» من أداة لتنظيم الاقتصاد إلى عنوان لإلغاء حقوق العمال.
فالاستثمار لا يبحث فقط عن عامل رخيص يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة. المستثمر، قبل أن يضع أمواله في بلد ما، يبحث عن الاستقرار، وعن وضوح القواعد، وعن وجود مؤسسات قادرة على تطبيق القانون، وعن سوق محلية قادرة على استهلاك منتجاته، وعن مجتمع لا يعيش على حافة الانفجار الاجتماعي. ومن هنا فإن الاعتقاد بأن سحق حقوق العمال يؤدي تلقائياً إلى تدفق الاستثمارات هو اعتقاد يختزل العملية الاقتصادية المعقدة في عنصر واحد: كلفة الأجر.
العامل ليس تكلفة فقط!
من الأخطاء الأساسية في هذه المقاربة، النظر إلى العامل باعتباره بنداً من بنود النفقات ينبغي تخفيضه إلى الحد الأدنى. العامل في الحقيقة ليس مجرد «كلفة» على صاحب العمل؛ إنه في الوقت نفسه مُنتِج، ومستهلك، وصاحب أسرة، وجزء أساسي من المجتمع.
عندما يحصل العامل على أجر عادل ومستقر، فإنه ينفق الجزء الأكبر منه على الغذاء والسكن والتعليم والصحة والنقل والسلع والخدمات. أي أن الأجر يعود إلى الدورة الاقتصادية، ويخلق طلباً على الإنتاج، ويدفع عجلة الأسواق المحلية.
أما عندما تُخفض الأجور إلى مستويات لا تكفي للحياة، ويصبح العامل مهدداً بالطرد في كل لحظة، ويُحرم من التعويضات والحماية الاجتماعية، فإن النتيجة ليست بالضرورة زيادة الاستثمار والإنتاج، بل يمكن أن تكون انكماشاً في الطلب الداخلي، وتراجعاً في القوة الشرائية، واتساعاً للفقر، وهجرة للكفاءات، وتزايداً في الاقتصاد غير المنظم.
وهنا تظهر المفارقة: القانون الذي يُضعف العامل بحجة أنه يجذب الاستثمار قد يؤدي في النهاية إلى إضعاف السوق التي يحتاجها الاستثمار نفسه.
هل الاستثمار يبحث عن الفوضى الاجتماعية؟
إذا كان الهدف الحقيقي هو جذب الاستثمار، فعلينا أن نسأل: ما الذي يجعل المستثمر يشعر بالأمان؟
هل هو وجود ملايين العمال الذين لا يملكون أي ضمانات؟ أم وجود قانون واضح يعرف فيه العامل ورب العمل حقوقهما وواجباتهما؟
هل هو سهولة فصل العامل دون سبب؟ أم وجود قضاء قادر على الفصل في النزاعات بسرعة وعدالة؟
هل هو غياب النقابات؟ أم وجود مؤسسات تمثل العمال وتستطيع التفاوض مع أصحاب العمل بطريقة منظمة وسلمية؟
الاستثمار الجاد والطويل الأجل يحتاج إلى بيئة مستقرة. والاستقرار لا يعني فقط استقرار سعر الصرف، أو انخفاض الضرائب، وإنما يعني أيضاً الاستقرار الاجتماعي والقانوني والسياسي.
فالمجتمع الذي تتسع فيه الفجوة بين الأجور والأرباح، وتتزايد فيه البطالة والفقر، وتنتشر فيه عقود العمل الهشة، ليس مجتمعاً مستقراً بالمعنى الحقيقي، حتى لو بدت مؤشراته الاقتصادية جيدة على الورق.
قانون العمل يجب أن يحقق التوازن
ليس المطلوب أن ينحاز قانون العمل بصورة مطلقة إلى العامل ضد صاحب العمل. فالمشروع الاقتصادي يحتاج إلى هامش من المرونة، وصاحب العمل يحتاج إلى القدرة على إدارة منشأته والتكيف مع ظروف السوق.
لكن المرونة شيء، وتحويل العامل إلى طرف بلا حماية شيء آخر تماماً.
القانون المتوازن هو الذي يسمح للمؤسسة بالتطور والمنافسة، وفي الوقت نفسه يضع حدوداً واضحة تمنع الاستغلال. هو الذي يسمح بإعادة هيكلة المنشآت عند الضرورة، ولكن لا يسمح باستخدام «إعادة الهيكلة» ذريعة للتخلص التعسفي من العمال. وهو الذي يتيح عقود العمل المرنة حيث تكون ضرورية، لكن يمنع تحويل العمل الدائم إلى سلسلة من العقود المؤقتة بهدف حرمان العامل من حقوقه.
والأهم، أن القانون المتوازن يمنح الطرفين القدرة على التفاوض. فالنقابة القوية ليست عدواً للاستثمار، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما يمكن أن تكون شريكاً في تحقيق الاستقرار داخل مكان العمل.
الأجر العادل استثمار في الاستقرار
من الخطأ النظر إلى زيادة أجور العمال باعتبارها عبئاً اقتصادياً دائماً. فالأجور العادلة يمكن أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية توسع السوق الداخلية.
العامل الذي يحصل على دخل يكفيه للعيش ليس فقط أكثر قدرة على الاستهلاك، بل يكون أيضاً أكثر ارتباطاً بعمله، وأقل اضطراراً إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، وأكثر قدرة على تطوير مهاراته والحفاظ على إنتاجيته.
أما العامل الذي لا يستطيع تأمين احتياجات أسرته من أجره، فسوف يبحث بالضرورة عن عمل إضافي، أو يفكر في الهجرة، أو يفقد الحافز للاستمرار في العمل، أو ينتقل إلى الاقتصاد غير الرسمي.
وبالتالي، فإن حماية العمال ليست مسألة أخلاقية واجتماعية فحسب؛ إنها أيضاً مسألة اقتصادية وإنتاجية.
الاستثمار الحقيقي لا يحتاج إلى عامل بلا حقوق
قد ينجذب بعض المستثمرين الباحثين عن الربح السريع إلى البلدان التي تتميز بانخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية. لكن هذا النوع من الاستثمار لا ينبغي أن يكون النموذج الذي تبني عليه الدولة اقتصادها.
فالاستثمار الذي يأتي فقط بحثاً عن اليد العاملة الأرخص يمكن أن يرحل بمجرد ظهور بلد آخر يقدم أجوراً أقل. أما الاستثمار الذي يرتبط بالبنية التحتية، والمهارات، والسوق، والاستقرار، والإنتاجية، والمؤسسات، فإنه يبحث عن عوامل أكثر عمقاً واستدامة.
ومن هنا ينبغي للدولة أن تنافس على أساس جودة بيئة الأعمال، لا على أساس مقدار ما تستطيع انتزاعه من حقوق العمال.
يمكن جذب المستثمر من خلال القضاء المستقل، والإدارة الفعالة، ومحاربة الفساد، وتبسيط الإجراءات، وحماية الملكية، وتوفير الطاقة والبنية التحتية، وتأهيل اليد العاملة، واستقرار القوانين، وليس من خلال تحويل العامل إلى الحلقة الأضعف في العملية الاقتصادية.
المطلوب تغيير فلسفة العلاقة بين العمل والاستثمار
المشكلة في كثير من السياسات الاقتصادية ليست في البحث عن الاستثمار بحد ذاته، بل في الطريقة التي يجري بها تعريف «بيئة الاستثمار».
فإذا كانت بيئة الاستثمار تعني بيئة يستطيع فيها صاحب رأس المال أن يفعل ما يشاء، وأن يخفض الأجور كما يشاء، وأن يفصل العمال متى شاء، وأن يتجنب التزاماته الاجتماعية، فإننا لا نتحدث عن بيئة استثمارية صحية، بل عن اختلال في ميزان القوى.
أما إذا كانت بيئة الاستثمار تعني وجود قواعد واضحة ومستقرة، وحقوقاً متبادلة، وقضاء فعال، وعمالاً محميين، وأصحاب عمل قادرين على المنافسة، وسوقاً داخلية نشطة، فإننا نكون أمام نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.
إن حماية حقوق العمال لا تعني الوقوف في وجه الاستثمار، كما أن الدفاع عن مصالح أصحاب العمل لا يعني بالضرورة الاعتداء على العمال. المطلوب هو بناء عقد اجتماعي واقتصادي أكثر توازناً.
وفي النهاية، فإن أفضل قانون للعمل ليس القانون الذي يجعل العامل أرخص ما يمكن، وإنما القانون الذي يجعل العلاقة بين العمل ورأس المال أكثر استقراراً وعدالة. فالاستثمار لا يحتاج إلى مجتمع مكسور حتى ينجح؛ يحتاج إلى مجتمع مستقر.
وعندما يشعر العامل أن القانون يحميه، ويشعر صاحب العمل أن القانون يحمي استثماره، ويثق الطرفان بأن الخلافات يمكن حلها عبر المؤسسات والتفاوض والقضاء، عندها تصبح الدولة أكثر جاذبية للاستثمار، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية.
إن الطريق إلى جذب الاستثمار لا يمر بالضرورة عبر هضم حقوق العمال؛ بل قد يمر، على العكس تماماً، عبر بناء دولة قانون ومجتمع متوازن، وسوق عمل عادل ومستقر. فحقوق العمال ليست عقبة أمام التنمية، وإنما أحد شروطها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290